العلماء والحركات الإسلامية والعدوان على العراق   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: ياسر الزعاترة*

في الأسابيع الماضية شبع المواطن العربي والمسلم من وجبات التحليل السياسي اليومية التي تتحدث عن المخطط الأميركي لضرب العراق، وسمع الكثير عن أهداف ذلك المخطط، وبات مصطلح "إعادة رسم خريطة المنطقة" جزءا من التداول اليومي، فضلاً عن تغيير النظام في العراق ووضع "كرزاي" عراقي مكانه، ووضع اليد على نفطه ومقدراته. وبالطبع فقد سئم هذا المواطن من حديث المواقف الدولية وتحولاتها والمواقف العربية والإقليمية، فيما لم يجد أي أفق حقيقي يمنحه الأمل بإمكانية تجاوز الضربة ومن ثم تداعياتها.


لقد أعلن شارون بلساني الحال والمقال أنه ينتظر ما سيجري للعراق لفرض رؤيته للتسوية على العرب والفلسطينيين، تلك القائمة على حكم ذاتي تافه مقطع الأوصال على 70% من قطاع غزة و42% من الضفة الغربية دون قدس ولا عودة لاجئين
كل ذلك لم يؤد إلى تحرك حقيقي على الأرض رسمياً أو شعبياً للوقوف في وجه العدوان القادم أو لجعل "بوش" يعيد النظر في مخططاته، فالكل في حال انتظار، وباستثناء الدعوات المتوالية للعراق لإعادة المفتشين لا يلمس أي إجراء حقيقي على الأرض للوقوف في وجه الخطر القادم.

وإذا ما تجاوزنا هنا سؤال المواقف الرسمية العربية المرتبكة والخائفة مما ينتظرها بعد ضرب العراق، فيما لا تسعفها قدراتها الذاتية وحالة الشرذمة التي تعيشها في اتخاذ إجراء يواجه واشنطن ويدفعها إلى إعادة النظر في موقفها.. إذا تجاوزنا ذلك إلى الموقف الشعبي فإن الموقف يبدو أكثر إثارة للإحباط.

سؤال الموقف الشعبي وما يمكنه فعله يدفعنا مباشرة إلى فئات تتحمل المسؤولية الكبرى، وهي الحركات السياسية الشعبية وعلى رأسها الأكثر فاعلية هذه الأيام وهي الحركات الإسلامية، إضافة إلى مختلف الفعاليات الشعبية الأخرى من جمعيات ومنظمات ونقابات ورموز سياسية وشعبية لها صلة بالعمل العام، ويقف على رأس هذه الرموز فئة العلماء، علماء الدين الذين تجد أصواتهم ودعواتهم أصداء أكبر لدى الشارع من سواهم نظراً لحالة الصحوة الإسلامية التي تعم الشارع العربي والإسلامي.

ما جرى حتى الآن
في الأسابيع الأخيرة لم نلمس من هذه الفئات جميعاً سوى صوت خافت في إدانة ما هو قادم تمثل في بعض الندوات والمحاضرات والاعتصامات والبيانات، إلى جانب بعض الزيارات التضامنية الرمزية لبغداد من دون أن تقدم كل تلك الفعاليات جواباً على سؤال ما الذي يمكن عمله لمواجهة الخطر؟

لعل ذلك كله قد دفع الولايات المتحدة إلى تجاهل معادلة الشارع العربي والإسلامي في سعيها لتنفيذ المخطط القادم على رغم عدم امتلاكها أية مبررات مقنعة لضرب العراق، لا سيما والذريعة التي تثير سعار "صقور البنتاغون" هي ذريعة الإرهاب، ذلك الذي لم يقدم حتى الآن أي دليل على أن للعراق صلة به، اللهم إلا دعمه للمقاومة في فلسطين عبر دفع مبالغ لأهالي الاستشهاديين والجرحى ومن تهدمت بيوتهم، وهو أمر لا يدرك الكثيرون كم كان له من أثر في الغضب الإسرائيلي على العراق، فضلاً عما تراكم في السابق من قصص الأسلحة والموقف العراقي من التسوية والأمل بوضع عربي وفلسطيني متراجع بعد تغيير النظام هناك.


على الحركات الإسلامية والقوى السياسية أن تعلن صراحة أنها ستدفع مئات الآلاف بل الملايين إلى الحدود وإلى داخل العراق كي يتحولوا إلى دروع بشرية تحول دون الهجوم الأميركي
الحركات الإسلامية

من الواضح أن الحركات الإسلامية التي كان لها دور معقول في دعم انتفاضة الأقصى مادياً ومعنوياً منذ عامين، لا سيما في الأسابيع الأولى لانطلاقتها، إضافة إلى شهور التصعيد فيها ممثلة في الشهور الأربعة الأولى من هذا العام.. من الواضح أن هذه الحركات مازالت تعيش حالة الخوف التي دهمتها بسبب هجمات سبتمبر/ أيلول في الولايات المتحدة، والأهم حالة الإحباط التي عاشتها بسبب تراجع الموقف الفلسطيني والعربي أمام الضغوط، ومن ثم خضوعه للإرادة الأميركية الإسرائيلية والضربات الموجعة التي تلقتها المقاومة الفلسطينية بعد عمليات رهيبة نفذت بغطاء أميركي وتراجع رسمي فلسطيني وعربي.

كل ذلك لا يبرر بحال من الأحوال هذا الهزال السياسي الذي تعيشه تلك الحركات ومعها مجمل القوى السياسية حيال المخطط القادم في العراق، لا سيما وهو مخطط عميق الصلة بالملف الفلسطيني، بل لعل هذا الأخير هو المحرك الرئيسي للمخطط من زاوية السيطرة الصهيونية غير المسبوقة على القرار السياسي الأميركي إبان حقبة "بوش" الابن.

لقد أعلن "شارون" بلسان الحال ولسان المقال أنه ينتظر ما سيجري للعراق لفرض رؤيته للتسوية على العرب والفلسطينيين، تلك القائمة على حكم ذاتي تافه مقطع الأوصال على 70% من قطاع غزة و42% من الضفة الغربية دون قدس ولا عودة لاجئين، يتزامن مع فرض معادلة التطبيع الكامل مع الدول العربية مع ترحيل قضايا الحل النهائي إلى سنوات بعيدة قادمة ربما لا تأتي وفق منظوره السياسي.

من المؤكد أن حالة التراجع في مد المقاومة الفلسطينية قد أثرت في أداء الحركات الإسلامية والسياسية عموماً ومن ورائها الشارع العربي، بيد أن ذلك ليس مبرراً بحال، لا سيما إذا تذكرنا حجم التضحيات الهائلة التي دفعتها تلك المقاومة في الشهور الأخيرة عبر أعداد هائلة من الأسرى والشهداء مما كان ينبغي له أن يثير أعصاب الشارع العربي والإسلامي برمته حتى لو كانت الردود العسكرية عليه متواضعة بسبب هول الضربة التي زاد تأثيرها بسبب الأداء السياسي الرسمي فلسطينياً وعربياً.

أما وقد مرت كل هذه الأسابيع، لا سيما الأخيرة منها بما حملته من تصعيد وملامح اقتراب للضربة "الموعودة" للعراق، فإن التحرك ينبغي أن يبدأ سريعاً، بل سريعاً جداً من جانب الجميع على أمل أن يسهم ذلك في منع الضربة أو التقليل من مخاطرها في حال حدوثها، وأقله في منع تداعياتها السيئة.


من الضروري أن يتم التنسيق على أعلى المستويات بين القوى السياسية للتحرك المتواصل وغير المنقطع، ولا قيمة لأي تحرك لا تندفع فيه الملايين إلى شوارع العواصم العربية غاضبة هادرة تندد وتهدد في آن معاً
التحرك الشعبي
من المؤكد أن رسائل شعبية واضحة وقوية من جانب الشارع العربي والإسلامي للولايات المتحدة ستترك أثرها في الموقف برمته، ولا ينبغي التقليل من آثار تلك الرسائل والتي ينبغي أن تبدأ بتنسيق واسع بين الحركات الإسلامية في الدول العربية والقوى السياسية عموماً من أجل تحرك يومي أو شبه يومي عبر مسيرات حاشدة تطوف شوارع العواصم والمدن العربية تتضمن تنديداً بالموقف الأميركي، كما تتضمن تهديدات بأن استهداف العراق سيكون له ما بعده وأن هذه الأمة لن تسكت على استهداف جزء منها كمقدمة لاستهداف جميع أركانها وإذلالها وإهانة كرامتها ومقدساتها وإعادة تشكيل كيانها الداخلي وفق مصالح "روما" الجديدة التي لا تجد من يواجهها.

من الضروري أن يتم التنسيق على أعلى المستويات بين القوى السياسية للتحرك المتواصل وغير المنقطع، ولا قيمة لأي تحرك لا تندفع فيه الملايين إلى شوارع العواصم العربية غاضبة هادرة تندد وتهدد في آن معاً.

إن التهديد بقصة الدروع البشرية وإيجاد سبل لجعلها حقيقة وليست وهماً هو أحد أهم معالم التحرك الجديد، ذلك أن على الحركات الإسلامية والقوى السياسية أن تعلن صراحة أنها ستدفع مئات الآلاف بل الملايين إلى الحدود وإلى داخل العراق كي يتحولوا إلى دروع بشرية تحول دون الهجوم الأميركي. وبالطبع فإن هذا الأمر ينبغي أن يعلن عبر مؤتمرات شعبية وتجمعات جماهيرية ومظاهرات حاشدة يقسم فيها المشاركون على عدم السكوت على استهداف العراق أياً كان الثمن.


اللحظة التاريخية الحاسمة لا تحتمل التردد والجماهير التي تخرج إلى الشوارع إنما تدافع عن أمتها وعن أنظمتها في آن معاً ولا تستهدف زعزعة استقرارها
هذه التحركات ينبغي أن تتم سريعاً كما أشرنا سابقاً وعلى نحو متواصل دون كلل أو ملل، بحيث تشعر الولايات المتحدة أنها إزاء تهديدات جدية لمصالحها وليس هبة شعبية يمكن انتظار أيام أو أسابيع أخرى ريثما تهدأ ومن ثم ينطلق الهجوم، من الضروري إفشال المراهنة الأميركية على تعب الشارع ومن ورائه الحركات الإسلامية التي تحركه، ولا شك في أن قبول الأنظمة الرسمية بنشاطات كهذه هو الأفضل، بيد أن ما ينبغي قوله هنا هو أن على التحرك أن لا ينتظر إذناً من أحد، فاللحظة التاريخية الحاسمة لا تحتمل التردد، والجماهير التي تخرج إلى الشوارع إنما تدافع عن أمتها وعن أنظمتها في آن معاً ولا تستهدف زعزعة استقرارها. إن ذلك كله ينبغي أن يتم في ذات الوقت الذي يجري فيه طمأنة تلك الأنظمة على أنها ليست مستهدفة وأن المعركة ليست معها، والخصومة بشأن القضايا الداخلية يمكن تأجيلها للوقوف في وجه خطر محدق له أولوية على أية قضايا أخرى.

إن إدراك معادلة الخوف لدى الأنظمة العربية من المخطط القادم ينبغي أن يدفع إلى التنسيق معها، كما ينبغي أن يدفعها إلى التجاوز عن بروتوكولات التظاهر والتعبير الشعبي حتى لو حملت بعض الإشكاليات التي يجري التذرع بها عادة لمنع التحركات الشعبية.

طلبة الجامعات
من المؤكد أن لطلبة الجامعات دورا رائدا في هذا المجال، وقد بدأت الدراسة عملياً في الجامعات العربية والإسلامية وينبغي البدء بإطلاق موجة عارمة ومتصلة من التظاهرات داخل الجامعات للتنديد بالموقف الأميركي وتهديده في آن معاً، فالطلبة هم الأكثر شوقاً لمواجهة العدو ورفض محاولاته إذلال الأمة، وهم الأكثر قدرة على التجمع والتعبير نظراً لقلة التزاماتهم المعيشية والأسرية.

لقد كان لطلبة الجامعات دور رائع في نصرة انتفاضة الأقصى في العامين الماضيين، ولا شك في أن تزامن اقتراب المخطط الأميركي بحق العراق مع الذكرى الثانية لانطلاقة انتفاضة الأقصى ينبغي أن يكون مناسبة لتصعيد أدوات التعبير ضد الولايات المتحدة والدولة العبرية اللتين تتحالفان اليوم على نحو غير مسبوق ضد مصالح الأمة في فلسطين والعراق والمنطقة كلها.


إن تحركاً سريعاً من جانب علماء الأمة ينبغي أن يبدأ وأن يكون أكثر وضوحاً في مصر والسعودية ويمتد ليشمل جميع العالم العربي والإسلامي بعيداً عن أية خلافات مذهبية
العلماء
لقد كان للعلماء على مدى حقب التاريخ دور رائد في مواجهة المخططات التي تستهدف حياض الأمة، ولا ندري لماذا لا يعاد الاعتبار لهذا الدور في هذه المرحلة، إذ كيف يتجمع العلماء من أجل تماثيل بوذا، أو يُجمعون على إصدار البيانات والتصريحات المنددة بهجمات سبتمبر/أيلول، في حين لا نسمع لهم صوتاً إزاء الاستهداف الأميركي للعراق.

على هذا الصعيد يمكن القول إن تحركاً سريعاً من قبل علماء الأمة ينبغي أن يبدأ وأن يكون أكثر وضوحاً في مصر والسعودية ويمتد ليشمل جميع العالم العربي والإسلامي بعيداً عن أية خلافات مذهبية.

من الضروري أن يبدأ هذا التحرك ببيان يوقع عليه آلاف العلماء يضع خطوطاً عريضة لمواجهة الخطر القادم، ويتضمن إدانة صريحة وواضحة وشديدة اللهجة لسلوك الولايات المتحدة بحق العراق والأمة، ومن ثم يناشد الرئيس العراقي صدام حسين أن ينسجم مع الموقف العربي، إلى جانب المطالبة بحل إشكالات العراق العالقة مع الكويت وأية دولة عربية أخرى، إضافة إلى التأكيد على مصالحة داخلية عراقية تتيح مواجهة الخطر القادم.

هذا البيان يمكن أن تتبعه سريعاً زيارة لوفد حاشد من علماء الأمة إلى العراق يقابل الرئيس العراقي ويضع هذه المواقف بين يديه ويعلن وقوف الأمة إلى جانب العراق عندما ينسق مواقفه مع الدول العربية المستشعرة للخطر القادم بعيداً عن أية حساسيات قديمة ينبغي أن يصار إلى تجاهلها في هذه المرحلة.

من المؤكد أن البيان والزيارة والتصريحات المتوالية لكبار العلماء ينبغي أن تنطوي على إعلان صريح بوقوف الأمة خلف العراق صفاً واحداً في مواجهة العدوان وتجريم أي لون من ألوان التعامل مع المعتدي.

أثناء العدوان
لقد بات واضحاً أن نزع الذريعة الأميركية بالموافقة على عودة المفتشين قد لا تحل المشكلة وأن الشروط قد تتوالى رغم ذلك تمهيداً لبدء العدوان، وهنا ينبغي أن يكون التحرك حاشداً على نحو غير مسبوق على الإطلاق عبر تنفيذ فكرة الدروع البشرية إلى جانب نزول الملايين إلى الشوارع وإعلان الولايات المتحدة عدواً للأمة لا ينبغي التعامل معه بأي شكل من الأشكال لا تجارياً ولا سياسياً ولا ثقافياً.. إن ذلك كله سيؤثر على نحو واضح في موقف الداخل العراقي وقدرته على المواجهة والصمود، أما في حال ترك الأمور تسير وفق الهوى الأميركي فسيُشعر العراقيين بأن الوضع ساقط لا محالة ولا بد من التعامل معه كما لو كان قدراً محتوماً.


إدراك معادلة الخوف لدى الأنظمة العربية من المخطط القادم ينبغي أن يدفع إلى التنسيق معها، كما ينبغي أن يدفعها إلى التجاوز عن بروتوكولات التظاهر والتعبير الشعبي، حتى لو حملت بعض الإشكاليات التي يجري التذرع بها عادة لمنع التحركات الشعبية
بعد العدوان

لنفترض أن الوضع قد آل إلى أسوأ الاحتمالات سواء أعاد المفتشون أم لم يعودوا لسبب أو لآخر يقد يفتعله الأميركان، وذلك بدخول القوات الأميركية إلى العراق.
إن حدوث ذلك لا ينبغي أن يلف عنق الأمة بحبال الإحباط، فإذا كانت أفغانستان البائسة لم تهدأ تحت أقدام الأميركان فلماذا ينبغي أن يحدث ذلك في العراق؟

هنا على القوى الإسلامية والعلماء بمختلف مشاربهم أن يعلنوا أن على العراقيين أن يقاوموا الأميركان بكل وسيلة، فيما على الأمة أن تمدهم بكل وسائل الدعم من أجل استمرار المقاومة كما يحدث في فلسطين، ذلك أن استقرار الوضع للأميركان في العراق سيعني بداية التمدد نحو تنفيذ باقي حلقات المخطط، وهو أمر ينبغي أن يواجه بالأيدي والأسنان ومن دون كلل أو ملل.

إنها لحظة تاريخية، وإذا لم يأخذ القادة الرسميون والشعبيون والعلماء دورهم الحقيقي فإن التاريخ سيكتب هذه الحقبة بمداد أسود لا يليق بأحد أن يضع اسمه جزءا منه.

_______________
*كاتب صحفي فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة