الرئيس الأميركي يعرف.. ولكن ماذا سيفعل؟   
الثلاثاء 20/5/1436 هـ - الموافق 10/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:56 (مكة المكرمة)، 13:56 (غرينتش)
توجان فيصل

أعطى فوز باراك أوباما برئاسة الولايات المتحدة الأمل في أن تغير أميركا من نظرتها للأمم الأخرى باعتبارها وُجدت لتخدم "الغرب والشمال"، وتوفر رفاهه ولو بوسائل الاستعمار المتوحش التي خبرتها قارات أربع أحيلت لـ"عالم ثالث"!

ففوز أوباما مثل اختراقاً لكل العوائق التي جعلت الرئاسة الأميركية حكرا على طبقة الرأسماليين الأنجلوساكسونيين البروتستانت المتشددين في الأغلب (باستثناء كينيدي)، وصولا لقدوم رؤساء من فرق دينية متطرفة قدّمت مصالح إسرائيل على مصالح أميركا ذاتها في غلاف ديني توراتي أصولي مستجد.

وأشّر اختراق كهذا إلى قدرات وثقة بالنفس هائلة لدى هذا الشاب العصامي، ولكنه أشر أيضا إلى تغير قيمي جذري في المجتمع الأميركي. ولكن الأصعب من الفوز ما يليه من مواجهة مؤسسة دينية/عرقية متطرفة، بامتدادات داخل مؤسسات المال الفاسد الدولية، سيطرت على السياسة الأميركية وأفسدتها بما قرّبها لحال الدول العالمثالثية في عهد بوش الابن.

وهذا جعل المطلوب من هذا المستجد -بكل المعاني- على البيت الأبيض أن يعيد إدارة دفة "التايتنك" الأميركية بعيدا عن جبل الجليد الذي أدخلتها فيه إدارات سابقة، إلى حيث أشر برنامجه الانتخابي وخطاب تنصيبه.

وكانت البدايات مؤمّلة، ومنها زيارة أوباما لمنطقتنا وخطابه الشهير في جامعة القاهرة..، ولكن ما تلاه كان ارتدادا أتاح لغلاة أصحاب نظرية المؤامرة أن يعلنوا فوزهم، ومعهم المتطرفون الإسلاميون الذين يتهمون كل جهد إصلاحي تنويري بأنه صنيعة للغرب..، بينما هم المتّهَمون، وبتصاعد الآن يقارب إجماع البقية عليهم، بأنهم صنيعة الغرب الذين بهم يراد ضرب الإسلام والعروبة!

وبعيدا عن الاتهامية، نعود للحظة السياسية الراهنة والتي خيارات الكل فيها مصيرية، مما يحتم أن نعرف مع من نلعب أومن يلعب بنا؟ ونبدأ بالنظر لما يفعله كبار اللاعبين في منطقتنا وهم الآن أميركا وروسيا ومن بعدهما وبحذر (يتوجّب علينا تعلّمه) تأتي أوروبا الموحدة، ثم إيران. ولن أعرض لما يلي هؤلاء من تحالفات عربية أو عربية/إسلامية لأنها جميعها في طور مرحلي سيحكم صيغته النهائية ما يفعله الكبار.

ومقالتي هذه رصد موجز لمواجهة أكبر لاعبين: أوباما (بشكل رئيسي) وبوتين. وأهمية هذين لا تتمثل فقط في كونهما قيادتيْ المعسكرين الشرقي والغربي اللذين عادا للاصطفاف على مشارف حرب باردة أو حتى ساخنة جديدة، بل أيضا لما يفعله الآن المعسكران الوثيقا الصلة بشخصيْ الرئيسين.

وقد لا تكون هذه أول مرة في تاريخ القوتين الكُبرييْن منذ قرن من الزمان، واللتين كانتا تحكمان من قبل "مؤسستيْ حكم" بنهجين متباينين أكثر منه بشخوص رؤسائهما.

فهنالك قيادات معدودة لكل من روسيا وأميركا دخلت التاريخ كفاعل أصيل ببصمة خاصة. ولكن لم يحدث أن اجتمع فاعلان متميزان في فترة زمنية واحدة ليؤثرا في مسار العالم، إلاّ في عهد كينيدي وخروتشوف اللذين أمكنهما تنفيس ما قارب حربا نووية في "أزمة الكاريبي".

من أهم ما قام به أوباما سرا ومنفردا المفاوضات مع إيران التي تسحب فتيل حرب كانت تهدد الاستقرار الهش في الشرق الأوسط. وجاء ظهور "داعش" تجسيدا لما يعنيه التطرف السني المتنامي، ليعين أوباما على تمرير اتفاق مع إيران ينهي مخاوف التسلح النووي الإيراني

ونبدأ برصد موجز لأداء أوباما وبما يخص موضوع مقالتنا. فبعد طول انصياع شبه تام لقوانين المجموعة الحاكمة في أميركا، نجد أوباما يتحرك مؤخرا لملء كامل مساحته كرئيس للولايات المتحدة.

وليس غريبا أن يأتي حراكه هذا في الدورة الثانية لرئاسته، وفي نصفها الثاني تحديدا، فمعروف أن الرؤساء الأميركان يكونون أكثر تحررا حينها من ضغوط لوبيات المصالح الخاصة. وما يهمنا هنا هو ما قام به أوباما على الصعيد الدولي، وهو الأبقى فيما يخص صورة ودور أميركا في التاريخ.

وأوّله أنه أغلق ملف الصراع مع جارته كوبا بتطبيع العلاقات معها، مما يريح أميركا من شوكة أمنية في خاصرتها، ولكن الأهم أنه يريحها من أحد مصادر الهجرة غير الشرعية التي هي مشكلة سياسية/أمنية/اقتصادية/إنسانية رئيسية في أميركا (اهتم بها أوباما)، ومثيلتها برزت باعتبارها المشكلة الأخطر في أوروبا الآن تحديدا.

ولكن الأهم هو ما قام به أوباما سرا ومنفردا من مفاوضات مع إيران تسحب فتيل حرب كانت تهدد الاستقرار الهش في الشرق الأوسط. وجاء ظهور "داعش" تجسيدا لما يعنيه التطرف السني المتنامي، ليعين أوباما على تمرير اتفاق مع إيران ينهي مخاوف التسلح النووي الإيراني، بل ويجعل إيران جزءا من الحل لمواجهة الإرهاب بعد أن كانت تعتبر جزءا من المشكلة، في احتواء مزدوج لتحدي إرهاب التطرف الديني الذي تستثمره إسرائيل لتغطية إرهابها هي.

ومن يعرف الحقائق على الأرض في منطقتنا، يعرف أن وضع إسرائيل غير المشروع بأي مقياس (يلغي وجود وطن وشعب بكاملهما، ناهيك عن ممارسات مماثلة لما تقوم به داعش بحرق فلسطينيين أحياء، والفتى أبو خضير مثالا)، إضافة لما يورده أوباما عن حال المنطقة -مما سنأتي له- هما المنتج الأكبر للإرهاب فيها.

والتالي من حيث الأهمية هو طريقة تعامل أوباما مع تجاوز نتنياهو له في ترتيب موعد لمخاطبة الكونغرس مؤخرا، متحدثا ليس فقط باسم الإسرائيليين بل وباسم يهود أميركا، في محاولة لحشد الكونغرس لرفض اتفاقية الطاقة النووية مع إيران التي أنجزها أوباما!

وأوباما قدر على ما لم يقدر عليه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في أوج تعاطف العالم معه بعد مجزرة "شارلي إيبدو"، فسقطت مسيرة قادة العالم في مستنقع الغضب والسخرية لمشاركة قمعيين موغلين في التجاوز على حقوق الإنسان فيها، وفي مقدمتهم نتنياهو الذي خاطب اليهود الفرنسيين وكأنهم رعاياه!

وبعكس هذا، جاءت ردة فعل أوباما على تجاوز مماثل لصلاحياته (توج إساءات عنصرية أخرى من طرف نتنياهو)، مما أدى لنبش ذات موضوع: من هو الأميركي..؟ ولكن هذه المرة كان على يهود أميركا أن يستنكروا قول نتيناهو المهدد لوضعهم في أميركا والمشكك في وطنيتهم واستحقاقات مواطنتهم.

وتعريف الأميركي "نظريا" بكونه كل من يحمل جنسية الولايات المتحدة بغض النظر عن عرقه وديانته كان حُسم "عمليا" بفوز "بارك أوباما الابن"، أي ابن باراك أوباما الكيني المسلم، ليصبح الرئيس الممثل لأميركا والأميركيين أمام العالم كله.

حتما أنه حيثما يمتد النفوذ والرعاية الروسية في الإقليم لن تكون هنالك ديمقراطية بسقف أعلى مما في روسيا، بل ستكون في أقصى حالاتها أقرب لما ساد تركيا عقودا من انتخابات رئاسية ضمن محددات تضعها المؤسسة العسكرية

وأوباما سار في رده على نتياهو خطوة أبعد بأن حسم ما أسماه ساركوزي "كذب نتنياهو" (وأيده فيه أوباما في تسجيل جرى دون علم الرئيسين)، برفع السرية عن تقرير أميركي كان صدر عام 1987 إثر تسريبات مردخاي فعنونو، يثبت قيام إسرائيل بتطوير أسلحة نووية. ورفع السرية يتجاوز كشف كذب نتنياهو لمواجهة الكونغرس الأميركي بوجوب وقف المعونات الأميركية لإسرائيل، تنفيذا لقانون أميركي قائم منذ عام 1961 يحظر تقديم مساعدات للدول التي تطور أسلحة نووية!

والاتفاقية مع إيران تتجاوز تنفيس الخطر النووي الإيراني وحتى توظيف إيران في مكافحة الداعشيين، لاستباق روسيا التي غازلت إيران عبر القضية السورية الجامعة لهما في "معسكر" واحد. وتعبير "معسكر" دقيق لكون مشاركة إيران في الاقتتال الجاري إلى جانب النظام والجيش السورييْن لم تعد تقتصر على مشاركة حزب الله، بل تعدته إلى مشاركة إيرانية مباشرة.

بينما عاد الآن بوتين -الذي حرك بوارجه قريبا من شاطئ اللاذقية عند أول تلويح بالتدخل الأميركي في سوريا- ليصرح (بعد ما جرى في أوكرانيا) بأن روسيا هي الأقوى عسكريا، ناصحا بألا تساور أحدا أوهام بشأنها، أي بشأن استعداد روسيا للتحرك عسكريا لحفظ مصالحها في الإقليم، ومنها سيطرتها على خط "الغاز الطبيعي" الذي غير وسيغير أكثر وجه النفوذ المرتبط بمصادر الطاقة والأهميات النسبية "التقليدية" لدول المنطقة والعالم.

وهذا ما يستطيع بوتين فعله، وهو مخول به من الروس باعتباره القائد القومي الذي بدأ يعيد لهم مكانتهم التي فرّط فيها بصورة مذلة رؤساء مثل غورباتشوف ويلتسين.

وهذا التفويض الذي يتكرر بتنصيب مدفيدف في رئاسة الجمهورية لحين عودة بوتين صراحة لها، ليس تحديدا كالديمقراطية التي تُحكم بها أميركا والتي تقيد أيدي كل من الرئيس والكونغرس بشأن خوض أي حرب "بجنود" أميركان، تحديدا بعد خسائر أميركا في أفغانستان والعراق.

وحتما حيثما يمتد النفوذ والرعاية الروسية في الإقليم لن تكون هنالك ديمقراطية بسقف أعلى مما في روسيا، بل ستكون في أقصى حالاتها أقرب لما ساد تركيا عقودا من انتخابات رئاسية ضمن محددات تضعها المؤسسة العسكرية. وهذه صيغة مقبولة مرحليا وبدعم أغلبية شعبية في العالم العربي، بشرط أن تكون المؤسسة العسكرية معادية لإسرائيل. والجيوش العربية كذلك حقيقة لحينه، وبخاصة في محيط إسرائيل المباشر.

فعقيدة الجيوش العربية "الوطنية" هي أيضا "قومية" لكون الحدود العربية في محيط إسرائيل لم تكن قائمة قبل وضعها على أيدي الحلفاء لتتضمن "إسرائيل". والعقيدة الدينية الإسلامية للجيوش العربية تعزز فكرة رفض الحدود.

وقد يكون الاحتواء الوحيد الممكن لأثر تلك العقيدة بإبعادها عن التطرف هو وضعها في مواجهةٍ -ولو نظريا- مع التهديد الإسرائيلي العقدي والوطني والقومي معا. وهذا أحد أسباب قوة الجيش السوري الذي حافظ على النظام بالضد من أغلب التوقعات, وسيكون أكبر امتحان يواجه حكم السيسي الذي صوّر تقاربه مع روسيا وكأنه عودة لعهد عبد الناصر..، وهذا التصوير هو وحده ما يدعم تشبيه السيسي بناصر، والذي يبدو أن السيسي عوّل ويعول عليه.

ومقابل "الديمقراطيات العسكرية" التي سينتظمها الفلك الروسي بدرجة معقولة من الاستقرار بالقبول الشعبي..، ماذا يبقى لأميركا من قوة تأثير في المنطقة؟

الرئيس الأميركي حدد هنا المساحة الإستراتيجية الأهم والأسهل المتبقية لأميركا والغرب (أوروبا) لتحتفظ بعلاقة "شراكة حقيقية" مع العالم العربي. وإلا فإن روسيا بوتين ستحتل مكانة روسيا الشيوعية كحليف يثق العرب بدعمه الأكيد

أوباما (وهو الرئيس الأميركي القادم من قواعد وخبرة حياتية أهلته لإطلالة متميزة على العالم الثالث) شخّص -في خطاب ألقاه مؤخرا أمام المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب- حال المنطقة وحال أميركا والغرب فيها بقوله:

"الحقيقة أن هنالك خطا فكريا لا يعانق وسائل داعش ولا يعانق العنف، ولكنه مقتنع بأن العالم الإسلامي عانى من مآس تاريخية، وهذا دقيق في بعض الحالات، وبأن الكثير من علل الشرق الأوسط أتى بها تاريخ من الاستعمار والمؤامرة...

والحقيقة أن ملايين البشر -وخاصة الشباب- مفقرون ولا أمل لهم في المستقبل. وعندما يسبب الفساد إذلالات يومية للبشر، وعندما لا يوجد منفذ ليعبّر الناس عن همومهم، فإن الغضب يتفاقم وتتضاعف مخاطر حدوث عدم الاستقرار والتطرف...، وقد رأينا هذا على امتداد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. والجماعات الإرهابية تسعد بأن تتحرك لملء الفراغ...، وكما نعالج الهموم المعيشية علينا أن نعالج  تحديا آخر هو الهموم السياسية.

فعندما تقمع الحكومات شعوبها وتحرمهم من حقوق الإنسان، وتخنق المعارضة، أو تهمّش الأقليات العرقية والمجموعات الدينية، أو تؤثر مجموعات على غيرها، فإنها تزرع بذور التطرف والعنف، وتجعل تلك المجتمعات أكثر هشاشة في مواجهة تجنيدهم (من قبل المتطرفين). فالجماعات المتطرفة تدعي أن التغيير لا يأتي سوى بالعنف. وحين يستحيل التغيير السلمي، فهذا يخدم الدعاية المتطرفة. لهذا فإن مكونات الاستقرار والتقدم ليس بديمقراطية أقل، بل بديمقراطية أكثر".

الرجل إذن ليس غافلا، والسؤال هو ماذا سيفعل؟؟ حتما هو لن يتدخل عسكريا لتحرير الشعوب، ولا أحد في المنطقة يريده أن يفعل ذلك. ولكن هل سيوقّع شهادات حسن سلوك للأنظمة التي شخّص حالها؟ وهل سيقدم معونات تقوي فقط حكومات وصف فسادها بظن أن جيوش "المفقرين" ستحشد لخوض حرب ضد الإرهاب وليس معه؟

والأهم: هل سيقدم أو يضمن مزيدا من القروض بظن أن الشعوب التي لن تقدر على الدفع ستركع؟ هل يمكن لرئيس الدولة العظمى الذي أركع بنوك سويسرا وأجبرها على كشف السرية عن حسابات الأميركيين كي يخضعها للضريبة، أن يكشف ما لدى أميركا وحلفائها وأتباعها من ثروات مسؤولين تجمعت مما لا يقل عن "إذلالات يومية لملايين البشر"، أوقعت "الشباب خاصة" في يد التطرف والإرهاب؟!

الرئيس الأميركي حدد هنا المساحة الإستراتيجية الأهم والأسهل المتبقية لأميركا والغرب (أوروبا) لتحتفظ بعلاقة "شراكة حقيقية" مع العالم العربي. وإلا فإن روسيا بوتين ستحتل مكانة روسيا الشيوعية كحليف يثق العرب بدعمه الأكيد، بقدر غياب ثقتهم بمعونات وقروض تأتي من "الدول الاستعمارية"!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة