الشيشان.. لم تنته القصة بعد   
الثلاثاء 1425/8/21 هـ - الموافق 5/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 9:32 (مكة المكرمة)، 6:32 (غرينتش)

بقلم/ عاطف معتمد عبد الحميد

في روايته الشهيرة "حجي مراد" يرصد ليو تولستوي القصة المأساوية لذلك الفارس الشجاع الذي بدأ حياته مواليا للروس ثم انضم إلى صفوف المجاهدين، ثم عاد وافترق عنهم بعد خلاف رآه المؤرخون نزاعا على السلطة في عهد الإمام شامل (1797-1871 م) فسلم نفسه ثانية إلى الروس ثم ما لبث أن فر منهم، وانتهى الأمر بمقتله على يد الروس بعد أن أدرك أن الخلاف مع رفقاء القضية لا يستدعي بالضرورة الانتقال إلى معسكر أعدائهم.

قصة حجي قديروف أبسط من قصة حجي مراد، فالأول انتقل مرة واحدة وأخيرة إلى المعسكر الروسي، في رؤية نمت عن اعتقاد بأن مستقبل الشيشان ليس شرطا أن يكتبه الانفصاليون.

لم يكن قديروف أول من غير جلده، غير أن نهايته المأساوية وصورته مضرجا في دمائه التي شاهدها الملايين قد تبقيان في ذاكرة كثيرين ممن يؤمنون بالمغامرات السياسية في القوقاز، ذلك الإقليم المربك في خرائطه الإثنية والدينية والسياسية.

ستُطرح العديد من التفسيرات للبحث عن الجناة، بعضها تآمري يشير إلى جنرالات روس نازعوا قديروف الكعكة في الشيشان! وبعضها ثأري يشير إلى قبائل شيشانية طالها أذى قديروف وتطمع في إعادة ترتيب وضعها السلطوي، وثالثة جهادية تنسب العملية لعناصر المقاومة التي نجحت بعد محاولات فاشلة في إنهاء حياة عدوها الأول.


لم يكن قديروف أول من غير جلده، غير أن نهايته المأساوية وصورته مضرجا في دمائه قد تبقيان في ذاكرة كثيرين ممن يؤمنون بالمغامرات السياسية في ذلك الإقليم المربك
لن يغفل البعض التأكيد على أن هناك ثأرا من نوع آخر يقف وراء الاغتيال، فيشيرون إلى رجل الأعمال اليهودي بوريس بيروزوفسكي اللاجئ في المملكة المتحدة والذي لم ييأس بعد من النيل من بوتين، ذلك الرئيس الذي انقلب عليه بعد أن استفاد منه. والنتيجة أن التفسيرات الأحادية لم تعد كافية للفهم، فحبائل القضية الشيشانية متداخلة والمرئي منها كالمرئي من جبل الثلج.

صحيح أن الشيشان في حاجة لواحد من أبنائها يفهم خريطتها ويجيد قراءة تحالفات قبائلها ومطامحها في السلطة، ويقدر في نفس الوقت مطامع موسكو في الإقليم، إلا أن ثنائية المجاهد/ الموالي هي آخر ما كان يصلح للشيشان.

ثمة رؤية معاكسة تقول إن هذا النموذج كان قد أشرف على بلوغ منتهاه، وكاد يبرم صفقات يستسلم من خلالها كبار زعماء المقاومة تاركا العناصر المتطرفة معزولة في الشيشان. ولعل هذا ما يتخذه بعض المحللين سببا في الاعتقاد بأن اغتيال قديروف جاء من أعداء التصالح في الشيشان.

للأسف، تبقى كل الأطروحات قابلة للتشكك، فالكل -حتى بعض مراسلينا في العاصمة موسكو- ينقل رؤى وكأنها قراءة للطالع أو نقلا عن كتب التنجيم! والسبب بسيط، فالحصار الإعلامي الروسي حول الجمهورية ترك وجهات النظر حبيسة معسكرين: واحد غربي يتحين الفرصة لنقد روسيا لحسابات خاصة، والثاني إسلامي مؤدلج متعاطف مع الشيشان حتى وإن دفعه التعاطف إلى رؤية المذابح والمقابر الجماعية والتطهير العرقي دون رؤية خبايا الصراع ومغزى القتال إلى ما لا نهاية.

عقب اغتيال قديروف شبهت صحيفة برافدا السلوفاكية الشيشان "بالعراق الروسي" حيث يسقط من الروس والشيشانيين مقدار ما يسقط من الأميركيين والعراقيين. الفرق – تلفت الصحيفة نظرنا- أننا نعرف الكثير عما يجري في العراق، ونشاهد تغطية دائمة لحوادث القتل والتعذيب والدمار، أما في الشيشان فلا أحد يعرف شيئا.

وقبل ذلك بعامين قارن جاكسون ديل في واشنطن بوست بين عدسات ألف مصور صحفي تنقل بثا مباشرا لاقتحام إسرائيل مخيم جنين بينما لا يوجد في الشيشان سوى صحفيين اثنين فقط. وبينما كان اقتحام جنين لأول مرة منذ 8 سنوات – يقارن الكاتب- كانت قوات الجيش الروسي تجتاح بلدة بنفس الحجم وهى تسوتسان يورت 33 مرة خلال 3 سنوات.

كان دعم موسكو قديروف ودفعه إلى رئاسة الشيشان دليل إدانة للكرملين بسوء نيته تجاه مستقبل هذه الجمهورية وإغراقها في دوامة العنف. ويبدو جليا لمن يراقب التطورات السريعة في القوقاز أن المسافات الزمنية صارت واسعة بين جورجيا والشيشان رغم حدودهما المشتركة.

ففي جورجيا تعمل الولايات المتحدة بهدوء لإقرار تغيير سياسي محنك يروق للصحفيين تسميته بالثورة المخملية الأولى (إزاحة شيفرنادزه في نوفمبر/ تشرين الأول 2003) والمخملية الثانية ( إزاحة حاكم أدجاريا الموالي لموسكو منذ أيام).

لا ينفي أحد عن ميخائيل ساكاشفيلي رئيس جورجيا الحالي الموالاة للولايات المتحدة، ولكن هذه الموالاة جاءت بعد ترتيب منظم تغلغل إعلاميا وشكل قاعدة شعبية معارضة قبل المطالبة بتغيير رأس الهرم. أما موسكو فما تزال تتعامل مع الشيشان بمفاهيم القرن التاسع عشر بشعاره الشهير "حاكم مدعوم بالجيش وعلى الشعب السمع طوعا أو كرها".

ولا يعني هذا أن موسكو ادخرت جهدا في اتباع الوسائل السياسية بالشيشان على مدى السنوات الثلاث الماضية سواء بإقرار دستور للجمهورية، وإصدار عفو عمن يلقي سلاحه، وإجراء انتخابات للرئاسة أوصلت قديروف إلى سدة الحكم، بل إنها وعدت بأن تصل بالشيشان إلى درجة من الاستقلالية.

غير أن كل ذلك لم يكن أكثر من تغيير في البناء السلطوي في الجمهورية التي يعوزها تفرغ حقيقي من الكرملين بحل شامل لمآسيها. ولكن الكرملين مشغول بتفاصيل مربكة في البناء السياسي الداخلي وإعادة تأهيل الاقتصاد، ولديه من المشكلات الفيدرالية من كل لون. هذا إذا لم تترك نفسك لتفسيرات ترى أن الحرب في الشيشان هي بعينها "الحرب المقدسة" التي تعيش بسببها النظم الحاكمة وتستغلها للبقاء.

أدت السلطة المطلقة إلى غياب من يراجع أو يوبخ القيادة الروسية، فماتت المعارضة الشعبية للحرب في الشيشان، وتبخرت حتى تلك التظاهرات التي كانت ترفع لافتات صغيرة بخط لا يكاد يقرأ تقول "سامحينا يا شيشان"
السلطة المطلقة أدت إلى غياب من يراجع أو يوبخ، فماتت المعارضة الشعبية للحرب في الشيشان، وتبخرت حتى تلك التظاهرات المتواضعة التي كنا نراها في بعض شوارع موسكو وبطرسبرغ رافعة لافتات صغيرة بخط لا يكاد يقرأ تقول "سامحينا يا شيشان".

وفى المقابل زادت حوادث الإرهاب الداخلي بقتل وحرق مساكن الملونين من الأجانب طلابا كانوا أو مهاجرين على يد جماعات عنصرية ترفع شعارات قومية، وتثار تساؤلات عدة حول علة التساهل في التعامل مع هؤلاء "حليقي الرؤوس" من النازيين الجدد وما يسببونه من فوبيا في الشارع الروسي لغير السلافيين.

وحتى استطلاعات الرأي التي كانت تجريها بعض المؤسسات الإعلامية وكانت نتائجها تصب في صالح التسوية السلمية والانسحاب من الشيشان قد توقفت مع تلوين الكرملين للإعلام بلون أحادي.

ويزيد الطريق ظلمة أن الأحزاب الروسية الحالية ليس لها موقف مخالف للمنهج المتبع في الشيشان، سواء من أغلبية حزب روسيا المتحدة الموالي للرئيس أو حتى من الحزب الشيوعي الذي تتفق برامجه مع الإبقاء على الشيشان ولو بالقوة.

الحزبان الوحيدان اللذان كان لهما موقف واضح من تسوية القضية سلميا (حزب يابلاكا واتحاد القوى اليمينية ) فشلا في الوصول إلى الدوما (البرلمان) وخرجا من اللعبة السياسية بعد احتكار سياسي لحزب الرئيس.

وعلى مدى سنوات رفضت روسيا الحوار مع الحركة الانفصالية متهمة إياها بخراب المشروع السياسي. وما تزال حركة الانفصال تمثل لدى موسكو وريثة لمعلمين رئيسيين:
1. الاتجار في المخدرات والسلاح وتشكيل بؤرة توتر في القوقاز لابد وأن عدواها ستنتشر إلى باقي الجمهوريات التابعة لروسيا كداغستان وأنجوشيا وكارتشيف-شركيسيا وقبردين-بلقاريا والأديغة. وهنا تشبّه موسكو نظام مسخادوف بنظام طالبان المتهم بالاعتقاد في تبرير الغايات للوسائل.

2. التوهم بإقامة دولة إسلامية في القوقاز وإعلان الجهاد في الجمهوريات المجاورة وطرد روسيا من الإقليم، ومن ثم فتح صندوق "بندورا" على المنطقة ومنها إلى البناء الفيدرالي للدولة. والنتيجة سعي حركة المقاومة إلى السيطرة على ذلك الإقليم الغني بالنفط وعائدات نقله من قزوين إلى أوروبا. هذا على الرغم من غموض البيانات المطروحة حول إمكانات النفط الشيشاني وقدرة صناعاته التكريرية.

وينقلنا هذا إلى قراءة تلك الخلافات في التفاسير والرؤى حول مكانة الإسلام في التطور السياسي للشيشان. فما يزال فريق من الباحثين يرى أن المزاوجة بين الدين والانفصال في الصراع لم تأت إلا مصادفة! ولم يحدث ذلك إلا بعد إعلان استقلال الشيشان بثلاث سنوات كاملة حينما اضطر الجنرال جوهر دوداييف رئيس الشيشان الأول والضابط السابق في الجيش السوفياتي إلى اللجوء للجماعات الإسلامية في الشيشان وإلى دعم الأصولية من بعض الدول العربية عام 1994 لمجابهة ضغط موسكو عليه وتأليب قبائل شيشانية ساعية للقفز على السلطة.

وحسب وجهة النظر هذه فإن "أسلمة" الصراع ألقت زيتاً على نار المجابهة بين روسيا والحركة الانفصالية في الشيشان، واستعانت بالدين كأحد محفزات الصراع. بل إن بعض الدراسات قد ذهبت إلى الإعلان الذي بدأ به دوداييف دولته في الشيشان نهاية 1991 ووصفه الشيشان بالدولة "العلمانية" كدليل على هذا الرأي.

ورغم أن دوداييف أقسم يمين الرئاسة على المصحف (القرآن الكريم) واتخذ الجمعة عطلة رسمية للبلاد واعتبر الدين الإسلامي أحد أهم مقومات دولته، إلا أن المرجعية القومية كانت نواة فكرته عن الدولة الشيشانية بحسب ما يراه هذا الرأي.

ولم يكن تدعيم الوجود الأصولي في الشيشان أكثر من محفز التفاعل الكيميائي الذي لم ينشط دور الحركات الانفصالية في بلورة هويتها فحسب بل والحكومات المناهضة لها في سعيها لتدعيم قبضتها الداخلية. فليس الإسلام السياسي ظاهرة يسعى الجميع إلى القضاء عليها، ولو أظهرت بعض الأطراف في القوقاز ذلك.

هذا وقد كان لدى الحكومة الشيشانية برئاسة الرئيس أحمد قديروف مشروع طموح يهدف إلى إعادة إحياء الصوفية في الجمهورية باعتبارها بديلا عن ذلك اللون من الإسلام المغرم بالسياسة والطامح إلى السلطة. وحدها الصوفية يمكنها أن تنشر الهدوء في الإقليم. بالطبع ليس المقصود هنا فرق الصوفية التي قاومت القياصرة خلال القرنين 18 و 19م.


بإمكان الرئيس بوتين أن يحقق نقلة نوعية في تاريخ روسيا المعاصر إذا خرج من الكرملين منهيا الصراع سلميا في الشيشان بعدما دخله على دقات طبول الحرب في نفس الجمهورية البائسة
وفى النهاية لا يمكن إلا أن نسترجع الخيارات المطروحة أمام مستقبل الشيشان خلال السنوات القليلة القادمة وهي:

• تعيين جنرال روسي لحكم الجمهورية وهو ما يعني التراجع خمس سنوات للخلف بعسكرة الشيشان بعدما تباهي الكرملين بأن "تطبيع" الحياة في الجمهورية على مرمى البصر.

• البحث عن قديروف جديد -وما أصعب ذلك- وعقد انتخابات جديدة مع دعم لمرشح موال لموسكو والبدء من جديد في إعادة نفس المشاهد من حرب السنوات الماضية.

• اللجوء إلى ما تعده موسكو "تجرعا للسم" وهو سحب الجيش من الشيشان وفتح نوافذ للحوار مع المقاتلين وعقد اتفاقية معهم والتمهيد لربط الشيشان بموسكو برباط اسمي يحفظ غرور موسكو ويمنح شعب الشيشان فرصة أخرى للحياة. وكما نلاحظ فهذا الخيار قائم على مشاهد متفرقة لا يجمعها منهج له رؤية لما بعد.

أما لو خرج الجيش الروسي تاركا الجمهورية لأبنائها ليتقاسموا السلطة في الشيشان فليس من المستبعد أن تنزلق إلى حرب أهلية. وهو وضع يذكرنا بنداء وجهه كتاب عرب إلى الجيش الأميركي في العراق بالقول "نرجوكم لا تخرجوا الآن!" خشية وقوع العراق في مستنقع الحرب الأهلية. والسبب غياب مشروع سياسي للمقاومة التي تبعثرت الآن في جبال القوقاز.

بإمكان الرئيس بوتين أن يحقق نقلة نوعية في تاريخ روسيا المعاصر إذا خرج من الكرملين منهيا الصراع سلميا في الشيشان بعدما دخله على دقات طبول الحرب في نفس الجمهورية البائسة.

مرة أخرى لا يبدو للقضية الشيشانية ضوء في نهاية النفق، فما تزال الانتقائية الدولية سيدة الموقف في حل النزاعات حسب وزن الدولة، ناهيك عن تقاسم المصالح الدولية في الأقاليم الملتهبة حسب مخططات لا يسمع بها أحد. أما غياب دور المنظمات الإسلامية الرسمية في إيجاد وساطة لمساعدة شعب قطعت الحرب أوصاله فلا يبدو أن تذكره هنا يفيد النقاش في شيء!
ــــــــــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة