الحوار مع حماس بعد أنابوليس   
الثلاثاء 1428/12/23 هـ - الموافق 1/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:12 (مكة المكرمة)، 12:12 (غرينتش)

عبد الجبار سعيد

حماس في دائرة الاستهداف
أنابوليس في الرؤية الحماسية
ما بعد أنابوليس والنظرة المقابلة

لا شك أنه منذ برزت حماس إلى ساحة الوجود الفلسطيني، لم يتوقع أحد من الأعداء وربما الأصدقاء أن تبلغ حماس ما بلغت، فبعد ما يربو على العشرين عاما أصبحت حماس جزءا راسخا في القضية الفلسطينية، وبلغت سمعة وتأثيرا ما بلغ الليل والنهار، والذي يبدو للناظرين أن أعداء حماس وخصومها لم يحسنوا التعامل معها لا في مراحل التأسيس ولا ما بعد ذلك حتى هذه اللحظة.

فقد غاب عن ذهن الكثيرين أن حماس لم تنشأ من فراغ، وإنما نشأت ومنذ اللحظة الأولى برصيد شعبي عال لم تشهده الحركات الأخرى في البدايات، ولم تبدأ من الصفر، فكانت حماس امتدادا لرصيد غني من المد الشعبي الإسلامي الفلسطيني، وتجديدا لروح الجهاد الإسلامي في فلسطين، منذ الثورة ضد الاحتلال البريطاني، مرورا بجهاد الإخوان المسلمين في فلسطين ضد الاحتلال عام 48، وليس انتهاء بالانتفاضة الأولى والثانية.

إن حركة تملك هذا الرصيد من الجماهيرية والمنهج والمعتقد، حري بمن بتعامل معها أن يقدرها حق قدرها، وأن يحترم كونها رقما مؤثرا في المعادلة الفلسطينية وفي المنطقة.

لقد قدمت حركة حماس نموذجا مفعما للعالم من حيث التضحيات التي جعلت لها حضورا نوعيا ليس في كل بيت فلسطيني فحسب، بل في كل بيت على مستوى العالم العربي والإسلامي، فأصبحت هذه الحركة بنت العشرين عاما يافعة ناضجة، راسخة الجذور، تملك الرؤية والمشروع.

وكم كان جليا وواضحا هذا التفاعل -حد التماهي مع الشعب الفلسطيني- عندما اختار الفلسطينيون حركة حماس اختيارا ديمقراطيا حرا، لتمثلهم بصورة لم تنلها حركة من قبل، في ظل مشاركة الفصائل المعارضة.

حماس في دائرة الاستهداف
"
رغم كل الاستعدادات التي أبدتها حماس للحوار فلا يزال باب الحوار والأفق السياسي موصدا من قبل الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل والسلطة الفلسطينية وفتح وبعض الأنظمة العربية
"
لقد كانت النتيجة الطبيعية لهذه الانتخابات أن يتم التعامل مع الحركة على قدر الوزن الذي منحها إياه الشعب الفلسطيني، وكان الأجدر بالخصوم والأصدقاء أن يقروا بشرعية الحركة وموقعها في الخارطة الفلسطينية، بدلا من التنكر لها والعمل على إفشالها بهذه الطريقة الممجوجة عند كل ذي عقل ومنطق.

وهي طريقة رغم كل ما فيها من العجرفة والتجاوز لكل المعايير، فإن حسنتها الرئيسية أنها أسقطت ورقة التوت التي كان يتستر بها المشروع الأميركي والغربي في المنطقة والعالم كله، وهذا إنجاز تاريخي يضاف لرصيد حماس لا عليها.

وقد استمرت كل محاولات الالتفاف على الحركة وإفشالها، رغم كل التنازلات التي قدمتها على الساحة الفلسطينية لإنجاح الحوار الفلسطيني، مع أنها أعلنت أنها لا تريد أن تكون بديلا للسلطة الفلسطينية، وأنها لا تريد أن تلتف على الشرعيات الفلسطينية، فكان من الطبيعي بعد ذلك أن يجري ما جرى في غزة.

ورغم كل الاستعدادات التي أبدتها حماس للحوار فلا يزال باب الحوار والأفق السياسي موصدا من قبل الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل والسلطة الفلسطينية وفتح وبعض الأنظمة العربية.

والغريب أن كل هؤلاء مصممون على عدم وعي التاريخ، ولا وعي الحقائق على الأرض، كما أنهم لم يعوا ذلك من قبل، أو لم يريدوا أن يعوا.

والسر في ذلك أن السيد الأميركي لا يسمح بلحظة استرداد للوعي، ويغيب عن بال الجميع أن السيد الأبيض لا يفهم المنطقة إلا بمنظاره هو الذي لا يمت للمنطقة بصلة، ويظن هؤلاء مخطئين أن استمرار هذا الحصار، وهذا الرفض للحوار مع حماس، سيؤدي إلى إنهاكها وإضعافها.

أنابوليس في الرؤية الحماسية
أما وقد انعقد أنابوليس ونال من الفشل ما توقعته حماس، سواء على المستوى الفلسطيني أو العربي، فإن هذا يؤكد في أذهان الناس جميعا صحة الرؤية التي تمتلكها الحركة، وسيزيد من رصيدها الشعبي الفلسطيني والعربي والإسلامي، في حين سيكون نصيب السلطة مزيدا من فقدان الثقة في رؤيتها للتعامل مع الكيان الصهيوني.

خاصة أن تجربة أوسلو الفاشلة وواي ريفر واتفاق الخليل وغيرها من سلسلة الاتفاقيات فشلت فشلا ذريعا، مما جعل الشعب الفلسطيني لا يثق في مسار المفاوضات والاتفاقيات التي جربها لأكثر من خمسة عشر عاما.

ومن سوء حظ المراهنين على هذا الخيار أن فشل أنابوليس أكد هذه القضية، فكل ما تمخض عنه جعل أنابوليس هو فأر إطلاق المفاوضات، ولم يتمكن الفلسطينيون ولا العرب معهم من تحصيل جدول زمني لمفاوضات الوضع النهائي، ولا اعتبار المبادرة العربية مرجعية للمفاوضات، ولا الإشارة إلى العودة إلى حدود 67، وكل ما بذل من الجهد الفلسطيني والاشتراطات العربية والفلسطينية تبخر أمام العنجهية الإسرائيلية والانحياز الأميركي.

"
فشل أنابوليس -كما توقعت حماس- يؤكد في أذهان الناس جميعا صحة الرؤية التي تمتلكها الحركة، وسيزيد من رصيدها الشعبي الفلسطيني والعربي والإسلامي، في حين سيكون نصيب السلطة مزيدا من فقدان الثقة في رؤيتها للتعامل مع الكيان الصهيوني
"
بل إن أنابوليس سيشكل بداية للضغط على السلطة الفلسطينية للتعامل الأمني مع أبناء الشعب الفلسطيني، والدخول في مواجهة معهم تحت مسمى محاربة الإرهاب، وتنفيذ استحقاق خارطة الطريق.

أما على صعيد المفاوضات فسيدخل الفلسطينيون في ماراثون التفاصيل المعقدة، وتشكيل اللجان التي لا تنتهي إلى شيء، وعدم التوقيع على اتفاقيات تذكر، وعدم تنفيذ ما يمكن توقيعه، وهي ذاتها دوامة أوسلو التي لا تزال حاضرة في الأذهان ولم تنتج شيئا.

اللهم إلا إذا قبل الفلسطينيون بما يملى عليهم تحت ضغط الإدارة الأميركية، لأن المطلوب الحفاظ على أولمرت لأنه ضعيف وبحاجة إلى دعم، والزمن ليس في صالح الفلسطينيين لأن بوش سيغادر البيت الأبيض ويخشى أن يضيع حلم الدولة الذي يتبناه بوش، فضلا عن حاجته لتحقيق الإنجازات الحقيقية في الملف الفلسطيني أمام الناخب الأميركي، والصديق الفلسطيني المرن هو القادر على أن يمنحه هذا الإنجاز، وقد تعودنا من هذه السلطة أنها القابلة للتنازل دائما.

ما بعد أنابوليس والنظرة المقابلة
ثم إن السؤال الذي لا بد أن يطرح نفسه مباشرة، وماذا بعد أنابوليس؟ هل سيستمر هذا الحصار للشعب الفلسطيني؟ وهل سيبقى باب الحوار مع حماس مقفلا؟ وهل سيبقى هذا المشهد الفلسطيني معروضا على الشاشة العربية دونما حراك؟ وهل سيكون من السهولة بمكان القضاء على حماس وإنجاح محمود عباس والتوقيع معه على التنازل عن الحقوق الفلسطينية؟

إن النظر للمسألة من زاوية أخرى يقول إن في المعادلة أطرافا أخرى وظروفا تفرض نفسها ومعطيات يزخر بها الواقع، وإن أصر البعض على لبس القناع وتجاهلها.

إن استمرار هذا الحصار الجائر اللاإنساني، وتجاهل شرعية حركة حماس، وعدم الحوار معها يمكن أن يؤدي إلى:
- مزيد من التعاطف والشعبية لحماس في العمق الفلسطيني وعلى امتداد الشارع العربي والإسلامي، ومزيد من الالتفاف حولها، ولو كان هذا الحصار ناجعا في تحقيق ما يريدون من انفضاض الناس عن الحركة لتحقق هذا منذ زمن.

- تآكل حركة فتح ومشروعها لصالح حركة حماس ومشروعها، فالكثيرون من أبناء فتح لن يسرهم أن يجوع أبناؤهم وإخوانهم أمام ناظريهم دون أن يحركوا ساكنا.

كما أنه لن يسرّهم أن يروا حركتهم المناضلة تقف إلى جانب المشروع الأميركي الصهيوني في مواجهة شعبهم، وبالتالي فإن المراهنة على حركة فتح وحدها ستبقى برسم الفشل، لأن فتح تتآكل من جهة، ولأنها لن تستطيع تنفيذ أية مشاريع تسوية أو تصفية للقضية، في ظل وجود رقم صعب مثل حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية، التي لن تقبل تفرد فتح في الساحة الفلسطينية.

- إن الحصول على أية شرعية لما ستفرزه المفاوضات التي أطلقها مؤتمر أنابوليس أو غيرها غير ممكن، في ضوء سيطرة حماس على قطاع غزة والجزء الأكبر من الشعب الفلسطيني، وسيطرتها على المجلس التشريعي، فلا الاستفتاء الشعبي ممكن، ولا إجراء أية انتخابات ممكن، لا في الداخل ولا في الخارج.

واللجوء إلى أي إطار من الأطر التي لا وجود لحماس فيها كالمجلس المركزي واللجنة التنفيذية أو حتى المجلس الوطني المنتهي منذ أكثر من عشر سنوات، كل ذلك لن يجدي نفعا في إضفاء الشرعية على أي من الاتفاقيات والمعاهدات التي ستعقدها السلطة وبالتالي لن يكون تنفيذها ممكنا.

"
فشل أنابوليس جعل الموقف العربي الداعم له موقفا ضعيفا، وكذلك أضعف الموقف الفلسطيني المهرول وراء المفاوضات، وسيضعف الموقف الأميركي والإسرائيلي من حيث قدرته على الضغط على الموقف العربي والحيلولة دون الحوار الفلسطيني
"
- إن حركة حماس لا تزال ممسكة بخيار المقاومة، وهو بديل قابل لأن يتمدد أو يتقلص، بقدر أو بآخر، تبعا لظروف المنطقة وللخيارات الأخرى التي يتاح لحماس أن تتعامل معها.

ثم إن خيار حماس في تفعيل المقاومة وتجديد انتفاضة ثالثة -كما قال رئيس مكتبها السياسي في أكثر من مرة- خيار سيكون له ما بعده، ولن يكون هذه المرة ذا أثر على الإسرائيلي وحده بل سيتجاوزه إلى المنطقة كلها.

لا بفعل حماس بقدر ما هو روح الوعي الذي تبثه القضية في المنطقة كلها، ولأن حماس ستكون عندها مضطرة إلى خيارها الذي قد يقلب طاولة المنطقة رأسا على عقب.

وعندها لن تستطيع الدولة العبرية احتمال النتائج، والوصول إلى نتيجة مماثلة لتلك التي وصلت إليها في حرب جنوب لبنان.

ولنتذكر جيدا أن الولايات المتحدة عرقلت التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار، ظنا منها أنه سيتاح للكيان الصهيوني القضاء على حزب الله، ولكنها اضطرت في النهاية للموافقة على أن يدرس مجلس الأمن فكرة الدعوة إلى وقف إطلاق النار، وبناء على قناعة من الكيان الصهيوني باستحالة تحقيق الهدف والقضاء على حزب الله.

وذات السيناريو أو نحوه هو ما ينبغي أن تتوقعه إسرائيل في ضوء خبرتها السابقة، وفي ضوء كل محاولات القضاء على المقاومة والتي باءت حتى اللحظة بالفشل.

مما لا شك فيه أن فشل مؤتمر أنابوليس جعل الموقف العربي الداعم له موقفا ضعيفا، وكذلك أضعف الموقف الفلسطيني المهرول وراء المفاوضات، وسيضعف الموقف الأميركي والإسرائيلي من حيث قدرته في الضغط على الموقف العربي والحيلولة دون الحوار الفلسطيني، مما يعني أن الحوار الفلسطيني ينبغي أن يكون الآن أقرب منه في فترة ما بعد أحداث غزة.

يدفع بهذا الاتجاه منطق الواقع في التعامل مع الإحداثيات السابقة، ومنطق السعي لتخفيف الإحراج الناجم عن فشل أنابوليس، فهل سنرى انطلاقا لقطار الحوار الفلسطيني برعاية عربية، وبموافقة أو بطلب إسرائيلي أميركي بحكم الواقع الذي تعد حماس اللاعب الرابح فيه؟ ربما لن يطول بنا الوقت لندرك ذلك.
ـــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة