الخرطوم في مواجهة مقصلة مجلس الأمن   
الأحد 1435/5/23 هـ - الموافق 23/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:54 (مكة المكرمة)، 14:54 (غرينتش)
ياسر محجوب الحسين

النوايا الحقيقية
عُقدة الأجندة
مستقبل التفاوض

فشلت مفاوضات الحكومة السودانية مع الحركة الشعبية-قطاع الشمال، ولم يكن الفشل مجرد تكهنات صحفية أو حكما من جهة غير ذات صلة بالقضية، بل كان إعلانا صريحا من جانب الوساطة الأفريقية التي تتوسط في التفاوض بين الجانبين.

فقد وصف الوسيط ثابو مبيكي الرئيس الجنوب أفريقي السابق نهايات آخر جولات التفاوض بأنها وصلت لطريق مسدود وأنه بصدد رفع الأمر لمجلس الأمن والسلم الأفريقي، ومن جانبه منح المجلس الطرفين مهلة حتى الثلاثين من أبريل/نيسان القادم.

أكثر ما تخشاه الخرطوم أن ينتقل الملف إلى مجلس الأمن الدولي الذي ترى فيه ميلا تجاه الطرف الآخر.

وعقب فشل الجولة قبل الأخيرة انهالت قذائف الكاتيوشا على عاصمة ولاية جنوب كردفان إحدى الولايتين المعنيتين بالتفاوض حسب منطوق قرار مجلس الأمن رقم (2046) الذي صدر في الثاني من مايو/أيار 2012.

ترى الخرطوم أن تنظيم قطاع الشمال يريد أن يمارس عملا سياسيا استنادا إلى قوته العسكرية وليس إلى عمله السياسي، هذا فضلا عن ارتباطه بدولة أجنبية
وهو القرار الذي نص فيما نص بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، على أن تتوقف جوبا والخرطوم عن إيواء أو دعم مجموعات متمردة ضد الدولة الأخرى، كما طالب حكومة السودان والحركة الشعبية-قطاع الشمال (المرتبط بالحركة الشعبية في دولة جنوب السودان) بالتعاون الكامل مع فريق الاتحاد الأفريقي ورئيس الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية، بغية التوصل إلى تسوية تتضمن ترتيبات سياسية وأمنية متعلقة بولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان المحاذيتين لدولة جنوب السودان.
 
الجولة قبل الأخيرة من المفاوضات بين الطرفين التي بدأت في 13 فبراير/شباط الماضي نظر إليها بإيجابيه خاصة وقد سبقتها جولات فاشلة أيضا، لم تقدم جديدا في مشكلة معقدة نتج عنها اقتتال مستمر وتوتر لم تفلح اتفاقية نيفاشا (2005) التي أفضت إلى فصل جنوب السودان في يوليو/تموز 2011 في حلها.

بعد الانفصال شُكّل ما عرف بقطاع الشمال في الحركة الشعبية في إشارة إلى ما تبقى في الشمال من مكونات عسكرية وسياسية من الحركة الأم، لكن الحكومة السودانية رفضت الارتباط العضوي سياسيا وعسكريا لقطاع الشمال بدولة الجنوب الوليدة، وهذا الرفض تسنده حجج منطقية لا خلاف حولها.

وترى الخرطوم أن تنظيم قطاع الشمال يريد أن يمارس عملا سياسيا استنادا إلى قوته العسكرية، وبالتالي فرض رؤاه السياسية ليس بالعمل السياسي المدني ولكن باستخدام القوة العسكرية، فضلا عن ارتباطه بدولة أجنبية.

شدة التعقيد التي تحيط بقضية "قطاع الشمال" وعلاقة الخرطوم بجوبا، لم تمنع البعض من التفاؤل هذه المرة، إذ إن الجولتين الأخيرتين جرتا في ظل لقاءات مباشرة بين وفدي التفاوض بينما كانت الجولات السابقة تجري عن طريق تبادل الأوراق عبر الوسيط الأفريقي، كما أنها جرت في ظل ظروف إقليمية معلومة، خاصة الانشقاق الذي أصاب الحركة الشعبية في دولة جنوب السودان وما أعقب ذلك من حرب أهلية دموية ما زالت مستعرة في أحدث دولة في العالم.

فقطاع الشمال يأتي هذه المرة وقد فقد الظهير القوي الذي انقسم على نفسه، وبالتالي لم يعد هناك اعتبار للهدف الذي من أجله أنشأت جوبا هذا الفصيل في "الشمال" الدولة الأم.

النوايا الحقيقية
هناك قناعة راسخة ومتزايدة لدى السودان بأن ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان تمثلان آليتين مناسبتين لمواصلة تحقيق خطة الحركة الشعبية الأم لتشكيل السودان الجديد الخالي من الثقافة العربية والإسلامية، بعد فشلها في تحقيق ذلك في إطار السودان الموحد.

كما أن تركيز العمل المسلح لمتمردي قطاع الشمال على ولاية جنوب كردفان وعلى منطقة جبال النوبة على وجه التحديد، جاء بسبب ما تتميز به من جغرافيا وعرة تلائم حرب العصابات.

فهذه المنطقة تعادل مساحة إسكتلندا، أي حوالي ثلاثين ألف ميل مربع، وهى منطقة سافانا غنية، تهطل عليها أمطار صيفية غزيرة تكفي لإنتاج محاصيل زراعية مهمة خلال موسم الخريف.

المنطقة الآن تقع كثير من مساحتها تحت قبضة الحركة الشعبية-قطاع الشمال، وتؤكد الظروف الموضوعية والسياسية للمنطقة أنها الأقرب للسودان من جنوب السودان، فجوبا تريدها فقط معبرا وآلية للنيل من الخرطوم، لكن الخرطوم في نفس الوقت لا تعير هذه المنطقة الاهتمام اللازم ولا تسعى بجدية لمعالجة قضاياها التنموية ومراعاة خصوصيتها الثقافية.

لكن ما يمكن أن تستثمره الخرطوم أن شعورا قويا لأبناء منطقة جبال النوبة في قطاع الشمال بدأ يسري بأنهم يستخدمون لصالح أجندة لا علاقة لها بقضايا المنطقة، فاللواء تلفون كوكو أحد قادة الحركة الشعبية من أبناء جبال النوبة صدع بالصوت الأعلى ضد ما يشعر به النوبة من تهميش واختطاف لقضيتهم والزج بها في أتون صراع معقد بين الخرطوم وجوبا، بينما منطقتهم تئن تحت وطأة التخلف والجهل والمرض.

وكوكو الذي كان المعتقل الأبرز في سجون الحركة الشعبية بدولة الجنوب منذ العام 2010 حتى 2013 وأطلق سراحه بوساطة فرنسية حيث يقيم اليوم هناك في فرنسا، تتلخص رؤيته في مقال كان قد كتبه قبيل اعتقاله منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
يطمح تنظيم قطاع الشمال إلى منح رئيسه مالك عقار منصب كبير مساعدي الرئيس، ووزارة مركزية مؤثرة لرئيس الوفد المفاوض ياسر عرمان، فضلا عن منصبي الوالي في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان
يقول في هذا المقال إنه أدرك مؤخرا أن ما قام به أبناء جبال النوبة من خدمة الحركة الشعبية أيام النضال لم يجد التقدير ولا المكافأة، بل الأدهى أنهم خدعوا من قبل الحركة الشعبية عبر المنفستو (البيان التأسيسي) الأول لها.

ويرى كوكو أن قيادات الحركة الشعبية لم تكن أمينة مع نفسها ومع شركائها عندما كانت تعرض قضية الجنوب مع دول "الإيغاد" وأصدقائها فكان همها قضية جنوب السودان مما جعل "الإيغاد" تركز فقط على الجنوب دون القضايا الأخرى. وآخر المغضوب عليهم من أبناء جبال النوبة كان اللواء خميس جلاب حيث فصل من الحركة بداية الشهر الحالي.

عُقدة الأجندة
خلافات عميقة حول أجندة التفاوض بين الوفدين أطاحت بمسيرة التفاوض بين الجانبين في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، وحاول الوسيط ثابو مبيكي تجميل فشل الجولة وقال إنه تم تعليق المفاوضات لمدة عشرة أيام لمزيد من التشاور بين وفدي التفاوض وقياداتها.
 
الخلاف بين الطرفين لم يغادر مربع الاتفاق على الأجندة، فالخرطوم تصر على أهمية الالتزام بقرار مجلس الأمن رقم 2046 بشأن حصر التفاوض في قضايا منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان الأمنية والسياسية والإنسانية، فيما تصر الحركة على مناقشة قضايا قومية تتجاوز المنطقتين.

على ما يبدو ليس الهدف الحقيقي للحركة الشعبية هو القضايا القومية بقدر ما هو الحصول على قسمة مقدرة من "كيكة" السلطة بقوة السلاح، فالحرب مستعرة بين الحكومة السودانية ومتمردي الحركة الشعبية في المنطقتين منذ أمد ليس بالقصير بُعيد إعلان نتيجة الانتخابات الأخيرة وفشل مرشح الحركة بالفوز بانتخابات والي الولاية، وعليه يمكن تفسير لجوء الحركة إلى قصف مدينة كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان بعد ساعات معدودة من فشل المفاوضات مباشرة.

المطالب التي لم يفصح عنها وفد قطاع الشمال وظلت مغلفة ومستترة خلف مطالب بشمول الأجندة قضايا قومية تتجاوز قضايا المنطقتين، تتلخص في انتظار الحصول على نصيب مقدر من "كيكة" السلطة.
 
ويطمح تنظيم قطاع الشمال إلى منح رئيسه مالك عقار منصب كبير مساعدي الرئيس، ووزارة مركزية مؤثرة لرئيس الوفد المفاوض ياسر عرمان، فضلا عن منصبي الوالي في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان.

المراقبون يؤكدون أن ذلك كاف لصمت البنادق.. تاريخ تفاوض الحكومة السودانية مع حركات التمرد المسلحة العديدة يشير إلى أنها أكبر محرض على رفع السلاح ضد الدولة لمنحها ميزات تفضيلية كبيرة لمن يرفع السلاح، بل إن من يرفع السلاح لا يحصل على المناصب فحسب بل قد يحصل على دولة كاملة مقتطعة من الوطن كما حدث في انفصال دولة جنوب السودان.

المفارقة أن رئيس وفد الحركة المفاوض ليس له علاقة بأي من المنطقتين، فهو من مواطني ولاية نهر النيل شمال الخرطوم.

الحزب الشيوعي السوداني أيضا متهم باستخدام الحركة كحصان طروادة للوصول إلى الحكم، إذ لا ينتظر الحزب فوزا في أي انتخابات سواء في عهد النظام الحالي أو ظل أي نظام آخر، إذ لا تجد أطروحاته قبولا لدى الشارع السوداني المحافظ والمتدين، مع الإشارة إلى أن رئيس وفد الحركة المفاوض هو في الأصل "كادر" شيوعي منذ أن كان طالبا في المرحلة الجامعية.

ودعا عرمان إبان عضويته في البرلمان السوداني صراحة إلى إعادة النظر في حد الزنا. وفي آخر انتخابات سبقت الانفصال رشحت الحركة الشعبية ياسر عرمان لينافس الرئيس عمر البشير، لكن مستشار الحركة منصور خالد كتب ناصحا قيادة الحركة بأن عرمان مصنف شيوعيا، الأمر الذي كون صورة لا تساعد على نيله أصوات المواطنين السودانيين الذين وصفهم بالمحافظين.

وقبل أيام صرح الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني بأن عرمان "كادر" شيوعي.

وتتفق أطروحات الحزب الشيوعي مع أطروحات الحركة بشأن محاربة أي توجهات عروبية إسلامية في السودان، وهناك مقولة مشهورة لقائد الحركة الأم السابق جون قرنق هي أن "الإسلام خرج من الأندلس بعد عدة قرون، فما الذي يمنع خروج العرب والمسلمين من السودان وقد بقوا حتى الآن مدة أقل مما بقي العرب والمسلمون في الأندلس".

ويقول منفستو (بيان) الحركة (قطاع الشمال) المنشور في موقعها الإلكتروني: "تتجلى أمراض (...) الأزمة العامة للحكم في السودان القديم في التصورات الذاتية المشوهة لمجموعات الأقلية الأفريقية العربية الهجين عرقيا وثقافيا ودينيا، وإلصاقها لنفسها هوية أحادية إسلامية عربية، وفرض هذه المجموعات لهذه التصورات المشوهة كإطار لهوية السودان ككل".
 
لا يبدو أن الضغوط الحالية كافية بالقدر الذي تجبرهما على تقديم التنازلات الضرورية، لا الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها الخرطوم ولا اضطراب الأوضاع في دولة جنوب السودان
وورد أيضا بذلك المنفستو أن "تاريخ السودان لم يبدأ مع الإسلام أو هجرة الناس من الجزيرة العربية إلى أفريقيا".

ويقول ذلك المنفستو كذلك "إن سياسة البلاد الخارجية غير متزنة تخضع لتوجهات أيديولوجية للمجموعات الحاكمة والنشطة سياسيا مثل القوميين العرب والإسلاميين، مما يوحى وكأن السودان قد أضحى، على وجه الحصر، دولة عربية أو إسلامية أو في أحسن الفروض، ذات توجهات منحازة".

كذلك إن حديث الحركة الشعبية عن الديمقراطية والاعتراف بالآخر في المنفستو يكذبه الواقع في دولة جنوب السودان الوليدة، كما أن الاقتتال العرقي الدموي الذي يدور حاليا هناك يؤكد كذلك أن المنفستو ليس سوى أطر نظرية غير قابلة للتطبيق العملي في الدولة التي تحكمها الحركة الشعبية بالحديد والنار.

مستقبل التفاوض
لا يبدو أن هناك نقطة ضوء في نهاية النفق المظلم، رغم أن التفاوض محكوم بقرار مجلس الأمن رقم 2046 تحت طائلة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فليست هناك ضغوط جدية من المجتمع الدولي على طرفي التفاوض، بينما تستحكم الأزمة الإنسانية في مناطق النزاع.

كما لا يبدو حتى الآن أن الضغوط التي تمسك بتلابيب الطرفين كافية بالقدر الذي تجبرهما على تقديم التنازلات الضرورية، لا الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها الخرطوم ولا اضطراب الأوضاع في دولة جنوب السودان.

ولذلك لن تفيد كثيرا أي مهلة تمنح للطرفين في إذابة ثلوج الجمود بينهما وإحداث اختراق كبير.
ربما تلعب مآلات الحوار السياسي الذي يجري حاليا داخل السودان، وكذلك مستقبل الأوضاع الأمنية والسياسية في دولة جنوب السودان دورا مهما في مستقبل التفاوض، لكن كم من الوقت سيستغرق ذلك؟ ذلك هو السؤال المحير الذي يزيد الغموض غموضا.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة