محنة الإعلام الحر في عالم 11 سبتمبر   
الأربعاء 15/1/1426 هـ - الموافق 23/2/2005 م (آخر تحديث) الساعة 19:02 (مكة المكرمة)، 16:02 (غرينتش)























محمد بن المختار الشنقيطي

- الكوابح الخمسة
- عبادة إسرائيل
- أعراض المرض
- ثمن الانشقاق

أثارت الاستقالة شبه القسرية التي تقدم بها مدير الأخبار بقناة سي.أن.أن مؤخرا بعد نقده استهداف القوات الأميركية للصحفيين في العراق، تساؤلات جدية حول حرية الإعلام في الولايات المتحدة، وقدرته على تنوير الرأي العام الأميركي والعالمي بالمعلومات الدقيقة والتحليلات العميقة عن سياسات الحكومة الأميركية دون خوف أو ضغط.

وقد بدأت هذه التساؤلات ملحاحة منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وما تلاها من تصاعد النزعة اليمينية في الولايات المتحدة، وسقوط كثير من الشكليات الدبلوماسية التي كان الإعلام الأميركي يراعيها في أداء رسالته.

فالحملة الإعلامية المريعة التي يشنها بعض وسائل الإعلام الأميركي ضد الإسلام والمسلمين وضد أوروبا والأوروبيين –خصوصا الفرنسيين منهم- منذ تلك الأحداث، تدل على أن هذا الإعلام تحرر من "أخلاقيات" الماضي، وقرر أن يكون جزءا من آلة الحرب الأميركية التي توجهها اليوم قوى يمينية تضيق بالمعارض ولو كان أميركي الهوية والمولد، وتمقت المخالف ولو كان أوربيا أبيض مسيحيا، وتهاجم من تراه عدوا دون تفكير في العواقب.

وبسقوط الشكليات وصعود النزعة الوطنية الشوفينية تم تحرر اليمين الأميركي من كل قيد، حتى بلغ الحد بمعلقة أميركية "محترمة" هي آن كولتر أن تعلق على هجمات 11 سبتمبر/أيلول بالقول متحدثة عن المسلمين "ينبغي أن نجتاح أوطانهم ونقتل قادتهم، ونفرض عليهم اعتناق المسيحية"!! 

وهذا التحرر الأهوج من جهة اليمين جاء على حساب قوى الاعتدال والتسامح والحوار والليبرالية في الولايات المتحدة، فقد ظلت هذه القوى خفيضة الصوت، مكبوحة بكوابح الإعلام الأميركي، وهي ليست كوابح جديدة وإن كانت أعراضها أصبحت اليوم أوضح للناظر.

الكوابح الخمسة
"
الإعلام الأميركي ملك لحفنة قليلة من رجال الإعلام الأثرياء والشركات العملاقة، ومهما تكن الحرية التي ينعم بها قانونيا فهو لا يستطيع أن يبث ما يؤثر سلبا على مصالح مالكيه
"
يقدم نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان في كتابهما "صناعة الإجماع" صورة تقريبية عن الكوابح التي تتحكم في الإعلام الأميركي، وتوجه خطابه وجهة خاصة لا يستطيع الانفكاك منها.

وهذه الكوابح هي:
1- الملكية، فالإعلام الأميركي ملك لحفنة قليلة من رجال الإعلام الأثرياء والشركات العملاقة، ومهما تكن الحرية التي ينعم بها قانونيا فهو لا يستطيع أن يبث ما يؤثر سلبا على مصالح مالكيه.

2- الدعاية التجارية، فهذا الإعلام يعيش إلى حد بعيد على مردود الدعاية التجارية التي يحظى بها، وليس في وسعه إن أراد الاستمرار في جلب الإعلانات التجارية إلا أن يجامل أصحاب المال والأعمال.

3- المصادر الرسمية، فأهم مصدر للأخبار هي الجهات الرسمية في البيت الأبيض والكونغرس، فتعيّن شيء من المجاملة لهذه الجهات حفاظا على تدفق المعلومات منها بانسياب ومرونة.

4- النقد، فخوف وسائل الإعلام الأميركية من النقد وخصوصا نقد  الجهات الرسمية والمتنفذة يجبرها على تقييد نفسها. وفي تعليل مدير أخبار سي.أن.أن استقالته بالحيلولة دون "تشويه صورة المحطة" نموذج لذلك.

5- الأيدولوجيا، وقد قصد بها المؤلفان آنذاك معاداة الشيوعية أساسا، لكنها اليوم تصدق على معاداة الإسلام والعرب أكثر من معاداة أي شيء آخر، بعدما أصبح العداء لهما حافزا أيدولوجيا جديدا.

ومع هذه الكوابح فلا غرابة إن لم ينقل الإعلام الأميركي صورة دقيقة لما يجري اليوم في العراق وفي فلسطين وغيرهما من النقاط الساخنة للمشاهد والقارئ والسامع الأميركي. ولا غرو كذلك أن كانت الولاية المتحدة تملك أقوى وسائل الإعلام في العالم، وكان شعبها أضعف الشعوب الغربية وعيا سياسيا في ذات الوقت.

عبادة إسرائيل
"
 "عبادة إسرائيل" بالمعنى الديني من أهم الأيدولوجيات السائدة في أميركا، وهي من مكونات المسيحية البروتستانتية, لكن هذا الكابح لا يندرج بالكامل ضمن أي من كوابح تشومسكي وهيرمان الخمسة
"
لكن أهم كابح للإعلام الأميركي هو ما تدعوه الكاتبة الأميركية غريس هالسل "عبادة إسرائيل". ولأن مفهوم العبادة تركيب من الخوف والرجاء، المحبة والخشية، فإن هذا الكابح لا يندرج بالكامل ضمن أي من كوابح تشومسكي وهيرمان الخمسة، بل هو حاصل تركيب منها كلها.

- فملكية رجال الأعمال اليهود لأهم وسائل الإعلام الأميركية يجعل سكوتها عن نقد إسرائيل مفهوما.

- وحاجتها إلى الدعاية التجارية لدى الشركات التي يملكها هؤلاء تفرض عليها شيئا من مجاملتهم.

- والعلاقة بمصادر الأخبار الرسمية خصوصا الكونغرس حيث الإجماع على دعم إسرائيل، تفرض التحوط.

- والخوف من الاتهام بمعاداة السامية يفرض محاذرة مفرطة في تغطية الأخبار المتعلقة بإسرائيل.

- وأخيرا فإن "عبادة إسرائيل" -بالمعنى الديني- من أهم الأيدولوجيات السائدة في أميركا، وهي من مكونات المسيحية البروتستانتية.

ولا يعني هذا بالضرورة أن كل اليهود الأميركيين يدعمون إسرائيل أو يؤيدون الخوف السائد في الإعلام الأميركي، بل إن منهم من يقودون تيار الرفض والانشقاق على الاتجاه الجامد السائد.

ويعتقد الصحفي البريطاني روبرت فيسك أن الإعلاميين الأميركيين يتحدثون عن أحداث الشرق الأوسط بطريقة "حذرة ومتحيزة وجبانة"، وهم لا يسائلون حكومتهم في أوقات الأزمات، بينما "وقت الأزمات هو الوقت الذي ينبغي عليك أن تتحدى ما تقوله حكومتك بحكم واجبك تجاه الجمهور".

أعراض المرض
"
الحوارات والمطارحات الإعلامية حول القضايا الجوهرية التي تهدد مستقبل الشعب الأميركي غالبا ما تكون باهتة محدودة الأفق
"
ومن أعراض هذا المرض الذي يعاني منه الإعلام الأميركي منذ أمد بعيد وازدادت المعاناة بعد الهجمات على نيويورك وواشنطن، أن الحوارات والمطارحات الإعلامية حول القضايا الجوهرية التي تهدد مستقبل الشعب الأميركي غالبا ما تكون باهتة، محدودة الأفق.

فهي تبدو نقاشا مفتوحا في الظاهر، لكنها في الواقع العملي تدور ضمن دائرة المسموح به، وتنطلق من نفس المنطلقات والمسلمات الصريحة والضمنية. فهو ليس نقاشا حول الحق والباطل، أو الخطأ والصواب، بل هو نقاش حول المنفعة والمضرة، كما تحددهما النخبة السياسية والمالية الأميركية.

ومن أمثلة الحوارات المحكومة بهذا المنطق الجدل الدائر في الإعلام الأميركي حول المسألة العراقية منذ بداية غزو العراق في مارس/آذار 2003. فهو جدل ينصب على أسئلة عملية وإجرائية لا تخرج عن سياق الاحتلال، مثل: هل بعثت أميركا ما يكفي من القوات للسيطرة الكاملة على العراق؟ وهل كان الأولى بها الإبقاء على بنية الجيش العراقي والبيرقراطية البعثية لتستفيد منهما في سيطرتها؟

أما الأسئلة المبدئية حول شرعية الاحتلال وأخلاقياته ابتداء فلا تجد لها أثرا في الإعلام الأميركي إلا قليلا، بل أقل من القليل.

ثمن الانشقاق
"
محنة الإعلام الحر في الولايات المتحدة اليوم تؤكد لنا أن الحرية القانونية والدستورية لا تكفي إذا لم تصاحبها حصانة أخلاقية قوية ووعي سياسي ضاغط
"
لقد كشفت استقالة مدير أخبار سي.أن.أن ثمن الانشقاق الذي يتعين دفعه على كل من يخرج عن الأطر والمحددات التي ترسمها المؤسسة السياسية والمالية المتحكمة في القرار الأميركي.

وكثير من الصحفيين الأميركيين الشجعان تم تهميشهم وحجزهم في الظل حينما تحدوا التيار الغالب، ونال بعضهم قسطا لا بأس به من سخط المؤسسة الحاكمة.

ومن الشجعان الذين اخترقوا جدار الصمت الكاتب الصحفي سيمور هيرش من صحيفة "نيويوركر"، فقد استطاع أن يكشف فضيحة سجن أبو غريب بتفصيل رغم تستر المؤسسة الرسمية عليها، ولذلك وصف الرئيس الأميركي هيرش بأنه "كذاب" طبقا لما ذكره منسفيلد في كتابه "عقيدة جورج بوش".

وقد امتد ثمن الانشقاق ليشمل الإعلام العربي الحر، وأهم مثال على ذلك محنة قناة الجزيرة والضغوط الهائلة التي تعرضت لها من طرف القيادة السياسية والعسكرية الأميركية، ثم من طرف بعض الحكومات الموالية لواشنطن مثل الحكومة العراقية المؤقتة، حينما سلكت طريقا تحريريا لا يتماشى مع رغبة الساسة في واشنطن في احتكار الإعلام والمعلومات.

لقد استبدل الجيش الأميركي في الأعوام الأخيرة مفهوم "التفوق في المعلومات" بمفهوم "السيطرة على المعلومات"، وأصبح هذا الأخير من ثوابت إستراتيجيته العسكرية. وأكد كتاب صادر عن الجيش الأميركي في هذا الشأن عام 2003 أن "المعلومات عنصر من عناصر القتال".

ويعتقد ديفد ميلر من معهد سترلينغ للدراسات الإعلامية في أسكتلندا بأن مشكلة الجزيرة مع الأميركيين هي أنها حالت دون تطبيق هذا المبدأ، مبدأ السيطرة على المعلومات، حينما غزا الأميركيون أفغانستان ثم العراق. وهو يفسر قصف مكتب الجزيرة في كابل وفي العراق فيما بعد، بأنه مجرد انتقام لذلك.

ومهما يكن فإن محنة الإعلام الحر في الولايات المتحدة اليوم تؤكد لنا أن الحرية القانونية والدستورية لا تكفي إذا لم تصاحبها حصانة أخلاقية قوية ووعي سياسي ضاغط. كما تؤكد لنا أن "الحقيقة هي أولى ضحايا الحرب" كما يقال.
__________
كاتب موريتاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة