سياسات خارجية على تخوم الديمقراطية   
الأربعاء 1435/1/18 هـ - الموافق 20/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:47 (مكة المكرمة)، 13:47 (غرينتش)
حسام شاكر

 

يقود الانبهار بالتجارب الديمقراطية العريقة إلى تكوين انطباعات واهية بمعزل عن التدقيق فيها، وبهذا لا تجد تساؤلات جوهرية ممَن يثيرها أو ينشغل بها، ولعلّ أحدها هو تقصي حدود التطبيق الديمقراطي، ويمكن الزعم أنّ هذه المسألة تمسّ السياسات الخارجية، ربّما أكثر من أي حقل آخر.

وإن بدت فكرة البحث عن "حدود الديمقراطية" مُفاجِئة لبعضهم إلى حد ما، فذلك لأنّ الديمقراطية مُحاطة بهالة تمجيد تعيق الحسّ النقدي في تناولها أو فحص تطبيقاتها.

ما يؤيِّد هذا الانطباع هو نزوع ناقدي فكرة الديمقراطية أو مراجعي تطبيقاتها إلى التمترس بلغة اعتذارية تتّقي وصمة مناصرة الاستبداد، لأن المستبدين ومن شايَعَهم شددوا النكير عليها قبل انخراطهم لاحقا في التمسّح الشكلي بها.

إن كانت الديمقراطية فضفاضة باستيعابها صورا شتى من تجارب التنزيل على الواقع، إلا أن تطبيقاتها ليست سابغة بالشكل الأمثل على مجالات الحكم والإدارة كافّة، بمعنى أنّ للديمقراطية حدودا معيّنة أو مُقدّرة بما يُخرِج ممارسة الحكم والإدارة أحيانا عن التزامات الديمقراطية الحقّة أو بما لا يراعى فيها "مواصفات الجودة" في الأداء الديمقراطي الرشيد على الأقلّ، ومن ذلك السياسات الخارجية، علاوة على الهيئات المكلّفة بالعمل في الظلّ مثل أجهزة الاستخبارات التي تمنح الانطباع بأنها تتصرف دون مُساءلة.

من القسط إنصاف التجارب الديمقراطية في شتّى الرقاع الجغرافية بالنظر إليها ضمن حالتها التي يتفاعل فيها المتغيِّر مع الثابت، بمعنى أنّها ليست تجارب جامدة، بل قابلة لاستيعاب تغيرات متواصلة قد تتقدّم بها أو تتأخّر، وقد يتلازم نمو التطبيق مع ضموره أحيانا

ومن القسط إنصاف التجارب الديمقراطية في شتّى الرقاع الجغرافية بالنظر إليها ضمن حالتها التي يتفاعل فيها المتغيِّر مع الثابت، بمعنى أنّها ليست تجارب جامدة، بل قابلة لاستيعاب تغيّرات متواصلة قد تتقدّم بها أو تتأخّر، وقد يتلازم نموّ التطبيق مع ضموره أحيانا تبعا لتعدّد مسارات الأداء ومستوياته.

لهذا فإنّ النظر إلى الديمقراطية في التنزيل الواقعي على أنها "عمليّة" أو "مشروع" يمثل مقاربة أكثر إنصافا، بما يبرِّر التساؤل عن حدود المشروع الديمقراطي، أو بالأحرى عن "السقف الزجاجي" غير الملحوظ الذي تتعطّل بعده قُدرة هذه العملية عن الفعل.

إنّ انفلات السياسة الخارجية خارج حدود الديمقراطية، هو أحد عناوين أزمة المشروع الديمقراطي في التجارب الغربية. ولا يحصل هذا المروق من فراغ، بل يتأسّس على حقائق يمكن الوقوف عندها في الواقع الأوروبي مثلا.

يبدأ الأمر مع ضعف اكتراث الجمهور المحلي بما يجري "وراء البحار"، وافتقاد المعرفة الوافية والشفّافة بملابسات الواقع القائم في أرجاء العالم حتى في ظلّ "ثورة الإعلام والاتصال"، إنه الجمهور الذي ينتخب حكومة ستقرِّر السياسة الخارجية كما يطيب لها.

وباستثناء محطّات حرجة، تعجز السياسة الدوليّة وملفّاتها المؤرِّقة عن إشغال عموم الجماهير في الديمقراطيات الغربية، حتى عندما تُحرّك هذه الشؤون نخبا من الناشطين أو قطاعات من المتضامنين.

إنّها لامبالاة المواطنين والمواطنات، التي تجود على راسمي الإستراتيجيات وصانعي القرار بهامش واسع للمناورة في صياغة السياسة الخارجية، طالما أنّ الجمهور لن يكترث أو يعترض، ولكنّه هامش مُتاح لتدخّلات العابثين أيضا، فقد تنجح حملات تضليل مدفوعة بإمكانات ماليّة ومجموعات ضغط وتعبئة إعلامية، في سوْق الأمّة إلى خيارات مشكوك في رُشدها، وقد كانت مقدِّمات حرب احتلال العراق (2003) شاهدا قويا على هذا المنحى الخَطِر في الحالة الأميركية التي سرعان ما دفعت ثمن ذلك باهظا.

وفي مواجهة هذه الحقائق المُتضافرة تتهاوى أساطير من قبيل "تحوّل العالم إلى قرية صغيرة"، فلا عجب بالتالي أن يتضاءل الاكتراث بإبادة مئات ألوف البشر في رقاع أفريقية خلال أواسط التسعينيات، عن العناية بسرب من الحيتان الجانحة إلى الساحل، أو الانشغال بـ(سنتات) مُضافة إلى لتر البنزين. ولكنّ تصرّف الجمهور سيأتي مغايرا على الأرجح لو قرّرت "المنظومة" إضاءة البؤر المُعتِمة، وإعادة نَظْم "جدول الأعمال" في الاهتمامات العامّة، كما أضيئت رقعة دارفور في الاهتمام العالمي في ما بَعد، فتحوّلت بعض مآسيها إلى قضية تشغل حيِّزا من الاهتمام، على أن تبقى غزة المطلّة على المتوسِّط رهينة حصارها الخانق في زمن "الشراكة الأوروبية المتوسطية".

ليس بعيدا عن ذلك، تأتي اهتمامات السياسة الخارجية في هوامش البرامج الحزبية والحملات الانتخابية، وليس في عناوينها المتقدمة، باستثناء محطّات بعينها كمواسم الحروب والأزمات الدولية التي تفرض استحقاقاتها على الداخل وتطرح أسئلة المشاركة أو الحياد مثلا.

ذلك أنّ الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة تدرك عبثية الابتعاد عن شواغل العمل والخدمات الأساسية والرعاية الاجتماعية والمرافق العامّة، فذلك ما يستحوذ على أولويّات الجمهور الذي يواكب الحياة اليومية ويقترع في ساعة الحقيقة.

ولا يجدر تناسي حقائق فائقة الدلالة، منها أنّ الأحزاب الجماهيرية لم تتبلوَر في الواقع الأوروبي بناء على توجّهات السياسة الخارجية، وأنّ صخب المواسم الانتخابية لا يكاد يلتفت إلى الخارج إلاّ بقدر ما تعود شواغله بانعكاسات ملموسة على الداخل.

لعلّ العامل الحاسم في هذا الشأن أن الشؤون الخارجية مُصنّفة تقليديا ضمن "مصالح الأمة وأمنها القومي"، ولا تسبب هذه الحقيقة انزعاج الجمهور أو امتعاضه، رغم ما يستبطنه ذلك من إدارة العلاقات الخارجية بمنطق الاهتمامات النفعية والدفاعية والأمنية ولو على حساب الهامش القيمي وشعاراته الزاهية.

أمّا المصالح الاقتصادية فتختزن بحد ذاتها قدرة تفسيرية لاتجاهات السياسة الخارجية أحيانا،
ولا يدع ذلك شكا في تأثيره على الالتزام المُعلَن بدعم الديمقراطية، لدى التأمل في حالات يتصادم فيها منطق المصلحة مع منطق القيم، كما في حكاية الديمقراطيات الأوروبية مع بكين التي سحقت طلابها المعتصمين في "تيان آن مين" 1989.

على المنوال ذاته، لا يستحقّ سحق ألوف البشر في ميادين القاهرة أيّ تقريع، ولو بمجرّد سحب السفراء، فالالتزام بحقوق الإنسان يبقى خيارا جيدا، شريطة موافقته تقديرات المصالح والاختيارات الإستراتيجية، فيبقى العمل بمقتضياته انتقائيا.

المعضلة مع موجهي السياسات أنّهم لا يعملون بشفافية مع شعوبهم، بل تغمرهم الطمأنينة بأنّ منفذي اختياراتهم سيتكفلون بوظيفة "تسويقها"، بعبارات ليست أمينة في تعبيرها عن الفحوى، إنها هواية تبرهن على خطورتها عندما يتّضح أنّ تخمينات راسمي الإستراتيجيات ليست معصومة عن الزلل

المعضلة مع موجهي السياسات أنّهم لا يعملون بشفافية مع شعوبهم، بل تغمرهم الطمأنينة بأنّ منفذي اختياراتهم سيتكفلون بوظيفة "تسويقها"، وتجميل الأداء بعبارات ليست أمينة في تعبيرها عن الفحوى، إنها هواية تبرهن على خطورتها عندما يتّضح أنّ تخمينات راسمي الإستراتيجيات ليست معصومة عن الزلل.

أبعد من ذلك، تشهد خبرات العقود الأخيرة على تجارب تعبئة جماهير الديمقراطيّات وتهيئة أذهانها لهضم ما سيُعرَض عليها من انعطافات السياسة الخارجية، مثل التدخلات وشن الحروب، أو بالسعي لإبطاء اندفاع الجماهير في التفاعل مع قضية عادلة تخاطر بإيقاظ الضمائر وتشغيل العقول.

وما يفاقم المأزق أحيانا هو التوجه المتكرِّر من بعض أطراف المشهد السياسي أو المجتمعي في البيئات الديمقراطية، لإعادة إنتاج المخاوف النمطية من أمم أخرى، وقد حازت الدائرة الحضارية العربية والإسلامية نصيبا وافرا في هذا الصدد عبر عقود مديدة.

ويبقى الفضل لصموئيل هنتنغتون في إقحامه العامل الثقافي في أدبيّات الصراعات الإستراتيجية لأمم القرن الحادي والعشرين، وتوفير فرص عمل لطوابير مثيري الهلع الذين يفرشون البساط الأحمر لسياسات مدفوعة بالمخاوف.

هل نحن إزاء أزمة في المشروع الديمقراطي أو تطبيقاته؟ من نافلة القول إنّ السياسات الخارجية للديمقراطيات الغربية لا تصوغها الشعوب ولا تُستشار بشأنها إلا نادرا، وإن كانت تدفع ثمنها.

يجدر الاعتراف بأنّ موجهي السياسات وراسمي الإستراتيجيات وصانعي القرار، يستأثرون بالسياسات الخارجية دون اعتراضات شعبيّة تُذكر، لأنّ الجمهور راضٍ غالبا بالرواية الرسمية التي تفترش العناوين العريضة بشأن ما يجري خارج الحدود.

فالنظام السياسي يعزل الخارج عن الداخل، ليحرِّر الأداء الخارجي الخاضع لمنطق الأمن القومي وتقديرات المصالح وضغوط القوى النافذة من المساءلة.

ولا تغيِّر هذه الحقيقة خطواتٌ مهمّة مثل تصويت مجلس العموم البريطاني خلافا لتوجّه الحكومة بخصوص الضربة العسكرية في سوريا.

هكذا تنتهي الديمقراطية عند "حدود الدولة"، ففضائلها ليست مصمّمة لـ"سياسة العالم الداخلية".
ويبقى مجلس الأمن الدولي أصدق تجسيد لهذه الحقيقة، فقليل من الدول -الديمقراطية في معظمها - تُمسِك بزمام أمور العالم وفق نظام يناقض روح الديمقراطية ويتعارض مع آليّاتها، عنوانه امتيازات خارقة تمّ إغداقها بعد الحرب العالمية الثانية على ثلّة من "النبلاء الدائمين".

ومع ذلك فإنّ التاريخ لم يَنتهِ بَعد، وما زالت تحوّلات الثقافة والاجتماع وخبرات الأجيال تتفاعل مع كشوف الحساب الباهظة المترتِّبة على اختيارات الجالسين في الرّدهات.

ومن ذلك أنّ الهبّات العربية فتحت نافذة أمل بإمكانية إثارة الحسّ النقدي في أوروبا بشأن المنطق الذي تُدار به السياسات الخارجية، فيومها أفاقت الجمهرة، أو بعضُها بصفة أدقّ، على تعارض منطق المصالح المعمول به مع الالتزامات الأخلاقيّة والقيميّة التي لا تكلّ أوروبا عن تمجيدها.

ومع ذلك، فسرعان ما خارت قوى الداعين إلى مراجعة السياسة الخارجية التي منحت الحصانة لأنظمة أسرفت في اضطهاد شعوبها، ذلك أنّ بعض نخب أوروبا مسكونة بخشيتها من مُخرَجات الديمقراطية في الجوارالأوروبي، فلا يتخلى الماء العَكِر عن ركوده رغم الحجارة التي تُلقَى في البركة الآسنة بين الحين والآخر.

لا تستحق شعارات السياسة الخارجية التصفيق الذي تحظى به أحيانا، لأنّ الإدارة الإستراتيجية للمشهد ملتزمة بما تقرّر سلفا، وتُعين التطوّرات الداهمة على كشف الأزمة، بما قد يدفع منظمات مجتمع مدني مستقلّة إلى تسجيل ملاحظات لاذعة من قبيل: "يُصعَق المراقب من الفجوة المتنامية التي تفصل بين الأهداف السياسيّة للاتّحاد الأوروبي والتزاماته القانونيّة من جهة، وغياب الإجراءات الفعلية التي من شأنها ضمان تحقيق مثل هذه الأهداف واحترام هذه الالتزامات"، وفق تقرير "الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان" بخصوص عدوان 2008/2009 على غزة (صدر في مايو/أيار 2009).

مع رسوخ تقاليد انفصام القول عن الفعل، يبقى على من يَرغب في الفهم ألاّ يبالغ في تقدير شعارات السياسة الخارجية ونصوص تصريحاتها وسطور بياناتها، فالأجدر هو تركيب الأجزاء المُستترة بين السطور واستنتاج المُتواري وراء الكلمات.

مع رسوخ تقاليد انفصام القول عن الفعل، يبقى على من يَرغب في الفهم ألاّ يبالغ في تقدير شعارات السياسة الخارجية ونصوص تصريحاتها وسطور بياناتها، فالأجدر هو تركيب الأجزاء المُستترة بين السطور واستنتاج المُتواري وراء الكلمات

وقد باتت جماهير العرب مَدينة لمجهِّزي النصوص في وزارات الخارجية الغربية، في اكتشاف لغة جوفاء لا تحرِّك ساكنا ولا تسكن متحركا، أو التعرّف على تراكيب تستبطن نقيض فحواها الظاهر.

فكثير من الصياغات لا تشي بحقيقة الموقف من تطوّرات بعينها، فعندما يُعرب مسؤول أوروبي عن الأمل بالانتقال سريعا إلى "حكومة مدنيّة مُنتخبة"، يكون المغزى الأهمّ عدم اعتراضه على سحق حكومة مدنيّة منتخبة ديمقراطيا قبل أسابيع خلَت.

وفي هذا المثال تحديدا ما يكشف المزالق التي تُفضي إليها بعض اختيارات السياسة الخارجية. فكما منحت الهبّات العربيّة في إطلالتها الأولى فرصة واعدة لمعالجة البيئات الحاضنة للتطرّف والعنف المجتمعي والسياسي، فإن تبخّر الآمال في حواضر عربية يندفع فيها ملايين الشبّان سنويا إلى خانة البطالة، كفيل بأن يقضّ مضاجع أولئك الذين يستشرفون القادمين من وراء البحر.

وأسوأ ما يمكن أن تلجأ إليه السياسات الأوروبية هو الضلوع في تمرير تلك الوصفة التي تتيح للطغمة العسكرية ونخبة الفساد في الجوار الجنوبي، سحق إرادة الشعوب وإعادة إنتاج القهر بعيدا عن أي وصفة إصلاحيّة معقولة.

ها هي طلائع الغرقى على سواحل أوروبا تبعث بإشارة أوليّة على فقدان الأمل في جنوب المتوسط، بمفعول تدهوُر يَصعُب إعفاء أوروبا وأطراف أخرى من المسؤوليّة النسبيّة عنه.

والعبرة هي أنّ الشعوب التي تفقد الأمل لا تبحث عن الانتحار غرقا وحسب، بل قد تسعى إليه نحرا وتفجيرا أيضا.

لقد مثلت بشارة الحرية العربيّة فرصة مُثلى لبناء الجسور بين ضفتي المتوسِّط، ولكنّ نفرا من محتكري الإستراتيجية في "الأمم العظمى" ما زالوا مُولَعين باستدعاء علاقات محكومة بمنطق المركز والأطراف، بحثا عن وكلاء محليين يستمدون شرعيتهم من الخارج ليسهل إنجاز الترتيبات معهم ومع أبنائهم من بعدهم، بلا متاعب مع جولات ديمقراطية غير مرغوبة النتائج.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة