المعارضة السورية والدور المفقود   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ أكرم البني

بعيدا عن الاتهامات والشتائم والانفعالات السياسية التي وسمت معظم ردود الأفعال والتعليقات إزاء ما سمي بالتحالف الديمقراطي السوري الذي أعلن عن تشكله مؤخراً من واشنطن، فإن خير رد على مثل هذه الظواهر يكمن في البحث الجدي عن دوافعها وأسباب نشوئها ليصار إلى معالجتها جذريا أو على الأقل التخفيف من دورها وتأثيرها.


يعود السبب الأول في ظهور التحالف الديمقراطي السوري المعارض بواشنطن إلى إرادة أميركية تتقصد اليوم تشجيع ظهور وجه سوري معارض يتناغم مع سياساتها في المنطقة
تضافرت ثلاثة أسباب في تهيئة الأجواء لظهور هذه الاندفاعة المرضية في صفوف المعارضة السورية:

- يعود السبب الأول إلى إرادة أميركية تتقصد اليوم تشجيع ظهور وجه سوري معارض يتناغم مع سياساتها في المنطقة كجزء من سيناريو يهدف إلى تشديد الضغوط على النظام السوري في إطار حملة متصاعدة لعزله عالميا وتأليب الرأي العام ضد سياساته، إن لجهة دوره الإقليمي أو لجهة استمرار انتهاكاته للحريات وحقوق الإنسان، مما يمهد الطريق أمام احتمال تطور إجراءات أشد قسوة ضده اقتصادية كانت أو عسكرية.

إن الإجابة على سؤال لماذا ظهرت هذه المعارضة الآن بعد الضربة العسكرية الإسرائيلية في عين الصاحب وإقرار قانون محاسبة سوريا، تبين حقيقة المصلحة الأميركية وإلحاحها في تنظيم حملة متساوقة مع سياساتها تغازل توق الناس إلى الحريات وتطلعهم إلى تغيير واقع التسلط السائد، على أمل النجاح في فتح كوة في الجدار الحائل بين مشروعها في التغيير والشارع السوري، خاصة أنها عجزت عن اختراق الصف الديمقراطي واصطدمت بحساسيته الخاصة في رفض التعاطي مع الخارج ومد اليد للاستقواء به، تأثرا بروح عميقة مناهضة لسياسات واشنطن المنحازة أبدا ضد الحقوق العربية والداعمة بصورة غير محدودة لجرائم العدو الصهيوني.

لا نريد هنا أن نعيب على هؤلاء "المعارضين الجدد" تنطحهم لحمل لواء الدفاع عن الديمقراطية رغم حداثة أعمارهم السياسية وعدم امتلاكهم تاريخا نضاليا معروفا في الدفاع عن حريات الشعب السوري المسلوبة، لكن ما يعيبهم حقا هو الإخلال ومنذ البداية بأبسط مبادئ الديمقراطية التي يدعون نصرتها عندما اكتفوا بتعرية الممارسات القمعية للنظام السوري وفضح تركته الثقيلة من الأزمات المتنوعة، وأغمضوا العين عن شبيهاتها الأميركية وقد أباحت لنفسها بسلاح القوة والقمع ذاته تقرير مصائر شعوب وأوطان.

فأن تكون ديمقراطيا يعني أن تناهض صور الإكراه والإذعان جميعها وقوى التسلط الإمبريالي وأنظمة القمع والاستبداد على حد سواء. فأي ديمقراطية وأي ديمقراطيين ننتظر؟! وهل الأمر يختلف عن وعد شهير أطلقه أحد الضباط السوريين وقد أصبح معارضا بعد ماض دموي في السلطة، قائلا وهو يضرب الأرض بقدمه "إنه سيفرض الديمقراطية على هذه البلاد بحذائه العسكري"؟!

- السبب الثاني وهو الأهم يتعلق بالمسؤولية الرئيسة التي تقع على عاتق السلطات السورية بإصرارها على التمسك بحكم أحادي يتجلى قهرا وإقصاء وفسادا.

فالمعروف أن سد أفق الحياة السياسية وتغييب الحريات وقمع الرأي المعارض يدفع من دوامة الإحباط واليأس ردود أفعال لا تحمد عقباها، مثل التطرف وأعمال العنف وتلك الاندفاعات السياسية المرضية للاستقواء بالشيطان بحثا عن نافذة خلاص.

إن إهمال الاستحقاق الديمقراطي يعتبر أهم موطن خلل أو ثغرة يمكن أن تساعد الأجنبي على الفعل والتأثير والتدخل في شؤوننا. ولعل التطلع إلى دور خارجي مساعد -بغض النظر عن النيات والارتباطات- ليس أكثر من رد فعل انعكاسي على عجز الواقع عن العطاء وعلى حال قتل روح الإنسان وسلب دوره في المجتمع.


تركت سنوات الاستبداد آثارا سلبية على المعارضة وورثتها حزمة من الأمراض أربكت دورها وحدت من فاعليتها، مثل حضور الحسابات الذاتية والمصالح الحزبية الضيقة مما يتنافى مع الديمقراطية التي تدعو إليها
ولاشك في أن سنوات العطالة والمماطلة التي لم تثمر إلا وعودا عن الإصلاح تلو الوعود تغذي هذا الخيار وتشجع القائلين بفقدان الأمل وعجز السلطة عن القيام بأي تغيير، وأن التجربة العراقية برهنت عمليا أن إطاحة مثل هذه الأنظمة المتمترسة هو أمر محال دون قوة خارجية قاهرة.

في المقابل تغذي هذا الخيار أيضا آراء أصحاب المصالح والامتيازات السلطوية واستماتتهم في الدفاع عن الوضع القائم ورفض أي إصلاح تحت حجج وذرائع واهية لعل أهمها ذريعة الخطر الخارجي الداهم، كأن السيادة الوطنية ومواجهة الأخطار المحدقة تتطلب إطاحة الحريات وحقوق الإنسان، وكأن تجميد أزمات المجتمع وحجز الداخل في القمقم الأمني يمكن أن يصنع نصرا ويدحر الأهداف الأميركية ومخططاتها، دون أن نعرف كيف يمكن أن يساعد حرمان الناس من حرياتهم ومن شعورهم الطبيعي بحقوقهم كمواطنين متساوين في بعث روح المقاومة لديهم.

إن تصاعد الضغوط الخارجية وآخرها إعلان معارضة سورية من واشنطن أمر يزيد من إلحاح التغيير وليس العكس. فحتى تقاوم الخارج ومأربه عليك أولا معالجة الأسباب الداخلية التي تدفع بالمزاج الشعبي -وأحيانا السياسي- ليجد في أميركا وغيرها مخلصا ومنقذا، وأن تزيل المثالب إزاء الحريات وحقوق الإنسان التي لا تزال تؤخذ عليك، وإلا ستصبح كمن يكتفي بالصراخ ضد العدو ومخططاته بينما يمده عمليا بأسباب القوة والعدوان.

- يرجع السبب الثالث إلى واقع المعارضة الديمقراطية التي لا تزال ضعيفة وعاجزة عن المبادرة، لا تزال بطيئة في قراءة المتغيرات الحاصلة، حريصة على خطاب سياسي نقدي خجول ومترددة في استثمار الهامش المتاح.. يحكم ممارساتها التلقي وردود الفعل لا العمل المثابر والدؤوب.. تطل برأسها إذا دعاها حدث جسيم أو ارتخت قبضة النظام، وترجع القهقرى ما أن تعود الأمور إلى حالها.

صحيح أن المعارضة السورية -رغم حملات القمع والإقصاء والسجون- نجحت في الحفاظ على كياناتها، وصحيح أن غالبية طلائعها رفضت الهجرة وأصرت على البقاء داخل البلاد رغم المعاناة المريرة، لكن الصحيح أيضا أن سنوات الاستبداد الطويلة تركت آثارا سلبية على صحة أحوالها وورثتها حزمة من الأمراض أربكت دورها وحدت من فاعليتها، مثل حضور الحسابات الذاتية والمصالح الحزبية الضيقة، واندفاع بعضها لاستخدام وسائل بيرقراطية أو سلطوية لنصرة أفكاره ومواقفه الخاصة تتنافى مع الروح الديمقراطية التي يدعو إليها.

إن الفراغ الذي يخلقه ضعف المعارضة الديمقراطية ودورها المفقود وفر فسحة مهمة لولادة "التحالف الديمقراطي السوري" وشجعه تاليا على التنطح للحديث بالنيابة عن أصحاب المصلحة الحقيقية عن قضايا الحريات والديمقراطية ولعرض صور عن معاناة الناس في الواقع البائس الذي تعيشه. فأي موقع كان يحتله هؤلاء لو كانت المعارضة غير ما هي عليه الآن، لو كان لها حق شرعي في الوجود وملكت دورا فاعلا ونوعيا في مسار التغيير الديمقراطي المنشود؟!

من جهة ثانية يجمع المراقبون أن شعارات أميركا من أجل نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط تحمل هذه المرة قسطا من الجدية، كونها تلتقي عميقا مع مصالحها وأهدافها الحيوية في تعزيز سيطرتها السياسية على أغنى بقعة نفطية في العالم، وتمكنها تاليا من إتمام حملتها المحمومة ضد الإرهاب لتصل إلى الأسباب العميقة والجذور.

فواشنطن تستند في عزفها على هذا الوتر إلى حقيقة تقول إن الديمقراطية هي المناخ القادر موضوعيا على سحب البساط من تحت أقدام قوى التطرف، وإن "تنمية المنطقة" اقتصاديا وتعليميا ودعم الحريات السياسية فيها يمكن أن يخفف إلى حد كبير من العوامل المساعدة على نشوء ردود أفعال حادة وعنيفة معادية لها، فضلا عن أن تعميم النموذج الليبرالي الأميركي هو في رأي المحافظين الجدد المسيطرين اليوم على سياسات البيت الأبيض خير معين على حماية المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة وضمان استقرارها لأمد طويل.


ليس عميلا لأميركا كل من يعمل لنصرة الحرية والديمقراطية، وأيضا لا يقف في صف أنظمة الاستبداد كل من ناهض مخططات أميركا وأهدافها
أن تأخذ المعارضة الديمقراطية السورية هذه الحقيقة في الاعتبار يعني أن تسارع إلى إظهار المسافة بين مشروعها في التغيير والنموذج الليبرالي الأميركي لجهة تباين الدوافع والأسباب والغايات، وأن ما يطمح إليه الشعب السوري وقواه الحية ليس وطنا ضعيفا ومفككا وإنما مجتمعا ديمقراطيا يحقق له الحرية والكرامة والسيادة الوطنية، ويمنحه فرصة جدية لدفع عملية التنمية والتحرر الاجتماعي والاقتصادي إلى الأمام.

هذا المطمح لم يكن يوما غرضا أميركيا أو استجابة لإملاءات خارجية، بل حاجة داخلية حيوية لمواجهة مشاكل مجتمعنا وأزماته المزمنة، حاجة قديمة قدم ما نعانيه من أمراض تخلف وانحطاط قبل أن تأتي أميركا وترفع شعاراتها.

فقضية التحرر والديمقراطية قضية محورية في حياة المجتمعات وهي أمل عتيق للشعوب، ولا يغير من هذه الحقيقة أن تقف خلف هذا الهدف النبيل غايات خاصة أو يُستخدم ستارا لتحقيق مصالح أنانية ضيقة، وبالتالي ليس عميلا لأميركا كل من يعمل لنصرة الحرية والديمقراطية، وأيضا لا يقف في صف أنظمة الاستبداد كل من ناهض مخططات أميركا وأهدافها.

فإلام نحشر أنفسنا أمام خيارين فقط: أبيض وأسود، مع وضد، وثمة خيار ثالث وصل سن الرشد وآن له أن يخط طريقه الخاصة -لكن الوعرة والقاسية- طريق النضال الوطني الديمقراطي في مواجهة ازدواجية هيمنة: داخلية تجسدها الأنظمة الشمولية الأحادية، وخارجية تتألف من قوى الاحتكارات وعلى رأسها الولايات المتحدة.

نضال مركب ضد الاستبداد والقهر ولنصرة مجتمع الحرية والتعددية من جهة، ولمواجهة الأخطار المحدقة بالوطن صهيونية كانت أم إمبريالية من جهة ثانية، مع توخي الحذر في أن مثل هذه المعادلة هي بمنتهى الدقة والحساسية ولابد أن تشوبها بعض الالتباسات في مساراتها العملية حين يتقاطع -موضوعيا- طرفها الأول (الديمقراطي) مع سياسة الغرب الداعية للحرية وحقوق الإنسان، ويلتقي -موضوعيا- طرفها الآخر (الوطني) مع الأنظمة التي مازالت في صراع مع الصهيونية والإمبريالية.

هذا الخيار ينسجم مع خصوصية التطور التاريخي للمجتمع السوري وتميزه بحالة شبه دائمة من الاستنفار الوطني، تأثرا بتنامي قوة الدولة الصهيونية وعدوانيتها ووضوح الأطماع الغربية للاستئثار بثرواته، وربطا مع بنية غالبية المثقفين والمعارضين السوريين وسياق تطور وعيهم تاريخيا والتزامهم بل امتلاء أرواحهم -أخلاقيا وسياسيا- بحس وطني عميق لا لبس فيه.

فظمؤهم وتوقهم الشديد إلى الحرية والتعددية السياسية بعد طول قمع وحرمان واضطهاد مرير لم يضعف للحظة من حسهم الوطني وحرصهم الشديد على مواجهة الأخطار الخارجية المحدقة.

واليوم تخوض قوى التغيير الديمقراطي ما يشبه السباق أو عملية شد حبال بين الإدارة الأميركية بمشروعها المغرض وما تصطنعه من قوى تخدم سياساتها، وبين سلطة تبدي قدرة عجيبة في الدفاع عن مصالحها الضيقة وإصرارا على استخدام مختلف أساليب العسف والإقصاء لضمان سيادتها وتعزيز سلطانها.

ويبقى الرهان أن تشيع المستجدات الحاصلة وشدة الأزمات والأخطار المحدقة بالوطن إحساسا عاما بالمسؤولية وإدراكا لأولوية الإصلاح الديمقراطي بوصفه طوق النجاة والخيار الوحيد الباقي الذي لا يمكن دونه إعادة بناء الثقة وإطلاق قوى المجتمع وتهيئة مناخ يشجع الجميع على المساهمة في الرد على مختلف الضغوط السياسية والاقتصادية ومقاومتها.

فالجميع متفقون على أن التحول الديمقراطي لن يتم بقرار أو بلمسة سحرية، لكن اتخاذ القرار في مستوى السلطة أمر مهم وضروري لإظهار إرادة التغيير وزرع الأمل في النفوس، خاصة لجهة المسارعة إلى إزالة العقبات والعوائق التي تقف حائلاً دونه، وفي القلب منها طي صفحة الاعتقال السياسي وإطلاق حرية الصحافة، وفسح المجال أمام نشاط كافة الأحزاب الديمقراطية المعارضة. وبخلاف ذلك، لا يمكن لأحد أن يتكهن المصير الذي قد تساق إليه بلادنا.
____________
* كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة