هل تسعى أميركا لتطويع النظام السوري أم إسقاطه؟   
الأربعاء 1427/2/8 هـ - الموافق 8/3/2006 م (آخر تحديث) الساعة 11:54 (مكة المكرمة)، 8:54 (غرينتش)


أكرم البني

رغم تكرار التصريحات الأميركية بأن تغيير النظام السوري ليس أمرا مطروحا ولا واردا الآن، وأن سياسة واشنطن معنية بالعمل على تعديل تصرفاته وسلوكه فقط، فثمة إشارات متنوعة تشكك بصدق هذا الخيار، وتدل على أن إدارة البيت الأبيض رفعت بصورة لافتة سقف تعاطيها مع الحكم في دمشق.

من ذلك ما رشح عن الزيارات التي قام بها مؤخرا للمنطقة كل من نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، وأوضحت مسافة لم تنجح المباحثات الرسمية في ردمها بين السياسة الأميركية ومساعٍ عربية لتخفيف حدة التوتر بين دمشق وواشنطن وحلحلة عقدة الملف السوري- اللبناني.

ومن ذلك تأكيدات متنوعة صدرت عن أكثر من مسؤول أميركي بأن زمن الصفقات والمساومات مع النظام السوري قد ولى، ومنه أيضا تسريبات متعددة المصادر تقول إن ثمة ضربة عسكرية مبيتة ضد سوريا ولبنان في القريب العاجل.

ويمكن أن ندرج في هذا السياق التصعيد المتواتر، سياسيا وإعلاميا من نائب رئيس الجمهورية السابق عبد الحليم خدام، وارتفاع حرارة خطاب بعض القوى اللبنانية ودعوتها صراحة لتغيير النظام السوري وتبرير استخدام القوة الخارجية لتحقيق هذه المهمة.

"
لدى بعض صناع القرار وأهم مراكز الأبحاث الأميركية رأي يعتبر عملية إسقاط النظام السوري مغامرة أو مجازفة غير محسوبة، ويحبذ خيار العمل سياسيا على ترويض السلطة وإكراهها عبر الضغوط الحازمة على اتخاذ نهج يتلاقى مع مشروع واشنطن
"
ويرى الكثيرون أن مثل هاتين الاندفاعتين من المحال أن تهطلا من سماء صافية وأنهما دون شك تستندان إلى معطيات مضمرة أو بالحد الأدنى إلى استشعار بجدية الخيار الأميركي خاصة والغربي عموما لتغيير الحكم في سوريا.

وبالتالي فإن السؤال الأكثر تداولا والأكثر إقلاقا في الحوارات السياسية الدائرة اليوم حول الوضع السوري هو ما إذا كان الغرب عموما والولايات المتحدة على وجه الخصوص قد وضعا فعلا مهمة إسقاط النظام على جدول الأعمال أم أنها لا تزال تساورهم رغبة الاكتفاء بتغيير سلوكه فقط وتطويع سياساته؟!.

بعد انحسار الموجة الأولى من التصعيد الأميركي ضد سوريا التي انطلقت فور احتلال العراق، وتوظيف نشوة الانتصار بتهديدات صريحة بأن تكون دمشق المحطة التالية بعد بغداد، درج المحللون على ربط السياسة الأميركية تجاه سوريا، واحتمال تطورها مع سير الأوضاع إقليميا، والسعي لتطويع النظام القائم وتحوير سياساته، بكف يده عن التدخل في الشأن العراقي وتحجيم نفوذه في لبنان وتحييد دوره في المسار الفلسطيني الإسرائيلي.

إلى جانب ذلك لدى بعض صناع القرار وأهم مراكز الأبحاث الأميركية رأي يعتبر عملية إسقاط النظام السوري مغامرة أو مجازفة غير محسوبة جيدا، ويحبذ خيار العمل سياسيا على ترويض السلطة وإكراهها عبر الضغوط الحازمة على اتخاذ نهج يتلاقى مع مشروع واشنطن ويندرج في سياق التفاهم العالمي لضمان استقرار المنطقة.

وهذا الرأي يجد صداه في تخوف أوروبي وإقليمي معلن، تركي وإسرائيلي، من احتمال انفلات الأوضاع صوب التفجر والفوضى في حال اتجهت الأمور نحو عملية استئصال سريعة للنخبة السورية الحاكمة.

عند أصحاب الخيار السياسي يوجد فرق كبير بين النظام السوري ونظام صدام حسين، فالثاني كان عصيا على التفاهم والتعاون، بينما يملك الأول تاريخا حافلا من التفهم والتعاطي المرن مع السياسات الغربية، يفترض برأيهم الإفادة منه قبل دفع الأمور إلى نهايتها أو إلى معركة كسر عظم.

وينصحون بالعمل على طمأنة النظام السوري بأنه لا يزال مقبولا إن أجرى بعض الإصلاحات السياسية وامتثل لاشتراطات الجماعة الدولية لتخفيف الشعور الذي ينتشر في أوساطه بأنه لم يعد مرغوبا إقليميا وعالميا، الأمر الذي يساعد على تجنيبه خيار الارتماء في الحضن الإيراني أو الاندفاع أكثر فأكثر صوب سياسة الهروب إلى الأمام التي طالما اعتمدها لمعالجة أزماته، والتي قد تفتح الباب عريضا أمام احتمال زج المنطقة في مزيد من الصراعات والفوضى!!.

لكن يبدو أن الجديد الذي يتنامى وإشاراته اللافتة تستند إلى متغيرات وتطورات ملموسة لم تكن واضحة في الماضي على هذه الصورة، وربما هي ما شجع البعض على القول إن السياسة الأميركية تتخذ اليوم منعطفا نوعيا عنوانه القطيعة والمواجهة والصدام مع نظام البعث.

ويرجح أنها قد وضعت نصب عينيها مهمة الإطاحة به أو تغيير بنيته تغييرا جذريا، وهي تحاول بناء الشروط الكفيلة بتحقيق ذلك.

أولا، يصيب من يعتبر في الغرب أن مخلفات التجربة مع النظام السوري في السنوات الأخيرة لا توحي بالثقة وتسوغ سياسة القطيعة معه التي يدعو لها بعض أقطاب البيت الأبيض.

ويصيب أيضا من يجد أن هذا النظام لا يزال يملك قوى يستحسن تفكيكها بصورة متدرجة أو على الأقل تحييدها في الوقت الراهن كي لا تستمر في الإرباك والأذى وخلق العثرات.

وما كان يشجع أكثر على هذا الخيار أن ليس ثمة بديل موضع ثقة واطمئنان يمكن أن يخلف الحكم في سوريا، ما دام المرجح في الحسابات القديمة أن تتقدم لسد الفراغ تيارات سياسية إسلامية معارضة هي موضع شك ولم تختبر سياساتها الداخلية والإقليمية.

"
ثمة قناعة بدأت تتملك مختلف الأوساط الغربية خاصة الأميركية بأن الرهان على تعديل السياسات الخارجية السورية دون العمل على تغيير البنية الداخلية رهان خاسر، لأنه من الصعب تغيير سلوك سلطة تستمد مشروعيتها وسلطانها الداخلي من أيديولوجية وطنية وقومية
"
لكن اليوم يصح القول إن أزمة ثقة بالسلطة السورية هي في طريقها إلى التبلور، وإن ثمة قناعة بدأت تتملك مختلف الأوساط الغربية خاصة الأميركية بأن الرهان على تعديل السياسات الخارجية دون العمل على تغيير البنية الداخلية هو رهان خاسر، وأنه من الصعب تغيير سلوك سلطة شبيهة بالسلطة السورية تستمد مشروعيتها في الحكم وسلطانها الداخلي من أيديولوجية وطنية وقومية، ومن سعيها لتأكيد الحضور والنفوذ الإقليميين إذا لم تخضع تركيبتها السياسية وآليات السيطرة لعملية جراحية.

ويجد هؤلاء أن تطور الأوضاع في لبنان خير مثال، وقد برهن بالملموس على أن النظام الذي أحكم قبضته على هذا البلد لعقود وبنى دعائم سيطرته لا يزال عاجزا عن تبديل سلوكه.

بل هو في اعتقادهم لم يكل ولن يمل من ابتداع المحاولات تلو المحاولات لاسترداد ما يعتبره ملكية وحقا مكتسبا، ما يعني أن السعي لاستمرار التفاهم معه على هذا الصعيد هو أشبه بعملية هدر للوقت، تسمح له باستثمار الزمن الضائع كي يزيد مداخلاته لإفشال التنمية السياسية في لبنان أو على الأقل إرباكها بتحريك ما يملكه من قوى وأوراق نفوذ.

ويدفع هؤلاء الموقف إلى نهايته بالقول إن سلطة على شاكلة السلطة السورية غير مؤهلة لتقديم التنازلات والتناغم مع السياسات العالمية الجديدة، وسوف تستثمر اللين الغربي، تسويفا ومماطلة، كي تحسن مواقعها وتعاود الصراع والمنافسة من جديد، وإنه من الخطأ والخطر تاليا الاستمرار في مهادنة النظام السوري وتدليله ومنحه الفرصة تلو الفرصة، فسياسة اللين والتفهم سوف تزيده توغلا في الدفاع عن مصالحه وشروط استمراره، وليس بغريب أن يسارع إعلاميا إلى توظيف أي تعاط مرن معه باعتباره انتصارا لسياسة الابتزاز التي يمارسها وتنازلا عالميا أمام تهديداته.

ثانيا، ثمة شعور عام لدى الدوائر الغربية يتنامى بالخطر الإيراني واحتمال أن تفضي سياسات الرئيس أحمدي نجاد وبحثه عن مزيد من النفوذ الإقليمي إلى تهديد استقرار المنطقة، فمن يحكم إيران الآن هو طرف متشدد له روابط عميقة مع نهج "تصدير الثورة" وهو يبحث عن معالجة أزماته الداخلية عبر تعميم نموذجه في الحكم ومد استطالاته إلى بلدان الجوار.

ويبدو أن الأميركيين صاروا يتحسبون جيدا للحظة يقف فيها العالم وجها لوجه مع احتمال نشوء محور مثير للقلق، حلقتاه الرئيستان إيران وسوريا ويتناغم مع دور حزب الله في لبنان وبعض الأطراف الشيعية التي صارت تتبوأ موقعا مهما في المشهد السياسي العراقي، الأمر الذي يعتبر أحد الأسباب والدوافع التي تستدعي مزيدا من التركيز الأميركي على النظام السوري ربما بصفته الحلقة الضعيفة في هذه السلسلة، معززا موقف دعاة تغييره لإجهاض نمو هذا المحور ووأد الخطر الوليد.

وفي الإدارة الأميركية من كان يترقب هذه الفرصة لتأكيد رؤيته بضرورة القطع مع النظام السوري والسعي لتغييره، ويعتبر هؤلاء أن احتمال اندفاع أهل الحكم في سوريا صوب إيران أمر متوقع كشكل من أشكال تصعيد الأزمة وكوسيلة أو خيار نهائي أو شبه نهائي لضمان الحماية والمحافظة على مواقعهم وسلطانهم، ما يعزز حالة العزلة والحصار حولهم، ويهيئ الشروط للتعجيل بوضع سياسة التغيير الجذري موضع التطبيق، على قاعدة تحالفات جديدة قوية وواسعة تلتقي مصالحها في التحسب من الخطر القادم، عمادها تفاهم وتنسيق عالمي وإقليمي وعربي، قد يشمل إضافة إلى أميركا، أوروبا وروسيا وتركيا وغالبية الأنظمة العربية!.

ثالثا، يمكن أن ندرج في هذا السياق الآثار والتداعيات السياسية التي خلفتها تصريحات نائب رئيس الجمهورية السابق عبد الحليم خدام، وإعلان انشقاقه ومعارضته لنظام الحكم القائم.

"
دخول خدام على الخط كوجه من داخل النخبة الحاكمة وخطوته في التفاهم مع الإخوان المسلمين ومع المجلس الوطني المعارض أعاد خلط الأوراق وعزز حجج القائلين بالتغيير الجذري وبأن ثمة خيارا آمنا وربما شبه جاهز من داخل تركيبة النظام نفسه
"
فقبل أن يفجر عبد الحليم خدام قنبلته كان أهم مأخذ على أصحاب الدعوة لتغيير جذري في سوريا هو احتمال أن تتقدم لسد الفراغ تيارات سياسية إسلامية معارضة غير مجربة وتثير قلقا متفاوت الشدة في دوائر صنع القرار إقليميا وعالميا، أو بعبارة أخرى ليس ثمة بديل يركن إليه يكون موضع اطمئنان نسبي، وخاصة بالنسبة لمسار الصراع مع إسرائيل، يمكن أن يخلف الحكم في سوريا.

ولا شك أن دخول عبد الحليم خدام على الخط كوجه من داخل النخبة الحاكمة، ومن ثم خطوته الأخيرة في التفاهم مع الأخوان المسلمين ومع المجلس الوطني المعارض الموجود في واشنطن، أعاد خلط الأوراق، وعزز حجج القائلين بالتغيير الجذري وبأن ثمة خيارا آمنا وربما شبه جاهز من داخل تركيبة النظام نفسه كفيل بحماية مسار التغيير وضبط التطورات المرتقبة.

فضلا عن ذلك فإن الاتهامات التي ساقها عبد الحليم خدام ضد النظام، وحول طرائقه في الحكم، وتحميله المسؤولية الرئيسة في عملية اغتيال رفيق الحريري، أدت دون شك إلى مزيد من تشويه سمعة الحكم السوري وانحسار درجة قبوله عالميا وإقليميا.

أخيرا يمكن أن تعتبر تلك الإشارات التي تتوالى من مختلف الأطراف التي كانت متحفظة فيما مضى على تغيير الحكم في سوريا، وبدأت في مراجعة حساباتها نقاط داعمة للاتجاه الراديكالي الأميركي.

فمثلا يلاحظ تراجع الحماس الفرنسي في الدفاع عن استمرار النظام، وانحسار التخوفات القديمة من حدوث انقلاب دراماتيكي في المنطقة إن جرى تغيير سريع وغير مدروس للبنية السياسية السورية، بدلالة التشدد اللافت في موقف الإليزيه تجاه العديد من القضايا المتعلقة بالوضع السوري وفشل أكثر من وساطة عربية في التوصل إلى تسوية وترطيب للعلاقات الفرنسية- السورية.

ويصح كذلك تلمس تعديل لا يزال مشوشا وغير مكتمل في الخطاب الإسرائيلي الذي بات معنيا بالرد على مخاطر ولادة حلف إيراني- سوري مع حزب الله، بعد أن كان يجاهر بتفضيله استمرار النظام الراهن ضعيفا منهكا.

وما قد يزيد الأمور وضوحا أن تنعكس هذه الأجواء، وكتحصيل حاصل، على سياسات بعض الأنظمة العربية كمصر والسعودية اللتين لم تكونا تحبذان إسقاط السلطة السورية، وكانتا تميلان إلى الاستمرار في أساليب تطويعها واحتوائها خوفا من أن يفضي التغيير الجذري إلى نتائج غير محمودة قد تؤثر على استقرار المنطقة برمتها.
__________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة