حملة الاعتذار عن وعد بلفور.. مئة عام من الظلم   
الأربعاء 1438/2/1 هـ - الموافق 2/11/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:21 (مكة المكرمة)، 13:21 (غرينتش)
ماجد الزير


تدور دورة الزمن وتحل الذكرى التاسعة والتسعون على إطلاق وعد بلفور، ذلك التعهد الرسمي البريطاني الذي قطعه وزير الخارجية آنذاك آرثر بلفور في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1917 نيابة عن حكومته لشخصيات يهودية بريطانية بارزة بمنح اليهود وطنا في فلسطين على حساب الفلسطينيين أصحاب الأرض؛ حيث كانوا يشكلون أكثر من 94% من تعداد السكان.

هي ليست مجرد ذكرى لحدث وقع قبل قرن وانقضى فنتوقف عندها في دراسة تاريخية أكاديمية تأخذ الدروس فحسب، إنما هو حدث متشعب استمرت آثاره دون انقطاع طوال العقود العشرة الماضية ورسم كل مشهد من مشاهد القضية الفلسطينية بكل تفاصيلها وتعقيداتها. لا نبالغ إن قلنا أن كلمة "بلفور" هي من الكلمات الأكثر تداولا في القاموس السياسي الشعبي الفلسطيني، فهي لم تفارق مخيلته، ولم يبرح توجيه اللوم الدائم لبريطانيا على ما اقترفت بحقه، حتى إن كتلة كبيرة من الضمير الوطني الجمعي الفلسطيني ما زالوا يضعوا بريطانيا في مصاف العدو.

يُجمع الشعب الفلسطيني على أنها جريمة مكتملة العناصر وواضحة بحيث لا يعجز فيها الادعاء في حال انعقاد أية محكمة على إدانة بريطانيا على فعلتها النكراء بحق الشعب الفلسطيني؛ فهي وقعت على رؤوس الأشهاد ودون مواربة وبشكل مباشر فج وفعلها من لا يخشى العقاب، وفي هذا تفسير للخلفية العنصرية الاستعلائية الغربية والبريطانية جزء رئيسي منها في التعامل مع الشعوب الأرض.

وهذا بالمناسبة وصف للعقلية الاستعمارية التي تحكمت في مصائر الشعوب الأصلية في بلدان العالم، والأدبيات والشهادات الموثقة للقادة الغربيين في النظرة الدونية للآخر أوضح من أن تُخفى.
ويقابل الصورة القاتمة للدور البريطاني عند الشعب الفلسطيني، صورة احتفالية يملؤها الابتهاج والامتنان من قبل اليهود تجاه بريطانيا على المكرمة والدور التاريخي الذي خلق لهم دولة من عدم، في ظرف استثنائي تَحول كل العوامل الطبيعية دون قيام كيان سياسي وتحرك مجاميع بشرية فيه في اتجاهين متضادين على رقعة جغرافية لا تسمح بهذا التداخل.

وهذا سبب إضافي يُعظِّم من أهمية الحدث، فقوة تأثيره وامتداداته الزمنية استمرت لهذه اللحظة. ولعلنا نجزم بأن الذكرى المئوية التي تحل العام القادم لن تمر دون توقف جاد من قبل طرفي الصراع؛ فمظاهر الإعداد الصهيوني بدأت باكرا في أروقة ودهاليز السياسية في لندن في محاولة جادة من الصهاينة لتجديد التعهد والتأكيد على بقاء الالتزام وتحقيق مزيد من المكاسب. وظهر ذلك في التصريح الذي جاء على لسان رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون خلال كلمة له أمام الجالية اليهودية من أنه "سيحتفل" بالذكرى في أحضان الجالية، واستدركت الخارجية البريطانية لاحقا على التصريح.

إنّ ما تقدم يُحتّم على الشعب الفلسطيني في المستوى الرسمي والشعبي أن يعُد العدة بشكل جاد ومسؤول ليجعل من هذه المناسبة فرصة يستثمرها ليدخل المستقبل بآفاق تقربه من استرجاع حقوقه؛ فباستطاعته أن يفرض في المحافل الدولية إعادة عقارب الساعة للوراء وطرح أسئلة حول نشأة المشكلة، وهو ما يحاول الطرف الصهيوني أن يتجاوزه، ويضع الساسة البريطانيين أمام استحقاقات تلك الجريمة بحق الشعب الفلسطيني.

هناك أبعاد سياسية وقانونية لوعد بلفور نتجت عنها مأساة إنسانية وواقع لجوء فلسطيني لم تنقض فصوله، والنكبة المتجددة لفلسطينيي سوريا دليل صارخ على استمرار المعاناة وتنوعها. كل ذلك يعطينا مادة غنية وثرية للتصعيد ضد بريطانيا لدفعها للاعتراف بما ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني في خطوة لو تمت سيكون لها ما بعدها من دخولنا في زمن التقدم الفلسطيني والتراجع الصهيوني على صعد جديدة.

يجب أن نعترف بتقصيرنا كشعب فلسطينيي في التأخر في فتح ملف الدور البريطاني الإجرامي بحق الشعب الفلسطيني، فالوسائل المتاحة والمنوعة وفي مجالات عديدة ضمن السقوف السياسية المسموح بها كان من شأنها لو تمت أن تحقق مكاسب تجعل من الواقع الفلسطيني أفضل بشكل ملموس. فالتمادي البريطاني ومن ورائه الغربي الداعم وبلا حدود للكيان الصهيوني ودون توقف، ما كان له أن يكون بهذا المستوى لو كانت هناك مواقف وخطوات محرجة له لناحية إدانته. وثبت في السياسية أن أشكال الضغط مهما قلَّت تحقق اختراقات في القضايا المختلفة، والدور البريطاني في الواقع الفلسطيني ليس استثناء.

المطلوب هو حراك فلسطيني وعربي وإسلامي وأممي مؤمن بالحق الفلسطيني الشامل سواء كان تنسيقيا أو مبادرات موازية حسب استطاعة الجميع، وعامل الوقت مهم في ضرورة البدء وعدم الانتظار حتى نضمن تشكل حالة الضغط بشكل مبكر، وفرض أجواء حملة المطالب الفلسطينية تجاه الحكومة البريطانية.

التحرك في المخيمات الفلسطينية في الداخل والخارج وإقامة فعاليات على مدار سنة كاملة دون توقف كفيل بفرض القضية وأن تكون لذلك أصداء إعلامية. الفضاء الإعلامي الفلسطيني والداعم لفلسطين يقع على عاتقه دور بالغ الأهمية. نشطاء التواصل الاجتماعي كوسيلة عابرة للحدود ومتوفرة على مدار الساعة وبلغات عديدة، ستؤثر حتما في خلق أجواء تُذكر بما حدث وتطرح أفكارا للتعاطي مع الملف.

ونعتقد بشكل عملي أن إقامة اعتصامات سلمية قانونية دائمة أمام السفارات البريطانية في دول اللجوء الفلسطيني له رمزية عالية، بل نعتقد أن له نفاذية سياسية. وكذلك الاعتصامات من قبل المجاميع الداعمة للحق الفلسطيني في الدول العربية بل وعبر العالم أيضا مطلوب وهام ومؤثر ويشكل ظاهرة عالمية حضارية جادة غير مسبوقة لدعم المطالب الفلسطينية.

من جانب آخر فإنه يقع على عاتق الفلسطينيين في بريطانيا مسؤولية لدورهم المزدوج كفلسطينيين وبريطانيين في آن، فقد حصل أكثر من ثلاثين ألفا منهم على الجنسية البريطانية؛ فهم لأجل هذا لهم حقوق المواطنة الكاملة في المملكة المتحدة التي تتيح لهم مساحة من الضغط على "حكومتهم" والمطالبة بحقوق شخصية لهم مسلوبة في فلسطين. دراسة الوضع القانوني في بريطانيا وإمكانية رفع قضايا بهذا الشأن جديرة بالمحاولة.

ومن زاوية أخرى فإن الحرية السياسية في بريطانيا تسمح بالضغط على السياسيين وصناع القرار وتجبرهم عبر مستويات معينة من الضغط أن يفتحوا حوارا عاما في القضايا المطروحة وفي المحافل الرسمية لو توفر ضغط شعبي معتبر وملموس. وهو أمر له آلياته المتعارف عليها والمعمول بها. وهنا يبرز الدور المتميز المطلوب لحملات دعم الحق الفلسطيني في بريطانيا لخلق مناخ سياسي في الذكرى المئوية يجعل الحدث الفلسطيني واقعا بريطانيا بامتياز.

نتوقف عند حملة أطلقها مركز العودة الفلسطيني في العاصمة البريطانية لندن داخل البرلمان يوم الثلاثاء 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي تحت عنوان "حملة الاعتذار عن وعد بلفور.. مئة عام من الظلم" والتي تهدف إلى جمع مائة ألف توقيع من الشعب البريطاني يطالب حكومته بالاعتذار عن وعد بلفور.

وجاء إطلاقها ضمن ندوة استضافتها البارونة البريطانية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني من حزب الديموقراطيين الأحرار الطبيبة جيني تونغ. تم بث وقائع الإطلاق على وسائل التواصل وشاهدها الآلاف. يمكن اعتبار ذلك نموذجا للتحرك المطلوب لإعلاء الصوت الفلسطيني في هذا الشأن.

ما يدلل على نجاعة مثل هذه الخطوة هو الالتفات المنزعج للوبي الصهيوني في غير مكان لهذا الحراك والذي تم التعبير عنه بحضور مندوب الإذاعة الإسرائيلية وتسجيله لوقائع الندوة، وكذاك رصد الحدث في محاولة لإيجاد ثغرة ينفذوا من خلالها للتصعيد وضرب الحملة وتشويهها. وقد كان أن وجدوا في تعليق أحد الحضور في الفقرة المخصصة للأسئلة وهو حاخام يهودي مناهض للكيان الصهيوني من جماعة ناطوري كارتا بأن ساوى بين الصهيونية وداعش (تنظيم الدولة الإسلامية) واعتبر أن الصهيونية بأفعالها أدت لجرائم النازية بحق اليهود.

التقطت يومية "التايمز" البريطانية الصادرة في اليوم التالي لانعقاد الندوة الموضوع واستغلته للهجوم على البارونة ومركز العودة وحملة الاعتذار تحت عنوان: "ندوة في البرلمان تلوم اليهود على مذابح الهولوكوست"، في محاولة لحرف مسار الحملة.

وقد جعل هذا من حملة الاعتذار خبرا رئيسيا في الصحافة البريطانية ودخلت السفارة الإسرائيلية على خط الاحتجاج، وشكل ذلك ضغطا على البارونة تونغ لتستقيل من حزب الأحرار وتحتفظ بمقعدها في مجلس اللوردات كعضو مستقل. ولم تخمد الحملة الإعلامية وتعدت ذلك لتصل لرئيس حزب العمال المعارض الداعم للقضية الفلسطينية السيد جيرمي كوربن الذي كان ضمن وفد مركز العودة لزيارة مخيم اللاجئين الفلسطينيين في العراق على الحدود السورية العراقية في مخيم التنف عام 2009. وتم وضع صورة للوفد وهو يلتقي بالرئيس السوري بشار الأسد والإيحاء بأن الزيارة تمت قريبا بل وأنها كانت لإحياء ذكرى وعد بلفور.

ورغم بعض المظاهر من قبيل الهجوم على شخصيات داعمة للقضية ووسمها بأنها معادية للسامية، فإن ذلك خدم حملة مركز العودة بأن جعلها خبرا رئيسيا في وسائل الإعلام المنوعة والواسعة الانتشار، ولم يكن الأمر ليصل ولو بأي شكل من الأشكال دون تلك الضجة المفتعلة. بل وتعدى الأمر ذلك إلى تمكين المركز والسماح بأن تكون أعماله في خدمة اللاجئين في صدر الصفحات الرئيسية مع إبرازها بمستواها الرفيع دبلوماسيا.

نقول ذلك لندلل على أن الفعل والحراك الشعبي في مئوية وعد بلفور من شأنه أن يخلق واقعا داعما للحق الفلسطيني في العالم. ومن شأنه أن يفتح آفاقا ويوفر فرصا لصالح شعبنا وقضيتنا، بل ويقدم دورة توعية شاملة بالحق الفلسطيني للأجيال الجديدة الصاعدة، بل وللشعوب الغربية.

إن استفادة حملات دعم القضية في الغرب البعيد في الأميركيتين وبقية العالم من هذه المناسبة مهم ومطلوب ومتاح، خاصة أن حضور السياسية البريطانية في العالم ما زال مؤثرا. وعليه فالضغط على السفارات البريطانية في العالم والتواصل مع السفراء سيحدث بلبلة للدبلوماسية البريطانية.
إن تحقيقنا لهدف اعتذار بريطانيا عن وعد بلفور سيكون علامة فارقة في تاريخ النضال الفلسطيني وطورا جديدا ومهما في طريق استعادة الحقوق المسلوبة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة