سوريا وإسرائيل.. لاحرب ممكنة ولاسلام موعودا   
الثلاثاء 1431/3/23 هـ - الموافق 9/3/2010 م (آخر تحديث) الساعة 13:26 (مكة المكرمة)، 10:26 (غرينتش)
غازي دحمان


ليست الحرب أمرا مستحيل الحصول في الشرق الأوسط، كما أنها لا تنتظر استدعاء المسؤولين في سوريا وإسرائيل لها، صحيح أن الحرب تواصلت بطرق مختلفة بين الطرفين، كانت المفاوضات إحداها، لكن بالمعنى الذي تمت الإشارة إليه من وزراء خارجيتهما، تبدو أمرا غير محتمل، ربما لانعدام البيئة التي تنتجها، ولعدم قدرة الطرفين على دفع استحقاقاتها، بالنظر لما يمتلكانه من قوة ردع في مواجهة بعضهما، وبنفس القدر، لا يبدو السلام بين البلدين أمرا سهلا، فالثابت أن كل المقاربات التي جرى اعتمادها بالخصوص قد سقطت وبدا وكأنها استخدمت إما بهدف ملء فراغ ما، أو لعبور مرحلة سياسية معينة.

على هذه الشاكلة جرت مياه كثيرة بين الطرفين، وكون الطرفان خبرة احترافية في إدارة الصراع بينهما، في مختلف مستوياته وأشكاله، الأمر الذي أوجد حالة من الاستاتيكو، طالما وصفتها الأدبيات السياسية بـ(حالة اللاحرب واللاسلم).

عوائق الحرب
"
بعد تحقيق التوسع الأرضي صار للحرب الإسرائيلية أهدافا إستراتيجية وأولويات مختلفة، لعل أهمها حماية ما تم احتلاله، أو ضبط إيقاع المنطقة، بين الحين والأخر، لمنع حدوث تطورات قد تشكل أخطارا وجودية على الكيان العبري
"
بعد حرب عام 1967، لم تعد الحرب بالنسبة لإسرائيل، تهدف إلى تحقيق توسع أرضي وهو الهدف المحوري للحروب الإسرائيلية الكبرى، حيث سيغدو المشهد الإستراتيجي الإسرائيلي مكتملا، كيانا يمتلك مقاييس المناعة الجغرافية، وأرضا قادرة على استيعاب ما يمكن جذبه من يهود الشتات، وفوق ذلك مساحات يمكن أن تضبطها يد الحماية بالإمكانات المتاحة لإسرائيل، وأهمها هنا العامل البشري.

وصار للحرب الإسرائيلية بعد ذلك أهدافا إستراتيجية وأولويات مختلفة، لعل أهمها حماية ما تم احتلاله، (حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973)، أو لضبط إيقاع المنطقة، بين الحين والأخر، لمنع حدوث تطورات قد تشكل -من وجهة النظر الإسرائيلية- أخطارا وجودية على الكيان العبري، مثل اجتياحات لبنان في أعوام 1978، و1982، و2006، وحرب غزة 2008/2009، وهذه كلها يمكن إدراجها تحت مسمى الحروب الصغيرة أو المحدودة الأهداف.

وعلى مدار السنوات التالية وبالنظر للمتغيرات التي ستشهدها بيئة الصراع في الشرق الأوسط، والمتمثلة بخروج طرفين فاعلين منها، مصر عن طريق اتفاقيات كامب ديفد، والعراق بعد احتلاله أميركيا، ستشهد إسرائيل ما يشبه إعادة موضعة لإستراتيجيتها العسكرية، بحيث يتم تكييف قدرات الجيش الإسرائيلي، وعقيدته، مع منطق الحروب الصغيرة والمحدودة الأهداف.

إضافة لما سبق فإن ثمة عاملين معيقين لأي حرب إسرائيلية على سوريا في الأمد المنظور:

العامل الأول سياسي: ويتعلق بالبيئة الدولية، وخاصة الموقف الأميركي في هذه المرحلة، والذي يسعى إلى تحقيق مزيد من الهدوء السياسي في المنطقة بهدف ترتيب الأوضاع العراقية وتأمين خروج آمن للقوات الأميركية من العراق في العام القادم، وهو أمر يمكن التحقق منه عبر رصد ردة الفعل الأميركية على التصريحات الإسرائيلية الموجهة ضد سوريا، والتي تميزت بالانزعاج، وقيام إدارة أوباما ببعث رسائل عاجلة دعت فيها إلى تهدئة الخواطر في الجبهة السورية على ما ذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية.

وبما أن أي حرب في المنطقة تتطلب موافقة أميركية، فإن دمشق -ومنذ ما قبل نهاية عهد الرئيس الأميركي السابق بوش- اطمأنت إلى أن الأميركيين يبحثون عن إستراتيجيات الخروج من الحرب الشاملة، وبات هناك تقدير سوري للموقف يعتبر أن الحرب الأميركية منتهية إلا إذا استطاعت إسرائيل توريط أميركا في مثل هذه الحرب، وهذا هو المفتاح أو الرسالة التي أرسلها وزير الخارجية السوري عندما قال "إذا أقدمت إسرائيل على شن حرب ستقابل بالحرب الشاملة".

العامل الثاني عسكري: ويتعلق هنا بإدراك إسرائيل للقدرات العسكرية السورية، حيث تشير معظم الدراسات في هذا المجال إلى أن الجيش السوري بات يمتلك عنصري قوة، كان يفتقدهما في الماضي، المرونة في القتال الميداني وعامل الصواريخ.

ويدرك الإسرائيليون أن سوريا -التي تنازلت عن مبدأ "التوازن الإستراتيجي"- مالت إلى فكرة الحرب "غير المتماثلة" وجعلتها لب إستراتيجيتها الجديدة والمرتكزة إلى اقتناء صواريخ بالستية متوسطة وبعيدة المدى، بهدف بناء ذراع هجومية طويلة تمنح سوريا مقدرة معينة على تهديد العمق الإسرائيلي.

"
يدرك الإسرائيليون أن سوريا -التي تنازلت عن مبدأ "التوازن الإستراتيجي"- مالت إلى فكرة الحرب "غير المتماثلة" وجعلتها لب إستراتيجيتها الجديدة والمرتكزة إلى اقتناء صواريخ بالستية متوسطة وبعيدة المدى، بهدف بناء ذراع هجومية طويلة لها
"
ويعتبر الخبير الإسرائيلي زئيف شيف أن "التركيز السوري على الصواريخ والقاذفات الصاروخية، لتعويض الضعف البارز لسلاح الجو السوري، وبدل ضرب إسرائيل من الجو، يبني السوريون قوة نار هائلة بواسطة الصواريخ، ليستطيعوا قصف المدن الإسرائيلية من بعيد" .

وتشير تقارير ودراسات عسكرية إلى أنه ومنذ أواخر التسعينيات، بدا الجيش السوري يعزز أفواج القوات الخاصة، التي تماثل بأسلوب قتالها حرب العصابات. وتعتمد نظام تسلح مناسب، يسهل تمويهه وتحريكه، وتركز القوات الخاصة على تنظيم الكمائن المخصصة للدروع والأفراد، والقتال الليلي، وإقامة العقد الدفاعية.

كما تضم تشكيلاتها فصائل متخصصة بصواريخ أرض أرض ذات المدى القصير والمتوسط، وينقل المحلل العسكري الإسرائيلي أليكس فيشمان، عن مصادر أمنية إسرائيلية إن الجيش السوري (يطور الوحدات المضادة للدبابات وسلاح المشاة، وفي هذا الإطار تمت زيادة عديد وحدات الكوماندوز).

عوائق السلام
لعل أهم معوقات السلام بين سوريا وإسرائيل تتمثل في عاملين هامين:

العامل الأول: يتمثل بانعدام الثقة بين الطرفين، وخاصة الجانب السوري الذي يرى في الدعوات الإسرائيلية إلى المفاوضات مجرد غطاء خادع، هدفه تعطيل الفاعلية السورية وكان الكاتب الإنجليزي باتريك سل -الذي ينفرد عن سواه من المحللين والكتاب في الوصول إلى القادة السوريين- قد أشار إلى وجود ريبة سورية حيال طموحات إسرائيل الإقليمية وسعيها إلى الهيمنة على المنطقة والتحكم بعملية التسوية بغية تحقيق هذا الهدف.

العامل الثاني: يتمثل بحاكمية الجولان ومحوريتها في الذهنية الإستراتيجية الإسرائيلية، وعدم وجود جدوى للسلام مع سوريا، وبحسب رئيس الأركان الأسبق -موردخاي غور- فإن إسرائيل لا تستطيع الدفاع عن نفسها من الجهة الشرقية من دون هضبة الجولان، ويؤكد أن الجيش الذي يتطلع من الأماكن السفلى إلى الأماكن العليا ليس جيشا. ويدعم هذا الرأي مركز (هاريج) في واشنطن الذي يعتبر أن الجولان بالنسبة لإسرائيل ذخر إستراتيجي لا بديل عنه، وهو يمنحها عمقا إستراتيجيا حيال الهجمات السورية المفاجئة.

ويذكر أن وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان سبق له أن اقترح، عندما كان وزيراً لـ"التهديدات الإستراتيجية" في حكومة إيهود أولمرت، استبدال بالشعار المطروح "الأرض مقابل السلام" مبدأ "سلام مقابل سلام" واستئجار مساحات من الأراضي لمدة طويلة بدل التنازل عنها لتحقيق السلام، زاعماً أن الانسحاب من الأراضي المحتلة يشجع على طلب المزيد.

"
أيلاند: السبب الأول لعدم جدوى اتفاق سلام مع سوريا هو أنه لن يحقق لإسرائيل أي شيء على سائر جبهات الصراع ولن يزيل التهديد الإيراني النووي
"
ودعا ليبرمان إلى تطبيق هذا النموذج مع سوريا بشأن الجولان المحتل، وقال "إن على إسرائيل أن تكون حذرة من أي سلام مع الرئيس السوري بشار الأسد قبل أن تنسحب من الجولان، المنطقة التي اعتبرها ليبرمان أهم المناطق الإستراتيجية لإسرائيل، وبأنها ورقة مساومة مهمة جداً على إسرائيل عدم التنازل عنها".

أما الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي الجنرال في الاحتياط غيورا أيلاند فأورد أربعة أسباب رئيسية تؤكد أن لا مصلحة إسرائيلية في استئناف المفاوضات مع دمشق بحثاً عن اتفاق سلام وضعت معالمه في المفاوضات السابقة بين البلدين. واعتبر أيلاند أن السبب الأول لعدم جدوى اتفاق سلام مع سوريا هو أنه لن يحقق لإسرائيل أي شيء على سائر جبهات الصراع ولن يزيل التهديد الإيراني النووي.

فسوريا لا تؤثر في طهران -في هذه المسألة- بينما الأخيرة ليست متعلقة بدمشق، وبالتأكيد لا تقيم لها شأناً في هذا الملف. واتفاق سلام مع سوريا لن يحل القضية الفلسطينية، بل قد يؤجج الصراع مع الفلسطينيين لأن استئناف المسار السوري سيأتي على حساب المسار الفلسطيني ويشكل صفعة للفلسطينيين، قد تحضهم على انتفاضة جديدة.

كما أن اعتماد اتفاق مع دمشق على الانسحاب إلى حدود يونيو/حزيران 1967 قد يحبط أي أمل بإنجاز اتفاق مع الفلسطينيين لا يعتمد المبدأ ذاته الذي ترفضه أغلبية الإسرائيليين. إلى ذلك، لن يحل السلام مع سوريا مشكلة لبنان بل قد يفاقمها في ظل تنامي النفوذ الإيراني في هذا البلد عبر "حزب الله".

والسبب الثاني لعدم جدوى اتفاق سلام -حسب أيلاند- يتمثل في عدم ضمان استقرار النظام في دمشق واحتمال أن يقود اتفاق سلام وغزو آلاف السياح الإسرائيليين دمشق إلى العمل على قلب النظام مما سيؤدي إلى سيطرة "الإخوان المسلمين" على الحكم. ومن غير المؤكد أن يحترم هؤلاء اتفاق سلام مع إسرائيل.

السبب الثالث -وهو الأهم برأي أيلاند- يتعلق بالمسألة الأمنية. إذ إن أي اتفاق أمني لن يكون في مصلحة إسرائيل. وإعادة الجولان إلى سوريا ستكون خطراً على أمن إسرائيل وتقرب مدى الصواريخ السورية من المدن الإسرائيلية، فضلاً عن أن سوريا قد توطّن في قرى الجولان جنوداً بزي مدني فتصبح هذه القرى معاقل عسكرية أمامية على غرار بنت جبيل في لبنان.

"
المزاج الإسرائيلي يرفض الانسحاب من الجولان ليس لأسباب أمنية فحسب، بل لأنه لا يريد أن يعيش في بقعة ضيقة كلها إسمنت مكتظة بالسكان، إنما في دولة فيها مصادر مياه ومناظر خلابة وأراض زراعية
"
أما بقاء الجيش الإسرائيلي في الجولان فيتيح تشكيل تهديد فوري على النظام في دمشق مثل وصول القوات الإسرائيلية العسكرية إلى العاصمة السورية بأسرع وقت ممكن. وهذه الحقيقة التي يدركها السوريون جيداً لا تزال تشكل عامل ردع ناجعاً منذ سنوات.

والسبب الرابع والأخير الذي يراه أيلاند تأكيداً آخر على عدم جدوى السلام مع سوريا يتطرق إلى المزاج الإسرائيلي الذي بات يرى في الجولان جزءاً من إسرائيل يرفض الانسحاب منه ليس لأسباب أمنية فحسب، بل لأنه لا يريد أن يعيش في بقعة ضيقة كلها إسمنت مكتظة بالسكان، إنما في دولة فيها مصادر مياه ومناظر خلابة وأراض زراعية.

الطريق الثالث
من الواضح أن ما جرى من تهديدات متبادلة في الآونة الأخيرة بين سوريا وإسرائيل، كان محاولة للبحث عن طريق ثالث، للخروج من حالة الانسداد الراهنة، وليس الهدف من رفع وتيرة منسوب التهديدات، سوى محاولة لتعديل شروط التفاوض التي لا يمكن للكلام العابر للحدود أن يحدها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة