الصهاينة وربيع العرب وسوريا مرة أخرى   
الأربعاء 9/5/1434 هـ - الموافق 20/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:04 (مكة المكرمة)، 11:04 (غرينتش)
ياسر الزعاترة

 

نتابع الصحافة العبرية بشكل يومي تقريبا، ومعها ردود الأفعال الصهيونية حيال الأحداث في المنطقة، لكن تشكيل رأي حاسم حول موقف الكيان الصهيوني حيال ربيع العرب لا يبدو سهلا، لاسيما أننا إزاء حالة معقدة ومركبة من المواقف والرؤى والقناعات في أوساط دولة تعج بالآراء السياسية والأمنية، وإن حُسم الموقف في نهاية المطاف بقدر كبير من التوافق بين المؤسسة السياسية والأمنية والعسكرية.

مع العلم أن كثيرا من رموز الأولى تحديدا يتحدرون من الثانية والثالثة، الأمر الذي لا يتوفر بهذا الزخم في أكثر الدول الديمقراطية في العالم، والسبب -كما يعرف الجميع- هو أننا إزاء كيان حديث النشأة قام على الاحتلال والحروب، حتى قيل إن في العالم دولا لها جيوش، لكن "إسرائيل" جيش له دولة.

فوجئ الكيان الصهيوني بكل مؤسساته -كما فوجئ العالم أجمع بنخبه وأجهزة استخباراته- بموجة الثورات العربية، وتابعنا ذلك الهجاء الذي تعرضت له مؤسساته الأمنية بسبب فشلها في توقع تلك الثورات

من المؤكد أن الكيان الصهيوني بكل مؤسساته قد فوجئ -كما فوجئ العالم أجمع، بنخبه وأجهزة استخباراته- بموجة الثورات العربية، وتابعنا ذلك الهجاء الذي تعرضت له مؤسساته الأمنية بسبب فشلها في توقع تلك الثورات، على اعتبار أن قراءة التحولات داخل الدول العربية -لاسيما تلك القريبة من الكيان- هي جزء من مهمات تلك المؤسسات.

الذي لا خلاف عليه هو أن الكيان الصهيوني قد كان مرتاحا لنمط الحكم في العالم العربي، على تفاوت بين نظام وآخر، لكن أنظمة الحكم الشمولية التي تأخذ قرارها بناءً على حسابات نخبها الحاكمة أكثر بكثير من مصالح الشعوب ورغباتها كانت جد مريحة، إذ أن الضغط عليها من خلال المنظومة الغربية المؤيدة للكيان كان سهلا إلى حد كبير، لاسيما بعد سيطرة اللوبي الصهيوني عمليا على السياسة الخارجية في الدولة الأهم في العالم (الولايات المتحدة).

ولذلك لم يكن من العسير القول إن تلك الأنظمة قد شكلت سياج حماية للكيان أكثر منها مصدر إزعاج، إذ اعترفت بوجوده عبر القرارات الدولية، فيما أيدت مسار التفاوض وحالة اللا حرب واللا سلم، إلى جانب تحفظها على تبني الفلسطينيين لبرنامج مقاومة حقيقية ينهك الاحتلال ويفرض عليه التنازلات.

من هنا، يمكن القول إن الموقف الذي يحظى بشبه إجماع في الكيان الصهيوني يتمثل في أن الأنظمة الشمولية تشكل حالة أفضل من الأنظمة الديمقراطية التي تضطر قيادتها إلى مجاملة الشعوب، ويزداد هذا الموقف رسوخا بسبب إدراك حقيقة المزاج الشعبي العربي المناهض للكيان، والرافض لوجوده كاملا دون تردد، كما تأكد من خلال فشل موجة التطبيع التي دعمتها بعض الأنظمة خلال التسعينيات، فضلا عن شواهد لا تحصى، لا تحتاج لأجهزة استخبارية كي تلتقطها.

لكن ربيع العرب لم يستشر أحدا، فقد اندلع فجأة، ولم يمض وقت طويل حتى كان يطيح بنظامين من أقرب الأنظمة للكيان الصهيوني والغرب (بن علي وحسني مبارك)، قبل أن يتمدد نحو نظامين آخرين كان كلاهما جيدا بالنسبة إليه، لاسيما القذافي في تحولاته الأخيرة.

ما يمكننا قراءته في هذا السياق هو أن الموقف الصهيوني الذي يعتبر موجِّها من الناحية العملية لسياسة الولايات المتحدة فيما خصّ شؤون المنطقة -ومن ثم دول الغرب بدرجات متفاوتة- قد مال إلى تعطيل مسيرة التحول في مصر وتونس عبر أدوات كثيرة، بعضها مرئي وبعضها غير ذلك، ومن يعتقد أن بوسعه وضع اليد على أدوات الصهاينة في السياق فهو واهم، لاسيما أن حجم الاختراقات يبدو كبيرا، أكان في إطار النخب، أم في إطار وسائل التأثير والأجهزة الرسمية، فضلا عما يعلمه الجميع من تفاهم، وربما توجيه لبعض الدول العربية التي تستهدف ربيع العرب، رغم أن أكثرها يفعل ذلك من تلقاء نفسه خوفا من تمدد الربيع إليه.

سيتواصل نهج التخريب على أنظمة ما بعد الثورات، لاسيما ذات اللون الإسلامي، كما هو حال تونس ومصر، من دون استثناء الحالات الأخرى، أيا كان نمط الحكم ما دام يعبر عن الشعوب

سيتواصل هذا النهج -نهج التخريب على أنظمة ما بعد الثورات- من دون شك، لاسيما ذات اللون الإسلامي، كما هو حال تونس ومصر، تلك التي لا بد من العمل على إفشالها بكل وسيلة ممكنة، إدراكا لمنطلقاتها الأيديولوجية، من دون استثناء الحالات الأخرى، أيا كان نمط الحكم ما دام يعبر عن الشعوب.

في سوريا بدا الموقف أكثر تعقيدا، ليس لجهة التصنيف الإسرائيلي للنظام (كان مزعجا بقدر ما بسبب دعمه للمقاومة في لبنان وفلسطين، وإن يكن التعايش معه جيدا بسبب اعترافه كما بقية العرب بالقرارات الدولية، والأهم بسبب محافظته على جبهة الجولان هادئة)، بل -أيضا- لجهة تطورات الثورة وتعقيداتها التي لم تتوفر في الدول الأخرى، بخاصة بعد ظهور الوجه الإسلامي لأكثر تجلياتها، الأمر الذي يستثير حساسيات بالغة في كيان كانت أغلب مواجهاته خلال العقود الثلاث الأخيرة مع قوى من اللون الإسلامي، وتلقى منها ضربات موجعة، إن كان في فلسطين أم في لبنان.

أدار الكيان الصهيوني سياسته حيال سوريا من منطلق استحالة الحفاظ على الوضع الذي تعايشوا معه، ويبقى مفضلا -أيضا- إذا ما كان البديل معبرا عن الشعب، وبالطبع بعدما أيقن أن الثورة لن تجهض، ولذلك مال إلى خيار إطالة الحرب حتى تدمير البلد بقوة الغرب الذي منع التسليح النوعي عن الثوار، مع اهتمام بمصير الأسلحة الكيمياوية ومنصات الصواريخ بعيدة المدى ومضادات الطيران، حتى لا تقع في أيدي قوى تصعب السيطرة عليها، كما يردد رموزه دائما.

الجانب الأكثر وضوحا في موقف الكيان الصهيوني -والذي يمكن القول إنه بالغ الذكاء- تمكننا قراءته من خلال تصريحات كيري الأخيرة عن حوار المعارضة مع بشار الأسد، والتي تشير إلى خيار الإبقاء على بشار مع حالة ديمقراطية جديدة، مما يعني هزيمة للثورة وللنظام في آن معا.

إنها الصيغة التي تعني أن النظام الجديد سيكون ضعيفا وبالغ الهشاشة، لاسيما في ظل مستوى التدمير الهائل الذي سيشغل البلد لعقود، مما يعني التخلص من مستوى الإزعاج السابق الذي شكله النظام، والذي أمكن التعايش معه، في ذات الوقت الذي يجنب الصهاينة بديلا معبرا عن الشعب، وربما حالة من الفوضى ستكون مزعجة لأمن الكيان لزمن لا يعرف مداه، وبالطبع في ظل وجود مجموعات قد تتوجه لاحقا لتفجير مواجهة معه بهذا القدر أو ذاك.

في ذات السياق، يبدو من الضروري القول إن الكيان الصهيوني بأجهزته وامتداداته وقدراته ليس من النوع الذي يحشر نفسه في خيار واحد، بل يدرس كل الخيارات وسائر الاحتمالات، وهنا لا يبدو مستبعدا -كما تشير بعض القراءات- أن يفكر الصهاينة في احتمالات التقسيم، ليس لسوريا وحدها، بل للعراق أيضا بعد امتداد الحرب إليه، وصولا إلى تكريس فكرة الإقليم السني، إلى جانب الشيعي والآخر الكردي، وهو خيار قد يفضله الغرب أيضا إذا كان ممكنا.

الإدانة ينبغي أن تتوجه للنظام السوري المجرم الذي جعل التقسيم ممكنا، وليس للشعب الذي خرج يطلب الحرية والكرامة من تلقاء نفسه، وليس بأوامر من أي أحد

ولعل أسوأ ما يمكن أن تسمعه من دوائر طائفية وقومية ويسارية هو إدانة الربيع العربي عموما، لاسيما شقه السوري بسبب احتمالات التقسيم تلك، فيما يقول المنطق إن الإدانة ينبغي أن تتوجه للنظام المجرم الذي جعل ذلك ممكنا، وتبعا لذلك للمجرمين الذين ساندوه، وليس للشعب الذي خرج يطلب الحرية والكرامة من تلقاء نفسه، وليس بأوامر من أي أحد.

مع ذلك كله -وفي ضوء هذه المعطيات جميعا- يبقى بالإمكان القول إن سائر التطورات في المنطقة لا تبدو مريحة للكيان الصهيوني، حتى لو لم تشكل إزعاجا له في المدى القريب، ما دامت الضفة الغربية هادئة بسطوة التنسيق الأمني ومواقف قيادة السلطة وفتح ومنظمة التحرير.

والسبب -كما أشرنا من قبل- أن تطور الربيع العربي نحو تأكيد معادلة تكون الشعوب فيها هي مرجع الحكم والقرار إنما يعني نهاية سنوات الاسترخاء النسبي، وبداية زمن ليس فيه سوى الصراع الدامي، وصولا إلى الحسم النهائي لوجود هذا الكيان في المنطقة، وهو ما تبشر به وتحذر منه دوائر فكرية ودينية وسياسية كثيرة داخل المجتمع الإسرائيلي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة