فنزويلا.. إلى أين؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ محمد فال ولد المجتبى*

ـ مأساة بلد.. جدلية الثروة والثورة
ـ شافيز.. الزعيم المثير للجدل
ـ خصوم شافيز ووهم الفرصة السانحة
-الآفاق والاحتمالات

منذ الأشهر الأولى من السنة المنصرمة بدأت أخبار فنزويلا تطفو على سطح الأحداث بشكل متواتر، ولم تفتأ منذ ذلك الحين تجتذب اهتمام وسائل الإعلام وتثير فضول المتابعين للشأن السياسي الخاص بتلك المنطقة من العالم. وقد استمر هذا الاهتمام في التزايد، اطرادا مع تطورات الأزمة المتصاعدة التي يعيشها البلد المذكور، وهي أزمة غير عادية أظهرت وجود حالة من الصراع السياسي تجاوزت حدود المألوف وكرست مواجهة اجتماعية شاملة، صاحبها اضطراب في مؤسسات الدولة على نحو غير معهود في البلدان التي تتمتع بحد أدنى من سيادة القانون.

إن حدة الاستقطاب السياسي والأيديولوجي في إطار هذه الأزمة وتسارع أحداثها المتلاحقة وصعوبة التكهن بمسار تطوراتها، بفعل التقلبات المثيرة والمفاجئة التي عرفتها بعض مراحلها، كلها جعلت المعنيين والمهتمين بها في حيرة من أمرهم:


  • إن الوضع في فنزويلا كما هو الآن لا يمكن أن يستمر لوقت طويل، ورغم ذلك لا تلوح في الأفق أية بوادر لإمكانية التوصل إلى حل الأزمة بالتراضى
    فالمواطن الفنزويلي العادي، الذي كان قد علق آماله على التجربة الديمقراطية الجديدة وراهن على طبقة سياسية بعيدة عن شبهة الفساد، لم يعد واثقا تماما من خياراته. حيث أصبح نهبا للشكوك بفعل تأثير الدعاية المركزة الموجهة ضد الحكومة الحالية، ولم يعد بعيدا عليه أن يرضى من الغنيمة بالإياب. فبعد أن عز تحقيق الإصلاحات الاجتماعية المنشودة واستحال ترسيخ ممارسة سياسية ديمقراطية في أجواء الفوضى السائدة، ربما لم يعد الكثيرون اليوم يطمحون إلى أكثر من وضع طبيعي يأمن فيه المرء على نفسه وذويه ويطمئن على استقرار بلده، بغض النظر عمن ينتصر ومن ينهزم فى المعركة السياسية الدائرة رحاها الآن.
  • الأطراف الدولية بدورها لم تعد واثقة من الموقف المناسب الذى ينبغى اتخاذه إزاء فرقاء الأزمة، فالتجربة الإنقلابية الفاشلة وما آلت إليه من تطورات، أقنعت الكثيرين بضرورة التروي فى اتخاذ أي موقف بشأن هذه الأزمة التى يصعب الجزم بتحديد مآلاتها.
    والحق أن موقف معظم الأطراف الدولية من التطورات في فنزويلا لا يخلو من غرابة، فالحكومة القائمة لا مطعن في شرعيتها، ومطالب المعارضة يقع أغلبها خارج دائرة الأحكام الدستورية السارية.
    وأمام وضع كهذا فإن الإيحاء بالتردد في الموقف المناسب اتخاذه -ناهيك عن التلميح إلى التعاطف مع تحرك المعارضة- يعتبر في الحد الأدنى ممالأة ضمنية لحركة تمرد غير شرعية. بيد أنه ليس من العسير فهم مثل هذا الموقف في ظل الوضع الدولي السائد. حيث من الطبيعي أن ترى الكثير من الحكومات أنه ليس من الحكمة في شيء المجازفة بالتعرض لغضب القوة العظمى، من خلال الإعلان عن التضامن مع نظام "مشاغب" من نوع النظام الحاكم في فنزويلا، ففي عصر "من ليس معي فهو مع الإرهابيين" ليس من السهل اتخاذ قرارات من هذا النوع.
  • حتى وسائل الإعلام والمراقبون السياسيون يجدون صعوبة في الإمساك بخيوط، تقود إلى فهم هذه الأزمة بإيقاعها المضطرب ومساراتها غير المنتظمة. فالذي يحدث الآن في فنزويلا ليس من اليسير فهمه في ضوء أدوات التحليل السياسي التقليدية، ومحاولة التكهن بآفاقه المستقبلية تكاد تصبح ضربا من الرجم بالغيب يحسن بالدارس الحصيف أن ينأى بنفسه عنه.
    رغم ذلك قد يكون من المفيد تقديم جملة من الملاحظات التي من شأنها أن تعين على إدراك بعض خلفيات وأبعاد الأزمة التي تطحن هذا البلد المنكوب أهله بثروته وموقعه، والذي أضحى مسرحا لمواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات، بين زعيم يمتلك كل مواهب المغامر ومعارضة أخطأت في تقدير الفرصة ولم تعرف فضيلة المراجعة.

مأساة بلد.. جدلية الثروة والثورة

"فقر الإنسان كنتيجة لثراء المكان"، هكذا اختار إدواردو غاليانوEduardo Galeano من أورغواي- عنوان الفصل الأول من كتابه الرائع "الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية"، والذي صدرت طبعته الأولى منذ نحو ثلاثين سنة. والواقع أن هذه العبارة التي تصف بمنتهى البلاغة حال كثير من بلدان أميركا الجنوبية والوسطى- تنطبق بدقة وربما أكثر من أي بلد آخر على الوضع في فنزويلا. فهذا البلد الغني بموارده الطبيعية والذي يعد خامس أكبر مصدر للنفط الخام على مستوى العالم يعانى من مشكلات اجتماعية حادة، حيث يعيش نحو 80% من السكان تحت وطأة الفقر وتنتشر البطالة ومظاهر سوء التغذية، فضلا عن أن معدلات الأمية بين المواطنين ترتفع إلى مستويات قياسية بالنسبة لبلد يتمتع بمثل موارد فنزويلا.

إن وضعا كهذا يمثل بالضرورة أرضية خصبة للاضطرابات الاجتماعية وعدم الاستقرار السياسي. ويظهر ذلك بصورة جلية بتتبع التاريخ السياسي الحديث لفنزويلا والذي اتسم بتناوب تجارب هشة وعابرة للحكم المدني، كانت تنتهي دائما بانقلابات تحمل إلى السلطة نظما عسكرية. وكان التسلط والفساد سمة ملازمة لأنظمة الحكم المتعاقبة، المدني منها والعسكري. وظل المشهد الاجتماعي ثابتا في كل الأحوال: بؤس وتمرد الأغلبية في مواجهة نخب محدودة، ومجموعات مصالح غير مهتمة أحيانا ومشغولة غالبا بحساباتها وصراعاتها الخاصة. وهكذا يمثل واقع فنزويلا مصداقا لصرخة اليأس التي كان أطلقها قبل نحو قرنين أشهر رجل في تاريخ هذا البلد، وأعظم ثوار أميركا اللاتينية على الإطلاق سيمون بوليفار. فقد نسب إليه أنه في قمة معاناته الشخصية بعد أن اتضح فشل مشروعه الطموح لتوحيد بلدان أميركا اللاتينية، خاطب أحد جنرالاته قائلا "أبدا، لن نكون سعداء!" (Nunca seremos dichosos, ¡nunca!).

غير أن مصادر معاناة فنزويلا لا تقتصر على ثروتها وطريقة التصرف في هذه الثروة، وما ينشأ عن تلك الطريقة من دواعي التمرد وعوامل الاضطراب. فهذه المعاناة لها صلة أيضا بموقع البلد، فهو على تماس مع بلدان ذات أهمية كبرى للإستراتيجيات الدولية في المنطقة مثل كولومبيا، كما أنه قريب نسبيا من بلدان أميركا الوسطى ومجموعات جزر الكاريبي وهي مناطق نفوذ تقليدي للولايات المتحدة.

في كل الأحوال فإن الوعي بأهمية الموقع الإستراتيجي والضجر بتجارب الحكم آلتي لم تفعل أكثر من نهب وهدر مقدرات البلاد، كانت عوامل جعلت تلك الأرض آلتي تتجاور فيها الثروة الهائلة مع الفقر المدقع على موعد مع تجربة سياسية واجتماعية جديدة، حاولت أن تستلهم التراث الثوري العريق للمحررين الأوائل. وفى هذا السياق كان ظهور حركة التغيير آلتي قادها هوغو شافيز والتي عرفت باسم الثورة البوليفارية.

شافيز.. الزعيم المثير للجدل

بعد محاولة انقلابية فاشلة أدرك الضابط الطموح ذو الميول اليسارية هوغو شافيز أن تحقيق أهدافه ينبغي أن يمر عبر العمل السياسي، وهكذا كان. فقد انتخب رئيسا للجمهورية سنة 1998 ،ليعاد انتخابه سنة 2000 لفترة انتداب جديدة مدتها ست سنوات، مع تقدم انتخابي ملحوظ لحزب "حركة الجمهورية الخامسة" الذي يقوده شافيز. ومنذ ذلك التاريخ لم ينقطع الجدل بشأن شخصية شافيز وإصلاحاته الاجتماعية وسياسته الخارجية، وكلها أمور على صلة وثيقة بالأزمة الحالية.


لم يكتف شافيز بانتقاد الهيمنة الأميركية دوليا بل تجاوز ذلك إلى العمل على تنفيذ سياسة خارجية بدا أنها تستهدف تعزيز مكانة بلاده دوليا من جهة، والإسهام في إحداث نوع من التوازن في العلاقات الدولية من جهة أخرى
مهما اختلف الناس بشأن شافيز، فهم لا يختلفون حول أمرين: الشخصية الكارزمية التي يتمتع بها ونزعته الاشتراكية الواضحة. ومن ثم فلا غرابة في كون كل متاعب الرجل ومتاعب الناس معه تأتي من هذين المصدرين: طموحه إلى الزعامة والتزامه الإصلاحي. فبقدر ما تمثل سياساته خطرا بالنسبة لمراكز قوى تقليدية عديدة داخلية وخارجية، يضر ميله المفرط إلى الحضور الشخصي بصورته كمصلح اجتماعي وكرجل دولة متميز.

لا يسع الكثيرين إلا الاعتراف بأن شافيز حقق -أو على الأقل سعى إلى تحقيق- إصلاحات اجتماعية هامة، وأنه أسهم في تجديد الطبقة الحاكمة في بلاده، وعمل على القطيعة مع الممارسات السياسية التقليدية القائمة على الزبونة بما تعنيه من تعايش مع الفساد وانصراف عن الاهتمام بمواجهة المشكلات الفعلية للبلاد. وبإمكان أنصار شافيز والمتعاطفين معه أن يسجلوا في رصيده نقاطا إيجابية عديدة منها:

  • إحداث إصلاحات دستورية وتشريعية واسعة مست عدة مجالات مؤسسية، ومثلت تقدما استثنائيا مقارنة بالأوضاع السائدة في المنطقة، لا سيما فيما يتعلق بحماية حقوق الإنسان الأساسية. وينبغي التنويه في هذا الصدد بالاهتمام الخاص الذي نالته الحقوق الاجتماعية والاقتصادية.
  • في إطار هذه العناية بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية، تم إدخال إصلاحات بنيوية تأخذ في الاعتبار احتياجات الفئات الاجتماعية الأكثر هامشية، وتظهر وجود مستوى جديد من الاهتمام بتجاوز الاختلالات العميقة التي تمثل مصدرا دائما لعدم الاستقرار الاجتماعي، فضلا عن كونها تتعارض مع الحقوق الأساسية لأغلبية المواطنين التي تجد نفسها محرومة من الاستمتاع بخيرات بلدها.
  • شملت هذه الإجراءات أيضا إصلاحات زراعية جذرية، كما تم تحديث السياسة التعليمية، فضلا عن الاهتمام بتقنين العلاقات بين الأطراف الاجتماعية، بما يضمن حقوق الطبقة العاملة ويؤمن لها ظروف عمل ملائمة.
  • في نفس الوقت تم إدخال إصلاحات هامة على القطاعات الاقتصادية الأكثر حيوية، حتى تؤمن مصالح البلاد وتتلاءم مع المناخ الاقتصادي السائد دوليا. وقد تأثر بهذه الإصلاحات بصورة خاصة قطاعا النفط والصيد.

رغم كل ذلك فإنه حتى أكثر الناس تعاطفا مع شافيز وسياساته الإصلاحية، لا يسعه أن ينكر أن الرجل لم يستطع التخلص من نزوعه المبالغ فيه نحو استخدام خطاب شعبوي قد يليق بالنظم التسلطية، ولكنه لا يناسب إطلاقا الأوضاع الديمقراطية. والأخطر من ذلك أنه يظهر ميلا مفرطا إلى تركيز السلطات على نحو يزعج حلفاءه بقدر ما يقلق منافسيه:

  • يعتبر العديدون أن شافيز أفرط في استخدام الأساليب الجماهيرية في خطابه وممارسته السياسية إلى حد ابتذال نفسه واستفزاز خصومه. فهو لا يكتفي بالمهرجانات الحاشدة والخطابات المطولة -على طريقة جاره وصديقه العتيد فيدل كاسترو، بل إنه تجاوز ذلك لحد أنه أصبح ينعش برنامجا إذاعيا مباشرا بعنوان "¡Alo, presidente!" يبث لمدة ساعتين كل أسبوع، حيث يقوم باستقبال مكالمات المستمعين والرد عليها، ويتحدث في سياسة الدولة وأحوال المجتمع، ويغنى ويروي النكات أيضا، كما يقوم بانتقاد خصومه والسخرية منهم.
  • ينقل عن شافيز نفسه أنه وصف طريقة إدارته لفريق عمله بأنها تشبه لعبة "البيسبول" base – ball، حيث قائد الفريق يرسم خطة اللعب ويحدد لكل لاعب مهامه، والذي لا يمتثل الخطة ويتجاوز دوره المرسوم يخرج من الملعب. وبغض النظر عن مدى انسجام أو عدم انسجام هذا الأسلوب مع مقتضيات الممارسة الديمقراطية، فالأكيد أنه ليس من السهل تطبيقه في بلد ذي تقاليد فيدرالية، وحيث تتوزع السلطة عادة بين مراكز نفوذ متعددة يراعى بعضها بعضا في مختلف أوجه القرار، وهو أمر معيب بالتأكيد ويعكس افتقار مؤسسات الدولة إلى القدر الكافي من الشرعية أمام الشعب والاستقلالية إزاء مجموعات الضغط، ولكن الأسوأ منه هو تركيز سلطات اتخاذ القرار في يد شخص واحد.

  • أكبر أخطاء شافيز يتمثل فى حقيقة أن خطابه الجماهيري أسهم فى إحداث استقطاب اجتماعي حاد تسبب فى القطيعة بين الطبقة المتوسطة والفئات الإجتماعية الأكثر فقرا التى أصبحت ترى فى الأولى منافسها الفعلي والمسؤول الأول عن مشكلات البلاد
    كانت النتيجة الطبيعية لمثل هذا السلوك هي أن التحالف الذي تشكل في البداية حول شافيز لم يفتأ يعرف التصدع تلو الآخر، فقد ابتعد عنه مبكرا العديد من رفاق السلاح الذين شاركوا إلى جانبه في المحاولة الانقلابية الفاشلة سنة 1992، كما انفضت من حوله بعض المجموعات السياسية المحسوبة تقليديا على اليسار الفنزويلي مثل حزب "وطن للجميع" (Patria para todos)، إضافة إلى جماعات يسارية أخرى كان ينظر إليها باعتبارها حليفا طبيعيا لسياساته. ولا يقلل من دلالة هذه التصدعات أن شافيز لا يزال يحتفظ في دائرة الموثوقين والمقربين منه بوجوه يسارية تاريخية، مثل وزير النفط علي رودريغيز الذي يعتبر من أبرز قيادات اليسار الثوري منذ سنوات الستينيات ومن آخر من تخلوا عن خيار النضال المسلح.
  • غير أن أكبر أخطاء شافيز يتمثل في حقيقة أن خطابه الجماهيري أسهم في إحداث استقطاب اجتماعي حاد، تسبب في القطيعة بين الطبقة المتوسطة، والفئات الاجتماعية الأكثر فقرا التي أصبحت ترى في الأولى منافسها الفعلي والمسؤول الأول عن مشكلات البلاد، وهكذا وجدت الطبقة المتوسطة نفسها مدفوعة رغما عنها، إلى الارتماء في أحضان المعارضة.

وإذا كانت سياسات شافيز الاجتماعية تعتبر تحديا لخصومه الكثر وطريقته في ممارسة الحكم تضايق بعض حلفائه، فإن سياسته الخارجية مثلت له مصدر متاعب إضافيا، لا بسبب تطلعه إلى ممارسة دور أكثر تميزا على الصعيدين الإقليمي والدولي فحسب، ولكن أيضا بسبب صداقاته وتحركاته التي ارتابت منها جهات دولية لم تكن أصلا مرتاحة لتوجهاته التي تعتبرها مستقلة أكثر من اللازم.

في الواقع، لم يكتف شافيز بانتقاد الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة على الصعيد الدولي، والتعبير عن تطلعه إلى عالم متعدد الأقطاب، بل تجاوز ذلك إلى العمل على تنفيذ سياسة خارجية بدا أنها تستهدف تعزيز مكانة بلاده دوليا من جهة، والإسهام في إحداث نوع من التوازن في العلاقات الدولية من جهة أخرى. وقد تركز هذا التحرك حول محورين رئيسين:

  • محاولة تنشيط منظمة الدول المنتجة للنفط وتفعيل التنسيق بين أعضائها بشأن سياسات الإنتاج وتحديد الأسعار، في مسعى لممارسة دور أكثر تأثيرا في الاقتصاد العالمي ومن ثم في السياسة الدولية.
  • العمل على إحياء وتفعيل بعض مشاريع الاندماج الإقليمي على مستوى أميركا اللاتينية، وهو ما تجلى من بين أمور أخرى، في المساعي الرامية إلى الربط بين السوق المشتركة للجنوب (Mercosur) ومجموعة دول الآند (CAN)، التي تضم إلى جانب فنزويلا كلا من كولومبيا وبيرو والإكوادور وبوليفيا. وهو ما كان من شأنه لو تحقق أن يسمح بتكوين قطب اقتصادي هام لا يمكن تجاهله سياسيا.

بديهي أن الولايات المتحدة لم تكن لتنظر بعين الرضا إلى هذه التحركات المتصلة بمسائل تعتبرها حيوية لأمنها القومي، وتمس مجالات تقليدية لنفوذها الإستراتيجي. غير أن تحدى شافيز لسياسة الولايات المتحدة الأميركية لم يقف عند هذا الحد، بل أخذ صيغا أكثر وضوحا ومباشرة، من قبيل:

  • ربط علاقات صداقة حميمة مع خصم الولايات المتحدة اللدود فيدل كاسترو ونظامه الشيوعي. ولم يقتصر الأمر على الاتصالات السياسية، بل أخذ شكل المساعدة الاقتصادية المباشرة والتبادل التقني المكثف.
  • الإسهام في كسر العزلة السياسية عن النظام العراقي المغضوب عليه أميركيا، وقد وصل هذا الإسهام ذروته بالزيارة التي قام بها شافيز إلى بغداد ولقائه بالرئيس صدام حسين.
  • خطب ود أنظمة بعض البلدان المصنفة أميركيا في إطار "الدول المارقة"، وفى هذا السياق تأتى زيارات شافيز إلى كل من طرابلس وطهران.

خصوم شافيز ووهم الفرصة السانحة

قد يبدو للوهلة الأولى وكأن الجميع في فنزويلا أصبح ضد شافيز، فاللائحة الطويلة للمطالبين بتنحيته تضم جهات تعتبر مصالحها متعارضة بالضرورة في أوضاع طبيعية مثل اتحاد أرباب العمل والمركزية النقابية، وهي أيضا تكاد تشمل كل قطاعات المجتمع من الكنيسة إلى الجيش مرورا بوسائل الإعلام الكبرى ومعظم الأحزاب التقليدية.

ويعتمد تحالف المعارضة بالأساس على قوة ثلاثة أطراف رئيسة متميزة بإمكاناتها وبتشعب علاقاتها:

  • رجال الأعمال ممثلين باتحاد الغرف الصناعية والتجارية.
  • المؤسسات الإعلامية الكبرى التي قامت بدور بارز من خلال الدعاية المضادة للنظام، كما استغلت بنجاح ارتباطاتها الواسعة للإساءة إلى صورة شافيز دوليا.
  • وأخيرا الكنيسة خاصة تيار "الأوبوس داي" (Opus dei) الواسع النفوذ في أميركا اللاتينية، والذي يعتبر عادة أكثر تيارات الكنيسة الكاثوليكية يمينية وراديكالية في معارضتها للسياسات الاجتماعية ذات الصبغة اليسارية.


مهما اختلف الناس بشأن شافيز فهم لا يختلفون حول أمرين: الشخصية الكارزمية التي يتمتع بها ونزعته الاشتراكية الواضحة
والواقع أن هذا التحالف الواسع الذي يعطى الانطباع بأن شافيز أصبح في عزلة تامة قد يكون أهم نقاط قوة هذا الأخير، فضلا عن كونه يمثل أكبر برهان على أن مقاصد خصومه ليست بريئة تماما. وذلك لعدة أسباب، منها:

  • استحالة الاحتفاظ لفترة طويلة بمستوى كاف من الانسجام والتنسيق، بين هذا الخليط غير المتجانس من التيارات السياسية والاجتماعية ومجموعات المصالح.
  • تعدد اتجاهات المعارضة واختلاف الأهداف فيما بينها، يتيح للنظام إمكانات كبيرة للتأثير في سير حركة الاحتجاج واللعب على التناقضات القائمة بين أطرافها بهدف تفكيكها متى بدت الفرصة سانحة لذلك. في هذا السياق، اعتبر البعض أن أحداث أبريل/نيسان الماضي لم تكن أكثر من مناورة بارعة أراد شافيز من ورائها إحراج خصومه، وإظهارهم بصورة مجموعة من السياسيين الانتهازيين المحتمين بالجيش والمتحالفين مع الأوليغارشية الرأسمالية.
  • يبقى تمثيل قوى المعارضة للقطاعات الاجتماعية التي تنتسب إليها أمرا مشكوكا فيه. فإذا كان من الواضح أن الطبقة المتوسطة في أغلبها، لم تعد ترتاح للمناخ الاجتماعي المتوتر الناتج عن الثورة البوليفارية، فليس أقل وضوحا أن تكتل قوى المعارضة لا يعبر عن رغبة شعبية في التغيير، بقدر ما يمثل تحالفا ظرفيا للمصالح بين الجماعات المتضررة من سياسات شافيز.
  • من هنا تأتى المشكلة الأكبر التي تواجه المعارضة والمتمثلة في افتقارها إلى المصداقية كبديل مقبول للنظام القائم ذلك أنها لا تمثل خيارا جديدا، فهي تكاد تضم كل الأطراف التي تعتبر مسؤولة تاريخيا عن التدهور الذي آلت إليه أوضاع فنزويلا.


يعتمد تحالف المعارضة على رجال الأعمال والمؤسسات الإعلامية الكبرى والكنيسة
يبدو أن تحالف قوى المعارضة أخطأ في تقدير موازين القوة داخليا، ولعله أيضا أفرط في التفاؤل بالمناخ السائد إقليميا ودوليا، مما جعله يستعجل الاندفاع نحو مواجهة لم يحسن حساب شروط حسمها. والعوامل الرئيسة التي ربما تكون انخدعت بها المعارضة هي:

  • ظهور تصدعات في صفوف تحالف القوى السياسية والاجتماعية والذي أوصل شافيز للسلطة.
  • ملاحظة وجود إحساس شعبي متزايد بأن سياسات النظام تأخرت في إعطاء نتائجها الموعودة.
  • ضيق قطاعات اجتماعية محددة -الطبقة المتوسطة- بمناخ التوتر الاجتماعي السائد.
  • إقليميا: حصول حالات مشجعة نجح فيها التحرك الشعبي في إسقاط أنظمة سياسية منتخبة، وفى بلدان كانت إلى وقت قريب تتمتع بقدر معقول من الاستقرار المؤسسي، مثل ما حصل في الأرجنتين. والقياس هنا هو طبعا قياس مع وجود الفارق.
  • ربما كانت المعارضة عولت على أن دعما أميركيا من أي نوع سيكون مضمونا وكافيا، لا سيما أن واشنطن لا تخفى انزعاجها من سياسات شافيز الجريئة وتحركاته المريبة بالنسبة لها.
  • قد يكون زاد من اعتماد المعارضة على هذا العنصر، تقديرها أن الثوار اليساريين في الجارة كولومبيا ربما يمثلون أحد أهداف الولايات المتحدة في حربها المفتوحة على الإرهاب، خاصة مع انتخاب رئيس جديد لكولومبيا يلتقي مع بوش في نزعته اليمينية وميوله الحربية. وفى هذه الحالة فإن واشنطن لن تقصر في المساعدة على التخلص من زعيم لا يخفي اعتراضه على خططها في المنطقة، بل ومتهم أحيانا بدعم الثوار المستهدفين.

ولا شك أن كل هذه الاعتبارات كانت ولا تزال، قائمة وهي كلها في مصلحة معارضي شافيز. لكن ما غاب عن هؤلاء هو أن هناك عناصر أخرى كان ينبغي أخذها أيضا بعين الاعتبار منها:

  • إن الأمر يتعلق بنظام منتخب ديمقراطيا ومؤسسات تتمتع بكل الشرعية، وأنه لم تحصل ظروف موضوعية تبرر تجاوز هذه المؤسسات والخروج على ذلك النظام.
  • إن شافيز رغم كل شيء، لم يفقد بعد قاعدته الشعبية الواسعة وقدرته على التأثير في الجماهير. فضلا عن أنه لا يزال يتحكم في تنظيم جماهيري قوي هو "الدوائر البوليفارية" (Circulos bolivarianos) التي يجمع المراقبون على أنها تمتع بانتشار واسع وتأطير جيد، وتملك وسائل هائلة للتنسيق والتحرك.
  • إن شافيز لا يزال يحظى بثقة أهم مؤسسة في البلاد وهي الجيش، فقد أثبتت الأحداث أنه رغم الانشقاقات التي تحصل من حين لآخر لا يزال الجيش يلقي بثقله إلى جانب النظام ومؤسساته.
  • إنه بغض النظر عن موقف الولايات المتحدة أو أي قوة أخرى من شافيز، فإنها قد لا تكون لديها الرغبة للمجازفة بالتدخل السافر في شؤون فنزويلا في وقت لا تتوفر فيه الذرائع المناسبة ولا الشروط الضرورية للنجاح.

الآفاق والاحتمالات


تعدد اتجاهات المعارضة واختلاف الأهداف فيما بينها يتيح للنظام إمكانات كبيرة للتأثير في سير حركة الاحتجاج واللعب على التناقضات القائمة بين أطرافها بهدف تفكيكها متى بدت الفرصة سانحة لذلك
إن علاقات الأطراف المتنازعة في فنزويلا وموازين القوة القائمة فيما بينها تمثل حالة غير مألوفة، ومن ثم جاءت الطبيعة المتميزة للأزمة الراهنة، فهي تختلف تماما عن حالات التنافس السياسي في إطار الأنظمة الديمقراطية، وهي في ذات الوقت لا تشبه شيئا مما هو معروف من سيناريوهات الصراع السياسي التي يمكن تصورها، سواء في ظل الأوضاع الدكتاتورية أو في الحالات القصوى من ضعف مؤسسات الدولة وانحلال النظام العام.

يتعلق الأمر فعلا بحالة فريدة من نوعها، فلا القانون يسود بالقدر الكافي لفرض احترام قواعد اللعبة السياسية وتأمين انتظام سير مؤسسات الدولة. ولا الأطراف المتصارعة -سواء في السلطة أو خارجها- تمتلك القدرة على فرض إرادتها، بما يسمح لها بإقصاء الخصم عبر تجاوز أحكام القانون والقفز على المؤسسات.

من هنا تأتى صعوبة تصور نهاية حاسمة للمواجهة الحالية، على الأقل في الأفق المنظور. ويبقى مصير هذه المواجهة معلقا على رجحان أحد عاملين رئيسين وإن لم يكونا الوحيدين، وكلاهما ينطوي على مخاطر لا ينبغي التقليل من شأنها:

  • تدخل أميركي أو إقليمي مباشر
    تدخل أمريكي -أو من بعض الأطراف الإقليمية المدعومة أميركيا- لمصلحة القوى الانقلابية وحركة العصيان المدني، بما يجعلها قادرة على قلب موازين القوى وحسم الصراع لصالحها بطريقة أو بأخرى. وقد لا يأتي مثل هذا الدعم بالضرورة في صورة تدخل عسكري، مباشرا كان أم غير مباشر.
  • انعطاف في ممارسات النظام
    حصول انعطاف في ممارسة النظام بما يحمله على استدعاء قوة الجيش وتعبئة التنظيمات الوفية له، واستخدام الجميع في قمع المظاهرات وتحييد قيادات حركة العصيان. ويستبعد إقدام شافيز على إنجاز هذا السيناريو، في ظل موازين القوى الحالية وفى إطار المناخ الدولي السائد.

إن الوضع في فنزويلا كما هو الآن لا يمكن أن يستمر لوقت طويل. ورغم ذلك لا تلوح في الأفق أية بوادر لإمكانية التوصل إلى حل الأزمة بالتراضي فلا النظام يبدو مستعدا للنزول عند مطالب المعارضة، ولا هذه تظهر استعدادا للتسليم بضرورة انتظار الاستحقاقات الانتخابية الدورية لاختبار مدى مصداقية دعوتها إلى التغيير.

في كل الأحوال يبقى المجتمع الدولي مطالبا بالتعبير عن موقف أكثر مسؤولية، ينحاز إلى الشرعية ويرفض العنف، وأن يلزم كل أطراف الأزمة بالاحتكام إلى الحوار سبيلا وحيدا للخروج من المأزق الذي يتخبط فيه هذا البلد.

_______________
*أكاديمي ومحلل موريتاني مقيم بإسبانيا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة