من غزة إلى بيروت.. إشكالية الانقلاب والشرعية   
الأربعاء 1429/5/10 هـ - الموافق 14/5/2008 م (آخر تحديث) الساعة 9:34 (مكة المكرمة)، 6:34 (غرينتش)


عادل لطيفي

معطيات المشهد قبل المواجهة
التدرج نحو المواجهة وإشكالية الانقلاب
إشكالية السلاح والشرعية

لقد شارف لبنان خلال أزمته الأخيرة المرتبطة بفك شبكة اتصالات حزب الله، على العودة مرة أخرى إلى تجربة الحرب الأهلية المريرة. أو ربما صح القول بأنه عاش فعلا لمدة يومين على الأقل هذه التجربة ولو بشكل محدود في الزمان وفي المكان.

الملفت للانتباه أن وتيرة تسارع الأحداث وردود فعل الأطراف المتصارعة في الشارع ثم طبيعة الحملة الإعلامية التي واكبت المواجهات في لبنان تستعيد إلى حد كبير ما شهدته الساحة الفلسطينية في غزة من مواجهة بين فتح وحماس.

بطبيعة الحال لسنا في نفس السياق، لكن التشابه يبدو واضحا من خلال الحضور المكثف لمفردات الشرعية والانقلاب والانقلابيين. وهو تقارب له دلالاته على الساحتين الداخلية والإقليمية.

معطيات المشهد قبل المواجهة
يتقارب المشهدان في غزة وفي لبنان من حيث الظروف السياسية التي هيأت للمواجهة. ففي كلتا الحالتين توجد كتلتان مرتبطة كل منهما بخيار داخلي وإقليمي مختلف. واحدة مرتبطة بالمنظور الأميركي للمنطقة والتي تروج له إقليميا السعودية ومصر والأردن. وتمثل هذه الكتلة في لبنان مجموعة 14 آذار، وفي الساحة الفلسطينية سلطة الرئاسة في رام الله.

وتنفرد هذه الكتلة بقدرتها على اتخاذ القرارات المصيرية دون حدود واضحة ودون اعتبار لموقف معارضيها. وهذا من بين العناصر العميقة التي تفسر الأزمتين على الأقل في بعدهما السياسي. كما يعد مؤشرا على هشاشة الإطار الديمقراطي وكذلك على هشاشة الدولة وأجهزتها التنفيذية في الحالتين.

في مقابل هذه الكتلة "التنفيذية" نجد كتلة معارضة تشارك رسميا في الحكم لكنها بقيت مهمشة في الظروف الأخيرة عن لعب دور ما في صياغة القرارات المصيرية للفلسطينيين وللبنانيين. وتلعب حماس هذا الدور في الساحة الفلسطينية بينما تحتله المعارضة في الساحة اللبنانية مثلما كان حال الرئيس السابق إميل لحود.

"
المشهدان في غزة ولبنان يتقارب من حيث الظروف السياسية التي هيأت للمواجهة, ففي الساحة الفلسطينية سلطة رئاسة في رام الله تنفرد باتخاذ القرارات المصيرية دون حدود واضحة, وفي لبنان أغلبية تستأثر بسلطة القرار السيادي مستفيدة من المد الذي تبع اغتيال رفيق الحريري 
"
لقد تمكنت الكتلة الأولى الماسكة بزمام السلطة التنفيذية وبدعم واضح من الدول الإقليمية القريبة من الولايات المتحدة ومما يسمى بالمجتمع الدولي، من الانفراد باتخاذ قرارات سيادية بشكل انحيازي ودون اعتبار لموازين القوى الداخلية.

كان هذا واضحا في الحالة الفلسطينية عندما قامت سلطة الرئاسة بمحاصرة الحكومة المنتخبة بقيادة حماس ومنعها من المشاركة في القمة العربية وسحب ملف المفاوضات من يديها، وهذا يعني سحب الواقع الفلسطيني برمته من الحكومة المنتخبة.

تكرر نفس المشهد في بيروت عبر استئثار الأغلبية بسلطة القرار السيادي مستفيدة من المد الذي تبع اغتيال رفيق الحريري ومن الأخطاء السورية في لبنان.

فتَحْتَ ضغط في قالب نصح، قبلت هذه الحكومة بقرارات صادرة عن مجلس الأمن لا تخدم مصلحة لبنان. كما أنها قبلت أن تكون ورقة ضغط على سوريا عند قبولها بفكرة التحقيق الدولي والمحاكمة الدولية في قضية اغتيال الحريري.

أمام هذا الحصار الداخلي والخارجي لم يبق بيد الكتلة المعارضة سوى التعويل على قدراتها الذاتية العسكرية والاستفادة من الدول الحليفة مثل إيران وسوريا.

لهذا يبدو أن العنصر الذي عقد الأوضاع في حالتي غزة ولبنان هو هذا التوجه الإقليمي والدولي لتطويع القوى المعارضة وفرض حلول أحادية على حساب الخيار الديمقراطي المحلي.

لقد كان لسوريا كذلك دور في العبث بالسير الطبيعي "للديمقراطية الطائفية" في لبنان وما التمديد في ولاية الرئيس إميل لحود إلا دليل من بين أدلة أخرى على هذا الدور السلبي.

هذا بالإضافة إلى أنه كان عليها أن تعي بقليل من الحنكة السياسية أنه لم يعد يوجد أي مبرر لبقاء جيشها في لبنان ما كان سيمكن من تفادي ذلك الانسحاب المخجل الذي أعقب اغتيال الحريري.

يوجد إذن تفاعل ما بين البعدين الداخلي والخارجي، لكن الأرضية التي سهلت دور القوى الخارجية في الحالتين تبقى داخلية وتتمثل في عدم ترسخ الخيار الديمقراطي من ناحية ثم الصبغة العسكرية للقوى السياسية من جهة ثانية.

هشاشة الممارسة الديمقراطية واضح عبر تعدي السلطة التنفيذية في لبنان وفي الأراضي الفلسطينية على المعارضة وكذلك على حكومة حماس.

وربما تعلق الأمر بطبيعة الدولة برمتها في الحالتين، فالدولة اللبنانية نتاج للطائفية وتعبير عنها، في حين أن السلطة الفلسطينية كيان فرض على الواقع الفلسطيني من الخارج.

في الطرف المقابل نلاحظ نفس هذه الهشاشة من خلال استعجال الحل العسكري في حالة غزة واستعمال سلاح المقاومة في شوارع بيروت خلال الأزمة الحالية.

التدرج نحو المواجهة وإشكالية الانقلاب
إضافة إلى تشابه المعطيات التي هيأت للمواجهة فإن الأزمة اللبنانية الأخيرة تستعيد ما كان قد حصل في غزة من حيث تتابع الأحداث.

لقد بدأت المواجهة سياسية كما رأينا من خلال عدم وضوح آليات صياغة وتنفيذ القرار السياسي وخاصة السيادي منه، وما يعنيه ذلك من احتكار لمؤسسة الدولة. بعد هذا بدأ التدحرج نحو المواجهة العسكرية عبر حوادث اغتيالات وتصفية سياسية.

"
المواجهة بدأت سياسية في فلسطين ولبنان من خلال عدم وضوح آليات صياغة وتنفيذ القرار السياسي وخاصة السيادي منه، بعد هذا بدأ التدحرج نحو المواجهة العسكرية عبر حوادث اغتيالات وتصفية سياسية
"
في هذه المرحلة كان المشهد الفلسطيني أكثر وضوحا إذ أن الأطراف التي تم استهدافها في غزة كانت من أنصار حماس وكل المؤشرات تشير إلى وقوف عناصر معينة محسوبة على حركة فتح ومعروفة بعلاقاتها المميزة مع الطرف الأميركي.

بدا واضحا أن غاية هذا التصعيد هو الالتفاف على حكومة حماس باعتبارها تجسيدا لرغبة شعبية تعارض مسلسل التنازلات وذلك بنزع الصبغة السياسية وعنها وحصرها في بعدها العسكري.

وقد نجحت هذه العملية بالفعل، حيث استعملت حركة حماس مخزونها العسكري وذهبت بعيدا في هذا الخيار إلى حد لم يكن تنتظره الأطراف التي كانت وراء الانفلات الأمني والتي تم تحييدها تماما.

فمشهد أسرى فتح في غزة يذكر كثيرا بمشهد أسرى عناصر الشرطة الفلسطينية من طرف الجيش الإسرائيلي.

لم يكن المشهد اللبناني على نفس الدرجة من الوضوح من حيث طبيعة الأطراف التي كانت تقف وراء مسلسل الاغتيالات والانفلات الأمني. بدأ السقوط في فخ التصفية العسكرية قبل اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري.

لكن هذا الحادث خلق واقعا جديدا وأضعف الأطراف التي تمثل جبهة الرفض لواقع الخيارات الإقليمية التي يراد فرضها. كما شجع هذا الواقع الجديد الكتلة السياسية التي تمثل الأغلبية والمرتبطة بعائلة الحريري بالاستئثار بالسلطة التنفيذية.

تواصلت الاغتيالات وتركزت حول فريق الأغلبية الحكومية والوجوه الموالية لها مثل الصحفيين وبلغت حدا أصبح معه الكل مقتنعا أن سوريا لا مصلحة لها فيها.

حتى أن هذه الاغتيالات تزامنت أحيانا مع بداية حوار سوري جدي مع الأوروبيين ومع الأميركيين، ما يدفع إلى الاعتقاد بوجود طرف ما يحاول الزج عمدا بالنظام السوري وبحلفائه في مواجهة حاسمة مع خصومهم.

في هذا الإطار يبدو أن فريق الأغلبية في الحكومة اللبنانية جارى هذا التوجه عبر تأكيده في كل مرة ودون أية روية أن سوريا هي التي تقف وراء هذه الاغتيالات، مما أعطى الانطباع بأنها أول المستفيدين من حوادث الاغتيال والتصفية في صفوفها.

حدثت المواجهة في الساحة الفلسطينية واللبنانية لأسباب متشابهة تقريبا. ففي الحالة الأولى أدى عدم جدية الرئاسة الفلسطينية، الماسكة فعلا بزمام السلطة التنفيذية، في معالجة تصرفات بعض الأطراف المحسوبة عليها إلى تفجر الوضع بشكل مأساوي.

وما زاد الطين بلة هو ذلك التعويل المفرط والمعلن على أطراف خارجية أقل ما يقال فيها إنها غير جادة لمساعدة الشعب الفلسطيني في قضيته.

وقد ذهبت هذه الرئاسة أبعد من ذلك من خلال تلقي مساعدات ذات صبغة عسكرية من الجانب الإسرائيلي. والهدف من وراء كل هذا كان ضرب خيار المقاومة من أجل التهيئة لحل سياسي قد لا يرقى إلى جملة الحقوق الوطنية الفلسطينية.

خيار المقاومة كان في الحالة اللبنانية كذلك الرهان الأكبر في المواجهة بين الحكومة والمعارضة. فالقرارات التي تم اتخاذها ضد سلاح الإشارة التابع لحزب الله لم يكن لها أي مبرر سياسي أو عسكري كما أن ظرف إعلانها يدفع إلى التشكيك في جدية الفريق اللبناني الحاكم للخروج من الأزمة المزمنة.

إشكالية السلاح والشرعية
"
سيناريو المواجهة والتصعيد بين المقاومة وخصومها الداخليين في الحالتين الفلسطينية واللبنانية مرتبط بإستراتيجية خارجية تهدف إلى إضعاف هذه المقاومة بوضعها في مواجهة المواطنين والشارع, هذا ما حدث في غزة ويحدث اليوم في لبنان
"
من المحتمل أن يكون تكرار سيناريو المواجهة والتصعيد بين المقاومة وخصومها الداخليين في الحالتين مرتبطا بإستراتيجية خارجية تهدف إلى إضعاف هذه المقاومة بوضعها في مواجهة المواطنين والشارع.

هذا ما حصل في غزة وما يحصل اليوم فيها عبر حصار يهدف إلى فرض قطيعة بين حماس وقاعدتها الشعبية. وهذا ما حصل في لبنان وخاصة في العاصمة بيروت حيث أدى نزول عناصر المقاومة إلى الشارع إلى صدامها مع عناصر لبنانية وذلك لأول مرة.

ليس من الغريب في هذا السياق أن يؤكد رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة في كلمته تعليقا على الأحداث (العاشر من أبريل/نيسان) بأن حزب الله أصبح خطرا على اللبنانيين.

وقد وقعت المقاومة بالفعل في هذا الفخ. حيث عالجت حماس تهميشها باستخدام السلاح عوض الاستعانة بسندها الشعبي الذي أوصلها إلى السلطة.

وهي معالجة ذكرت في بعض مشاهدها بممارسات الاحتلال الإسرائيلي. والحديث هنا عن مشهد أسرى فتح وهم يمشون عراة في الشارع. كما سقط حزب الله في نفس هذا الفخ حين بادر إلى تحريك عناصره لإحكام سيطرته على بيروت وحيَّد بذلك كل سنده الشعبي الذي عمل على تكوينه منذ عقود.

لقد كان بإمكان المعارضة اللبنانية مجتمعة أن تغلق بيروت في شكل عصيان مدني أكثر تحضرا، دون اللجوء إلى تحريك سلاح المقاومة ضد الداخل.

تواصل المشهدين الفلسطيني واللبناني بدا أكثر وضوحا عبر تشابه ردة فعل السلطة الفلسطينية في رام الله وردة فعل فريق الرابع عشر من آذار في بيروت.

لقد ركز الفريق المحتكر للسلطة التنفيذية في الحالتين على مسألة الانقلاب على الشرعية. أي شرعية سلطة رام الله وشرعية رئاسة الحكومة في بيروت.

قد يكون العنصر الكامن وراء هذا الترويج الإعلامي هو هشاشة شرعية هذه الأطرف نفسها. فسلطة محمود عباس تحاول الالتفاف حول عزلتها الداخلية بعد فقدانها أغلبية البرلمان ورئاسة الحكومة، وقد سهلت إسرائيل هذا الوضع عن طريق منع كل إمكانية لنشاط عادي للبرلمان الفلسطيني.

كما يجد فريق حكومة الأكثرية نفسه في وضع مشابه تقريبا بعد استقالة العديد من وزراء المعارضة وبعد شغور منصب رئيس الجمهورية وتعطيل نشاط البرلمان. كل هذه المعطيات توحي بأن الحديث عن الانقلاب على الشرعية يهدف في الواقع إلى اكتساب شرعية مفقودة أصلا.

إن كان الوضع على هذه الشاكلة فما هي الشروط الممكنة للخروج من الأزمة؟ الرهانات ليست نفسها في الحالتين اللبنانية والفلسطينية رغم نقاط التشابه التي سبق ذكرها.

"
الحل الأمثل في فلسطين هو تكوين حكومة وحدة وطنية حول برنامج وطني يتجاوز سلبيات مسلسل أوسلو, وفي لبنان لا مناص من الخروج نهائيا من دستور سنة 1920 الذي وضع أسس الصراع الطائفي وعطل إمكانية ترسيخ مواطنة لبنانية حقيقية
"
فالمشهد الفلسطيني أكثر وضوحا بحكم ارتباط كل الوضع بالاحتلال الإسرائيلي. والحل الأمثل ورد على لسان العديد من الرموز السياسية الفلسطينية حتى من داخل منظمة التحرير، وهو تكوين حكومة وحدة وطنية تجمع في نفس الوقت فلسطينيي الداخل والشتات حول برنامج وطني يتجاوز سلبيات مسلسل أوسلو.

ما يمكن إضافته هنا هو إمكانية اللجوء إلى وسائل مقاومة أخرى أكثر تأثيرا في الساحة الدولية وأقل ضررا على الشعب الفلسطيني ثم، وهو الأهم، قادرة على تحييد القوة العسكرية الإسرائيلية.

لا بد من الارتقاء إلى أشكال أكثر سلمية وقادرة على لفت انتباه الشارع في مختلف البلدان مثل ما حصل مع أنصار قضية التبت خلال جولة الشعلة الأولمبية.

أما في لبنان فالمشهد أكثر تعقيدا بحكم هيمنة التركيبة الطائفية. فلا مناص للبنان اليوم من الخروج نهائيا من دستور سنة 1920 الذي وضع أسس الصراع الطائفي وعطل إمكانية ترسيخ مواطنة لبنانية حقيقية.

لا بد من دولة تحتكم إلى خيارها الوطني الداخلي بعيدا عن الضغط السوري وبعيدا عن الضغط الأميركي السعودي. فلبنان قوي بتنوعه وبهامش الحريات التي ترسخت فيه.

والخطر كل الخطر على هذه الحريات يأتي في نفس الوقت من الارتباط بسوريا وبإيران ومن الارتباط بالسعودية.
ـــــــــــ
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة