الجيوش العربية.. من الانقلابات إلى الثورات   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

* بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي

- سجود الجندي وسجود الجنيد
- تحكم القوى النوعية
- خيارات القوى السياسية
- اللهم ثورة لا انقلابا

تعاني المجتمعات العربية الحالية من انشطار في الذات عميق، فصل الخلُق عن الفن، والحق عن القوة، والدولةَ عن الشعب، فحال بين الحق وبين الاستقواء بالقوة، وحال بين القوة وبين الاسترشاد بالحق، ووضع الحاكم والمحكوم في صراع، فمنع من إقامة "الدولة المنسجمة" التي اعتبرها الفيلسوف الألماني هيجل –بحق– أمل المجتمعات المعاصرة ومآلها.

سجود الجندي وسجود الجنيد
وقد كشف الشاعر الثائر محمد إقبال خطورة هذا الانشطار بأسلوبه الأدبي البديع، فبين أن "الدين بغير قوة مجرد فلسفة"، وأثنى على ذلك التلاحم الميمون بين الحق والقوة باعتباره أهم دافع لحركة التاريخ، وأكد أن "سجود الجندي خير من سجود الجنيد"، لأن سجود الجندي رمز لتلاحم الحق والقوة، أما سجود الصوفي المشهور الجنيد فلا قوة فيه ولا حياة، إذ ينقصه "عز القيام" حسب تعبيره.

فإقبال يشخص هنا الإشكالية الجوهرية في الحياة السياسية على مر العصور، وهي أن الحق إذا انفصل عن القوة فإن مصيره الهزيمة والانكسار، والقوة إذا انفصلت عن الحق فإن مآلها الطغيان والتخبط.

وقد عبر الزعيم والحكيم الإفريقي نيلسون مانديلا عن هذه الحقيقة التاريخية بأسلوبه الخاص، فحكى في مذكراته كيف كان يقود الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الإفريقي في جنوب إفريقيا أيام شبابه، وكيف جمع كميات كبيرة من المتفجرات ذات ليلة، ووضعها في مأمنها استعدادا لعميلة آتية، ثم اضطجع لينام قرير العين قائلا في نفسه "أما الآن فإن الحق والديناميت معنا".

أما الدكتور برهان غليون فقد وضع ثنائية الحق والقوة هذه في السياق السياسي العربي، ولخص الأمر كله في عنوان أحد كتبه "المحنة العربية.. الدولة ضد الأمة". فلنر الآن مظاهر هذا الانشطار والمحنة في العلاقة بين الجيش والقوى السياسية الطامحة إلى الإصلاح والتغيير في الدول العربية.


قد يتحول الجيش لأداة فعالة من أدوات التغيير الديمقراطي لو كف عن الانفصال عن المجتمع وانحاز لصف الشعب وذلك بمشاركته في دعم قوى التغيير السياسي أو بتخليه عن الحاكم المستبد الذي لا يستطيع البقاء بدونه
تحكم القوى النوعية

يمكن القول إن القوى النوعية المتحكمة في المجتمعات المعاصرة ثلاث قوى هي الجيش والمال والإعلام. وفي المجتمعات الغربية – حيث تنبني شرعية السلطة على الاختيار لا على القوة– فقد الجيش نفوذه كقوة سياسية، فتبارى الناس في التأثير من خلال المال والإعلام. ومن هنا كانت فطنة اليهود الذين اتجهوا إلى هاتين القوتين، فسيطروا بهما –ضمن عوامل أخرى- على الحياة السياسية في العديد من دول الغرب.

أما الجيش في الدول العربية فهو القوة النوعية الأساسية، وهو مؤسسة سياسية تمتلك القوة، في مجتمعات لا تزال الشرعية فيها خادمة للقوة لا العكس، بل هو أقوى مؤسسة سياسية في المجتمعات العربية الحالية، وأكثرها تماسكا، وأقواها عصبية.

فالجيش العربي –ببنيته وثقافته الحالية- حاجز كثيف أمام التغيير الديمقراطي الذي تطمح إليه الشعوب وتتطلع إليه. وهو قيد يجعل كل المكاسب الكمية التي تحصل عليها قوى التغيير الديمقراطي هباء أمام القوى النوعية التي يمثلها الجيش.

فنسبة 80% من الناخبين الجزائريين الذين صوتوا لجبهة الإنقاذ الإسلامية لم يستطيعوا فعل شيء أمام حفنة من جنرالات الجيش المتحكمين، ورأوا حلمهم ينهار بجرة قلم وبضع طلقات.

وقد زاد من كثافة هذا الحاجز حرص الأنظمة العربية وظهيرها الدولي على فصل الجيوش عن الشعوب، بنية وإدارة وثقافة وتكوينا. وهو انفصال ترجع جذوره إلى أيام الاستعمار والنخبة التي ارتبطت به، فسلمها مقاليد الأمور من بعده.

ثم اتسعت الهوة أكثر مع عسكرة الأنظمة العربية التي لم يعد يوجد فيها نظام مدني واحد تقريبا، وحتى الأنظمة الملكية المعروفة تقليديا بأنها مدنية، اتجهت في العقد الأخير إلى العسكرة.

لكن الجيش قد يتحول في يوم من الأيام إلى أداة فعالة من أدوات التغيير الديمقراطي، لو كف عن الانفصال عن المجتمع، وانحاز لصف الشعب. ويكون هذا التحول بمشاركته في دعم قوى التغيير السياسي، أو بمجرد تخليه عن الحاكم المستبد الذي لا يستطيع البقاء بدونه.

خيارات القوى السياسية
وتواجه القوى الساعية للتغيير الديمقراطي في الدول العربية مأزقا أخلاقيا وعمليا في التعاطي مع الجيوش. فهي لا تستطيع تحريض الجيوش على الأنظمة، في الوقت الذي تدعو فيه للتداول السلمي للسلطة، حتى لا تقع في تناقض أخلاقي يفقدها المصداقية.

وهي لا تستطيع أن تنكر الدور السياسي الذي يضطلع به الجيش في إطالة عمر الأنظمة المستبدة، مما مكن الحكام من مصادرة إرادة الشعب وقمع القوى السياسية التي رضيها –أو قد يرضاها- الشعب لقيادته.

من وجهة نظر فنية يمكن تصور ثلاث طرائق في تعامل القوى السياسية مع المؤسسة العسكرية في الدول المعاصرة:

الخيار الأول: تحييد الجيوش سياسيا، من خلال بناء تحالفات سياسية عريضة، تضع الجيش وجها لوجه أمام الشعب كله أو جله، وبذلك لا يجد الجيش خيارا غير الانسحاب من السياسة، والتخلي عن دعم الاستبداد، وتسليم السلطة لقادة منتخَبين.

يقف أمام هذا الخيار عائقان:
• انعدام الشجاعة السياسية لدى المواطن العربي عموما، وعدم استعداده للتضحية في مواجهة محتملة مع قوى القمع، في حين أن الديمقراطية لم تتحقق تاريخيا إلا بعد أن أصبح الناس يؤثرون الحرية على الحياة، فلا يمكن فصل ثقافة الاستعباد لدى الحاكم عن ثقافة العبودية لدى المحكوم.

• والأنانية التي تتسم بها القوى السياسية في الدول العربية، بحيث لا تستطيع بناء جبهة عريضة مشتركة، تتواضع على قواعد أخلاقية للعمل السياسي، تكفل حرية العمل للجميع، وتتحاكم إلى الشعب في اختيار القيادة السياسية، كما هو الشأن في أغلب دول العالم اليوم.

الخيار الثاني: هو غزو الجيوش من خارجها من خلال بناء قوة موازية لها، كما فعلت بعض قوى اليسار في أفريقيا وأميركا اللاتينية منتصف القرن العشرين. ومن عوائق هذا الخيار:


ليس من السهل على المتسلل إلى البيت تحت جنح الظلام أن يخرج منه طوعا في وضح النهار وليس من الحزم الرهان على النوايا الطيبة التي يعبر عنها الانقلابيون في كل عصر قبل أن يتمكنوا من الحكم
• أنه كان ممكنا في الخمسينيات والستينيات، حينما كانت دول العالم الثالث حديثة عهد بالاستقلال، هشة البنية، ولم تكن جيوشها قد تحولت إلى مؤسسات صلبة متماسكة. لكنه أصبح أمرا متعذرا، باهظ الثمن بعد ذلك، وهو ما تشهد به تجربة الجزائر اليوم.
• كما أن الثقافة الإسلامية –السنية على وجه التحديد- في الدول العربية لا تؤيد فكرة الصدام المباشر مع قوة الدولة، مهما كان ذلك مجديا أو متعينا. فقد تحكم هاجس الخوف من الفتنة في تلك الثقافة بشكل مرضي، أدرك المستبدون كيف يستغلونه إلى أقصى حد.

الخيار الثالث: هو اختراق الجيوش من الداخل من خلال عملية تسرب بعيدة المدى، تنتهي بالإمساك بمفاصل الدولة وتجعل التغيير أمرا سهلا، وهو ما فعلته العديد من القوى القومية العربية منذ العام 1952. وليس هذا الخيار بأسهلها أيضا، لعدة أسباب منها:

• أن الحكام المستبدين وظهيرهم الدولي يقظون جدا لهذه الثغرة، فجل عملهم الوقائي يتركز عليها. وما نسمع عنه من علاقات عسكرية وبعثات تدريبية أكثره غطاء لعمليات التأمين ضد هذا الخيار، وما خفي كان أعظم.

• وأن هذا الخيار يشتمل على خطر على القوى السياسية التي تتبناه، فليس من السهل على المتسلل إلى البيت تحت جنح الظلام أن يخرج منه طوعا في وضح النهار. وليس من الحزم الرهان على النوايا الطيبة التي يعبر عنها الانقلابيون في كل عصر قبل أن يتمكنوا.

اللهم ثورة لا انقلابا
فإذا تركنا الجوانب الفنية جانبا، ونظرنا إلى التعامل مع المؤسسة العسكرية من زاوية مبدئية، فإن طريقة التحييد هي التي تنسجم مع أخلاقيات العمل السياسي. وحتى لو لجأ السياسيون المعارضون إلى الطريقة الأخيرة فينبغي أن يكون الهم الأهم عندهم هو تحرير الشعوب من الاستبداد والفساد، لا التحكم فيها بالقوة من جديد.

فليس الاستيلاء على السلطة بالقوة سوى وسيلة لتحرير الناس من شرورها، وإلا فقد قيمته الأخلاقية. فعلى القوى السياسية التي تتبنى تلك الحلول أن تبرهن أن لجوءها للقوة إجراء مؤقت اقتضته ظروف معوجة، وأن تفتح الباب لبناء شرعية جديدة لا تكون القوة فيها هي الرهان.

إن جوهر الفرق بين الانقلاب والثورة هو أن الثورة تهدف إلى تحرير الناس، أما الانقلاب فيهدف إلى حكمهم. الثورة يقودها الشعب فيتبعه الجيش، والانقلاب يقوده الجيش فيتبعه الشعب. الثورة تغيير لقواعد بناء السلطة لتكون الكلمة الأخيرة فيها للشعب، أما الانقلاب فهو تغيير لأشخاص الحكام مع بقاء القوة معيارا للحكم.

فاستيلاء الشيوعيين على السلطة في روسيا عام 1917 انقلاب وليس ثورة، ومثله انقلاب الزعيم المصري جمال عبد الناصر في مصر عام 1952، وانقلاب الزعيم الليبي معمر القذافي في ليبيا عام 1969، والانقلابات العديدة التي شهدتها سوريا وغيرها من الدول العربية. أما القضاء على الملكية في فرنسا والتحرر من التاج البريطاني في أميركا نهاية القرن الثامن عشر فهما ثورتان حقيقيتان.

ولعل الثورة الوحيدة التي شهدتها الدول العربية في تاريخها الحديث هي ثورة المشير عبد الرحمن سوار الذهب في السودان عام 1985. ومن أسباب كونها ثورة أن تحركات الشعب والقوى السياسية والنقابية السودانية ضد النميري سبقت أولا، ثم جاء تدخل المشير تتويجا لها.

على أن سوار الذهب يستحق الثناء في زمن الطمع والأنانية السياسية الذي نعيشه: فقد كشف عن زهده في السلطة ووفائه بوعده، وسلم الأمر إلى الشعب عن طيب خاطر. فهو يذكرنا بعظماء الثوار في التاريخ البشري مثل جورج واشنطن الذي اقترح عليه أحد قادة جيشه أن يقبل البيعة أول ملك للدولة الأميركية الوليدة، فرد واشنطن "إن الشعب الأميركي لم يبذل الدم للتحرر من جورج الثالث (ملك إنجلترا) ليضع مكانه جورج الأول (يعني نفسه)".

وقد اصطلتْ الشعوب العربية منذ مطلع الخمسينيات بالعديد من الانقلابات التي لم تهدف إلى تحريرها بل إلى حكمها، رغم التسويق الكثيف الذي عمد إليه الانقلابيون بتصوير أنفسهم في صورة ثوار ومحررين. فليست شعوبنا بحاجة إلى انقلابات جديدة بالقطع.


جوهر الفرق بين الثورة والانقلاب هو أن الأولى يقودها الشعب فيتبعه الجيش وتهدف لتحرير الناس أما الثاني فيهدف إلى حكم الناس ويقوده الجيش فيتبعه الشعب

لكن الدول العربية مقدمة في العقد القادم على مرحلة حاسمة من تاريخها، ستشهد تغييرا عميقا في بنيتها السياسية، وتطورها الاجتماعي. ومهما يكن الضجيج الحالي حول الديمقراطية الوقائية التي تريد قوى الخارج فرضها، أملا في إطالة عمر الحكام الموالين لها، فلا ينبغي أن نعمى عن رؤية التحول العميق الذي يتخلق داخل أحشاء مجتمعاتنا العربية اليوم. وهو تحول لا تتسع له عمليات التجميل الحالية، فتغيير القواعد –لا الأشخاص أو الأشكال– هو وحده الذي يستوعب المخاض العربي الراهن.

لذا فإن مكانة المؤسسة العسكرية ودورها في التحولات الآتية سيكون تحديا جديا أمام القوى السياسية العربية. وكلما تقدمت تلك القوى في سعيها إلى التغيير، وتبصرت أكثر بعوائق الطريق، وتمرست بأساليب التكيف معها، ستتبين لها أهمية الجيش عائقا للتغيير وأداة من أدواته، ودور الجيش في معادلة الحسم القادم لصالح أحد طرفي النزاع: قوى الديمقراطية وقوى الاستبداد.

فهل سيكون المخاض الذي نراه اليوم بداية ثورات حقيقية تقودها الشعوب بشجاعة وتسندها الجيوش بشهامة، أم ستكون فرصة سانحة للانقلابيين المتسللين في جنح الظلام للسطو على إرادة الشعوب من جديد؟ اللهم ثورة لا انقلابا!!
ــــــــــــــــــ
* كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة