موت الصحفي أثناء عمله.. الملابسات والأسباب   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ مريم بنت زيدون

- ظروف موت الصحفيين
- الصورة والخبر والموت
- حماية الصحفيين

"سنة سوداء على الصحافة والصحفيين" هكذا أعلنت منظمة "صحفيون بلا حدود" في تقريرها السنوي الخاص بالسنة 2003، وقد صرحت بأن هذا الحكم جاء نتيجة للظروف التي مات فيها 42 صحفيا، وهو الرقم الذي أحصته هذه المنظمة في حين أعلنت الجمعية العالمية للصحف أن 53 من الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام قتلوا بينهم 15 في حرب العراق وحدها وهي الأحدث في تاريخ الحروب المتراوحة بين العصيان المسلح والغزو الكامل والتي راح ضحيتها خلال العقد الماضي 400 صحفي.

وبرغم أن الرقم الخاص بقتلى السنة 2003 قد ورد في التقرير بجانب الأرقام الخاصة بعدد المعتقلين والمعتدى عليهم والمهددين والذين يعانون من إجراءات رقابية -وكل هؤلاء قد زادت أعدادهم أيضا خلال هذه السنة السوداء- فإن قتل صحفي يحمل آلة تصويره أو قلمه يبقى الأفظع والأكثر تأثيرا.

فما هي الظروف التي تكتنف موت الصحفيين عادة؟ هل يستحق الخبر والصور التي يحصل عليها أبطال القلم والكاميرا الموت من أجلها؟ وهل يوفر القدر الكافي من وسائل الحماية للصحفيين العاملين في أماكن الخطر، خاصة الصحفيين العرب الذين كثر الموت بينهم مؤخرا؟


بينما يمكن التحكم في التصريحات والمؤتمرات الصحفية ودراستها، تصعب ملاحقة الكاميرات المتسللة بحثا عن الوجه الحقيقي للحرب التي كانت يوما ما قبل ظهور الصحفي لا تترك العيون ترى ما اقترفته
ظروف موت الصحفيين

بالعودة إلى التقرير السنوي للجمعية العالمية للصحف والخاص بالسنة 2003 نجد أن أكثر من نصف حالات الوفاة بين الصحفيين وقعت في ثلاثة بلدان. فبالإضافة إلى الـ15 الذين قتلوا في العراق، قتل سبعة صحفيين في الفلبين وستة في كولومبيا. وبينما كان الذين قتلوا في العراق من المراسلين الذين يغطون الحرب فإن بقية القتلى كانوا من الصحفيين الذين يحققون حول الجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات والفساد السياسي.

السمة الوحيدة التي كادت تجمع بين كل عمليات القتل كونها جاءت كهجمات عقابية، وكون المنفذين تحركوا من دون أن يخشوا العقاب، وكون غالبية هذه القضايا لم يعترف مقترفوها بها ولا يزال أكثرها معلقاً.

وفي كل الحالات ليس غريبا أن يغتال نظام فاسد أو مافيا منظمة صحفيا يحاول نشر معلومات أو صور تزعجه، لكن قاذفات الصواريخ وقصف الدبابات ورشاشات الجنود ستبقى الكابوس المرعب لكل صحفي يحاول تصيد الحقائق أثناء الحروب.

ففي الوقت الذي تحولت فيه الحروب إلى حروب تلفزيونية، حروب تتم على الهواء مباشرة ويعيش الناس أثناءها أجواء الحرب الحقيقية، وهو أمر يجسد الدور الكبير الذي تلعبه الصحافة ممثلة في صحفييها المتواجدين في الميدان، يدرك قادة الحرب أنهم بينما يتحكمون في ساحة المعركة فإن ساحة أكبر -هي العالم بأسره- ترى بعيون هذه الثلة المترصدة في كل مكان، الباحثة عن كل خبر وصورة.

وبينما يمكن التحكم في التصريحات والمؤتمرات الصحفية ودراستها تصعب ملاحقة الكاميرات المتسللة بحثا عن الوجه الحقيقي للحرب، الوجه الذي يختفي خلف مساحيق المبررات والتلويح بالوعود، الوجه الذي كان يوما ما قبل ظهور من يسمى بالصحفي لا يترك العيون ترى ما اقترفه حتى يدفن الموتى ويضمد الجروح.

وبسبب هذا الحضور الكاسح والتأثير القوي يصبح الصحفي هدفا حربيا يتم التسديد إليه مباشرة، وغالبا ما يتهم أثناء تغطيته للحرب بأنه طرف مهما اعتدل واجتهد في نقل الحقائق وذلك ما يعرضه للهجوم من أحد الطرفين. وأيضا فإن ارتفاع احتمال الموت خطأ أو الموت بنيران صديقة وارد، وذلك لتواجد بعض الصحفيين في الخطوط الأمامية. يضاف إلى ذلك احتمال الموت برصاصة طائشة أو قصف صاروخي عابر، شأنه شأن أي متواجد في مكان تدور فيه الحرب. ولعل اجتماع كل هذه الظروف هو ما يفسر للمستغربين الارتفاع النسبي لعدد القتلى بين الصحفيين منذ بداية الحرب على العراق.


أدى البريق الإعلامي في صفوف المراسلين إلى زيادة الجرأة والإقدام للحصول على السبق الصحفي. وكلما أقدم الصحفي على مغامرة ونجا منها ازداد جرأة وتعود على المخاطر
الصورة والخبر والموت
صحفي يتأخر عن المنسحبين من قندهار عشية إعلان قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأميركية أنها ستقصفها خلال ساعات، وأنه على جميع الصحفيين وهيئات الإغاثة الانسحاب منها.. السبب هو أنه ينتظر مقابلة مع شخصية مهمة من القاعدة.

صحفي آخر يكر ويفر حاملا الكاميرا مع كتيبة من شهداء القسام تدافع ببسالة عن حيها في وجه هجوم من قوات الاحتلال الإسرائيلي تدعمه الدبابات والطائرات.

صحفية أخرى يمسك بها رجال طالبان والقاعدة متخفية في زي النساء الأفغانيات تخفي في طيات عباءتها آلة تصوير.

أنواع وصنوف من الشجاعة في البحث عن الحقيقة تطالعنا بها الأخبار يوميا، لا يمكننا إزاءها إلا أن نتساءل: هل الأمر إيمان بالمهنة إلى درجة التهاون بالموت أم أن له أسبابا أخرى؟

وهنا لا يمكن لأي كان أن يغمط الصحفي الشجاع حقه في المدح والثناء، فكم من صورة عرضت كذكرى لصاحبها غيرت وضعا خاطئا كان قائما، وكم من كلمة آتت أكلها بعد أن دفع صاحبها حياته ثمنا لها. لكننا في المقابل نشاهد صورا وكلمات تعرض حياة أصحابها للخطر دون أن يكون بينها فرق مع ما يعرض على شاشات التلفزة يوميا.

فهل الصورة القيمة فرصة على متصيديها المثابرة والجد، إذ لا يعلمون متى تحين اللحظة المناسبة لها وبذلك عليهم المداومة في تسجيل كل ما هو متوفر أم أن للأمر خلفية أخرى؟

لقد أصبح مراسلو وسائل الإعلام اليوم نجوما وعلى وجه التحديد من تخصص منهم في تغطية الحروب، وهو أمر أحاط مهنة الصحفي المراسل بالإثارة والشهرة والكسب المادي. وقد أدى ذلك البريق إلى زيادة الجرأة والإقدام في صفوف المراسلين للحصول على السبق الصحفي، وكلما أقدم الصحفي على مغامرة ونجا منها ازداد جرأة وتعود على المخاطر.

وبينما يمكن أن يعيش بعض الصحفيين حياتهم على هذا النحو ويتكرر معهم الخروج بسلامة، فإن النسبة التي تحصدها هذه المخاطر سنويا لا يدركون أن الشهرة والمال لا ينفعان إلا بوجود جسد وروح حتى يفوت الوقت ويصبحوا في عداد الأموات.


يحظى الطاقم الصحفي في قنوات أجنبية بالتدريب قبل إيفاد أفراده إلى أماكن التوتر، كما يحظى بالتأمين على الحياة بل وأحيانا على الأعضاء، وهو عكس ما يحدث لدى القنوات العربية
حماية الصحفيين

لقد دأب ممثلو كبرى شبكات التلفزيون والإذاعة والصحف العالمية على إثارة النقاش حول الحاجة إلى توفير حماية قانونية خاصة للمراسلين الذين يغطون أنباء الحروب. وقد ناقش الاجتماع السنوي لمعهد أمن الصحافة الدولي في بودابست هذه السنة سؤالا مهما هو: كيف تتم محاسبة قتلة الصحفيين؟

وتمنح معاهدة جنيف بالفعل الصحفيين في مناطق الحروب نفس الحماية القانونية التي تمنحها للمدنيين، أي أنه يجب ألا يكونوا أهدافا للمقاتلين.

لكن بعض وسائل الإعلام دعت إلى معاملة الصحفيين مثل عمال الإغاثة في مناطق الحروب ومنحهم وضعا خاصا للحماية، مما يجعل أي هجوم يتعرضون له جريمة يعاقب عليها مثل جرائم الحرب.

ورغم القوانين والاهتمام من طرف الجمعيات الإعلامية لا يزال الصحفيون يقتلون جهارا في أماكن مثل العراق وفلسطين، دون أن يعترف الجنود الذين صوروا وهم يقتلونهم بالمسؤولية عن ذلك.

ونتيجة لوضع المحتلين في هاتين المنطقتين من العالم يزداد نصيب الصحفيين العرب من الخسائر. ويرجع المراقبون الأمر إلى تزامن التطور الحاصل في وسائل الإعلام العربية والذي نتج عنه إقبالها على جمع الأخبار والتقاط الصور مع احتلال العراق والتدهور الأمني في فلسطين المحتلة.

لكن المؤسف في الأمر هو أنه بينما توفر قنوات الأخبار العالمية المحترمة حدا أدنى من الحماية والحقوق لمراسليها فإن مثيلاتها العربية لا تزال حتى الآن في غفلة عن الأمر، ولعل هذا ما يسهل اقتناص صحفيي هذه القنوات.

ذلك أن قنوات مثل سي أن أن وبي بي سي يتنقل عمالها في سيارات مدرعة -مضادة للرصاص- ويتلقون تدريبات أمنية على أيدي خبراء يعلمونهم طريقة التصرف تجاه أي موقف خطر يمكن أن يتعرضوا له، وذلك قبل سفرهم إلى أماكن التوتر. وتتولى هذه الهيئات الإعلامية التأمين على حياة مراسلها وفي بعض الأحيان التأمين على أعضائهم في حال التعرض لانفجارات الألغام على سبيل المثال.

وفي المقابل فإن قنوات مثل الجزيرة والعربية -وهما اللتان كان بعض الضحايا من موظفيهما- تحطم السيارات يوميا على مراسليها مما يعرض حياتهم للخطر، ويضطرون إلى ارتجال التصرفات في مواقف غير عادية ربما يكون الرد فيها بما ليس مناسبا سببا للموت. ويستعاض عن التأمين على حياتهم بمواقف عاطفية مكلفة كترك راتب المراسل الضحية لذويه.

ومع كل الصعوبات والمخاطر سيظل شعاع الحقيقة مغريا يجذب كاميرات المميزين، وسيظل رنين البحث عن الخبر ملهما لأقلام النخبة، ويبقى المتغير في هذه المعادلة هو سهام من يحاولون الإخفاء، وهي سهام لن يقف في وجهها إلا قوانين صارمة وتعاون جدي بين كل المهتمين بهذا الشأن المدركين ما لوجود الصحفيين من أهمية في الأماكن المظلمة والتي على رأسها أماكن التوتر والنزاعات.
ــــــــ
كاتبة موريتانية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة