ماذا يعنى تعطل التجربة الديمقراطية في مصر؟   
الأربعاء 1434/10/1 هـ - الموافق 7/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:37 (مكة المكرمة)، 11:37 (غرينتش)
إبراهيم رمضان الديب



حرية وكرامة الشعوب كما هي قيمة إنسانية عليا أقرتها الأديان السماوية الثلاثة، وتكرست في ثقافات وحضارات الأمم والشعوب المختلفة، هي خيار الشعوب المستعبدة التي لن تتوقف عن المطالبة به والسعي لتحقيقه ودفع ثمنه من دمائها جيلا بعد جيل، هي مطلب لازم التحقق وإن تأخر.

وفى مفتتح القرن الواحد والعشرين من عمر البشرية، حمل العرب لواء تحقيق هذه القيمة وأقسمت شعوبه على تحقيقها، وهى صادقة وقادرة، وهذا ما ستؤكده الشهور والسنوات القادمة بإذن الله.

التحول الديمقراطي هو أساس الاستقرار الاجتماعي والسياسي في أي مجتمع، والسبيل الأفضل لتوفير بيئة مناسبة لعملية التنمية والنهوض، وتحقيقه يتطلب المزيد من الوعي والتفاهم والتناغم والاجتماع الشعبي الضامن لتحقيق الاحتشاد الوطني صوب هدف تنمية الوطن بكل ما يعنيه الاحتشاد من مضامين وحدة الصف والتعاون والتكامل وإعلاء المصلحة الوطنية العليا على كل ما سواها.

العديد من الدول تحسب بعناية تأثير ما يحدث في مصر على أوضاعها الداخلية، وتتساءل عن انعكاسات هذا التحول وتأثيراته المتوقعة قبل حسم موقفها منه

ولطبيعة مصر الخاصة ولأهميتها كعمود فقري للعالم العربي، فإن الأحداث المصرية هامة وخطيرة جدا، وتمثل مفترق طرق لمستقبل الكثير من الدول العربية، بل ولإعادة ترتيب رهانات المستقبل، وموازين القوة في المنطقة.

ولذلك فإن العديد من الدول تحسب بعناية تأثير ما يحدث في مصر على أوضاعها الداخلية، وتتساءل قبل حسم موقفها تجاه التحول الديمقراطي في مصر، عن انعكاسات هذا التحول، وتأثيراته المتوقعة، وما إذا كان ينبغي السماح له بالمرور أم لا؟

كما أن مجلس إدارة العالم المتمثل في الولايات المتحدة الأميركية والدول الثماني الكبرى، والذي يحاول أن يفرض سيطرته على العالم، له حساباته الخاصة بشأن ما يجري في مصر ثقافيا واقتصاديا وسياسيا وأمنيا وعسكريا، ومن ثم يطرح هو الآخر على نفسه نفس السؤالين السابقين بشأن انعكاسات هذا التحول الجاري في مصر إقليميا ودوليا، وهل يسمح له بالمرور أم لا؟

ومن المؤكد أن الوطن العربي الكبير كوحدة جغرافية وثقافية واقتصادية وسياسية يعيش نفس التحديات، ويمتلك في الغالب نفس التطلعات، للعبور نحو عالم الحرية والديمقراطية والتنمية.

وسأستعرض في هذا المقال جزءا من الآثار الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية التي ستنجم عن تعطل وتأخر قطار التجربة الديمقراطية والتنموية المصرية، لأضعه على مائدة الفكر والحوار في العالم العربي أفرادا ونخبا ومسؤولين وصناع قرار.

الآثار الثقافية
بالتأكيد فإن تعطيل التجربة المصرية عن طريق استعادة النظام السابق العائد بكل قوة وشراسة، والممتلئ رغبة في التحرش والانتقام من النخب والتنظيمات، بل والشعب الذي ثار وخرج عليه في 25 يناير/كانون الثاني 2011 وأفقده سلطته وحاول النيل منه قانونيا وسياسيا، وهو ما من شأنه أن يحد من مستوى احترام قيمة وحقوق الإنسان المصري.

وستمتد الآثار السلبية لذلك عربيا، مما يعني انتصارا مؤقتا لقيم الفساد والاستبداد والكذب والتضليل والغش والخداع واستغفال الشعوب ونهب مقدراتها، وحصار وتجميد العقول وإهمال العلم والعمل وغياب الإنجاز، وتعزيز قيم الاستهلاك.

من التأثيرات السياسية لتعطيل الديمقراطية تغييب دولة القانون والمؤسسات لحساب دولة العسكر الذين سيتمددون أكثر فأكثر في السياسة والحياة العامة، على حساب التدريب والتأهيل والجاهزية العسكرية

وبطبيعة الحال تمتد آثار الاستعباد الداخلي الذي يمارسه صاحب القوة والسلطة، علما بأن القوى العالمية نفسها تمارس نفس الأمر ولكن بشكل أكبر وأوسع على الشعب كله والمنطقة بأسرها.

كما يعنى ذلك تهديدا كبيرا وخطيرا للهوية العربية والإسلامية، وانحسارا كبيرا للصحوة الإسلامية النشطة منذ عدة عقود، وضربة قاصمة لها في مركزها وعقر دارها، مما سيساعد في حصارها أوروبيا وأميركيا وآسيويا بعد ذلك.

ومما بدا للعيان في كثير من المشاهد والأحداث المصرية -خاصة بعد ارتفاع سقف تطلعات التخلص من الهوية الإسلامية إلى التجرؤ والمطالبة بإلغاء المادة الثانية من الدستور التي تعد الشريعة الإسلامية أساس ومصدر التشريع في مصر- أنه ستهدر الكثير من القيم المجتمعية الموروثة والمتجذرة في وجدان الجماهير، والتي يأتي في مقدمتها احترام الشرائع والشعائر والمقدسات الدينية، وحرمة الدماء، والحرية والكرامة الإنسانية، والتكافل الاجتماعي، لتحل محلها قيم أخرى، من بينها علو منطق القوة على العقل والحكمة، والعشوائية والبلطجة على النظام والقانون، وفرض الأمر الواقع على ما يجب أن يكون، وتمدد كبير لدور العسكر في الحياة العامة.

سيأتي ذلك عبر وسائل إعلام العهر والتضليل، التي بدا لها أنها خرجت منتصرة على الإعلام الإسلامي الوليد الناشئ من ناحية، ومن ناحية أخرى على الإعلام المهني الحر الذي يحاول ترسيخ نفسه وحيدا مضيئا ومشرقا، ولكنه ما زال غريبا في عالم ما زال يعيش معركة الوعي بين إعلامين: إعلام يخدم مصالح شعبه ويريد توعيته، وإعلام يعادى مصالح شعبه، ويريد تجهيله وتغييبه.

ومن الآثار المتوقعة لذلك أن تترسخ فكرة ومنطق وسياسات ومؤسسات الاستبداد والقهر وإذلال الشعوب، وفي ظل علو منطق القوة على الحق سنشهد انحسارا وتقهقرا لدور التيارات الدينية بتنوعها واختلافها، بل وسيمتد ذلك أيضا إلى الأزهر وإلى المؤسسات الدينية الرسمية.

كما سيؤدي ذلك أيضا إلى تعبيد البيئة الثقافية العربية وتهيئتها للمد الشيعي الصفوي في أرض العرب السنة.

وبشكل إستراتيجي سيتأخر نمو ونضج "دبلوماسية الشعوب" التي خرجت للنور كمولودة تحتاج رعاية فكرية وعملية تضمن نموها ونضجها بشكل طبيعي حتى تبلغ رشدها لتصبح نهجا سياسيا تمتلك به الشعوب إرادتها، وتفرض وتحكم به نفسها، ولكنها فوجئت بأنها جاءت نتيجة زواج غير شرعي، لأبوين متصارعين، فانتحت جانبا على قارعة الطريق تنتظر من يحتضنها ويرعاها في أرض العرب.

تشكل أحداث مصر تهديدا كبيرا وخطيرا للهوية العربية والإسلامية، وانحسارا كبيرا للصحوة الإسلامية النشطة منذ عدة عقود، وضربة قاصمة لها في مركزها وعقر دارها مما سيساعد في حصارها خارجيا

ومن أهم الآثار النفسية والاجتماعية لتعطل قطار الديمقراطية والتنمية والنهضة المصرية انكسار الحلم العربي بالديمقراطية والتنمية والنهضة واللحاق ببقية شعوب العالم الناهضة من حوله.

وسيحس المواطن العربي بانقطاع طريق الديمقراطية والنمو والنهوض من أمامه، وسيتعزز لديه الإحساس بالدونية وعدم القدرة على الوقوف والنهوض من جديد، بل وضرورة الانكسار والتبعية الذليلة المهينة للعالم الديمقراطي المتقدم المزدهر.

كما أن عاصفة نفسية وفكرية جديدة ربما ستهب قوية بين التيارات الإسلامية التي انتهجت العنف ولم تجد له جدوى، وتلك التي جربت المسار السلمي الديمقراطي دون جدوى.

واقتصاديا ومع توقف عجلة المشاريع التنموية الذاتية في القمح والتكنولوجيا وتطوير استثمار محور القناة، ومشاريع إنتاج السيارات والطائرات، وإعادة تشغيل عجلة المصانع الحربية في إنتاج وتطوير السلاح والذخيرة المصرية محليا، فستعود الزيادة والخلل المستمر في الميزان التجاري، والضعف في معدلات النمو والتحرر الاقتصادي، وزيادة نسب البطالة والفقر.

وسياسيا ستغيب دولة القانون والمؤسسات لحساب دولة العسكر الذين سيتمددون أكثر فأكثر في السياسة والحياة العامة، على حساب التدريب والتأهيل والجاهزية العسكرية.

هذا بالإضافة إلى التغيير الواضح الذي بدا في العقيدة العسكرية المصرية التي جعلت من الإرهاب عدوا أول لها بدلا من الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين وسوريا، مما أجده متماهيا بشكل كبير من الأجندة الصهيوأميركية في المنطقة.

والواقع أن ذلك سيمنح الإدارة الأميركية الإسرائيلية آفاقا ونفوذا أوسع في المنطقة، وقدرات تفاوضية أعلى مع القادمين الجدد للشراكة في إدارة المنطقة خاصة إيران وتركيا، مما سيؤثر بقوة على إضعاف الموقف الخليجي ويزيد من تهديدات التمدد الإيراني الصفوي والابتزاز الأميركي.

بالتأكيد أنا لا أجلد ذاتنا المصرية والعربية، ولا أشوه المشهد وأصبغه بصبغة سوداء محبطة، ولكنى أسعى لكشف الكثير من الحقائق، التي أوجه بها ضوءا أحمر ورسالة إنذار للمشاركين في صناعة القرار من ناحية، ومعاونيهم ومساعديهم من جهة أخرى، كما أبعث برسالة توعية وتثبيت للوطنين الأحرار، المرابطين في ميادين الحرية والكرامة الساعين لبناء مصر الديمقراطية الحديثة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة