زلزال سامراء.. بروفة فاشلة لحرب أهلية   
الخميس 1427/2/2 هـ - الموافق 2/3/2006 م (آخر تحديث) الساعة 22:37 (مكة المكرمة)، 19:37 (غرينتش)
فاضل الربيعي


عشية تفجير مرقدي الإمامين الشيعيين في سامراء، بدا المسرح السياسي العراقي، بتجاذباته ومناوراته السياسية التقليدية يتشكل على النحو التالي.

الأميركيون يشعرون بالضيق ويتبرمون علنا من بعض أصدقائهم في العراق، ثم يعلنون أنهم لن ينفقوا مواردهم المالية بعد الآن في سبيل نظام يسيطر عليه "وزراء لديهم ميول طائفية".

وتلك إشارة لا تماريها العين إلى حكومة الائتلاف الشيعي المنصرفة والمرتقبة على حد سواء، وتحديدا إلى وزير الداخلية بيان صولاغ الذي كان مادة للنقد والتشهير العلني، من جانب السفير الأميركي زلماي زاده.

الائتلاف الشيعي نفسه كان يشعر بالضيق والحرج هو الآخر، ويعلن في السر أو العلن عن برمه وخيبة أمله من أصدقائه الأميركيين.

إنهم يضغطون عليه علنا وأكثر فأكثر، ويخلقون من حوله أجواء سياسية مشحونة بالمناورات الكلامية والضغوط، من أجل تفريغ "انتصاره الانتخابي" من مضمونه، بتجريده من الوزارات السيادية.

وردا على تصريحات خليل زاده المهينة لوزير الداخلية صولاغ دعا الائتلاف أطرافا شيعية منها تيار الصدر إلى مساندة مطلبه في طرد السفير الأميركي من بغداد.

الصدريون الذين لا يخفون ضيقهم وبرمهم من المجلس الأعلى قائد الائتلاف ردوا بالرفض مطالبين بالدعوة إلى طرد الاحتلال لا السفير.

في هذه اللحظة وزلزال سامراء يوشك أن يضرب بعنف، كانت العلاقات بين التحالف الشيعي والأميركيين تترنح، وهي على وشك الانهيار.

"
الهدف من التفجير وما أعقبه من عمليات انتقام طائفي وحشية كان واضحا، وهو التعجيل في ساعة الإعلان الرسمي عن أن السبيل الوحيد لفرض فدرالية "الأمر الواقع الشيعية" إنما هو الحرب الأهلية
"
الأكراد من جانبهم لم يكونوا أقل برما من غيرهم وضيقا بعناد الساسة في الائتلاف الذين أبدوا في مناسبات مختلفة رفضهم أي محاولة لقضم صلاحيات رئيس الوزراء الشيعي من جانب رئيس الجمهورية الكردي، متذرعين أثناء مشاورات السليمانية وأربيل طول الشهر الماضي، بأن أي تعديل للصلاحيات يتطلب تعديلا لقانون إدارة الدولة الذي سنه الحاكم المدني بول بريمر.

وهم يرون أن هذا التعديل مستحيل قانونيا قبل تشكيل الحكومة واجتماع الجمعية الوطنية (البرلمان).

ولكنه بالطبع مستحيل قبل ذلك كله، لأنه يمثل تعديا على حقوق المنتصر.

وفي هذه اللحظة أيضا وجد الأكراد أنفسهم بعد سلسلة مداولات فاشلة مع الائتلاف الشيعي يضطرون إلى الإعلان بلغة متبرمة أيضا أن هدف حكومة "الوحدة الوطنية" المنشود سوف يصبح مستحيلا، دون تخلي الائتلاف عن بعض المواقع الحساسة، وفهمت هذه على أنها تنازلات لصالح القائمة العراقية بقيادة علاوي.

جبهة التوافق السنية من جانبها لم تكن أقل برما وضيقا من الجميع، وشروطها للدخول في حكومة "وحدة وطنية" وفي مقدمها شرط إخراج وزارتي الداخلية والدفاع من يد الائتلاف، جوبهت برد فعل عنيف سرعان ما أصبح علنيا وغطى معظم وسائل الإعلام "الشيعية".

وراحت تلك الوسائل تتحدث عن "الاستحقاق الانتخابي بديلا عن الاستحقاق الوطني"، وتسخر من الذين ندموا على عدم مشاركتهم في الانتخابات السابقة ثم عادوا يطالبون بما "لا يستحقون".

في هذه الأثناء (ليلة الثلاثاء السابقة على تفجيرات سامراء) وصل مسعود البرزاني إلى بغداد فجأة، لتبدأ واحدة من كبرى المناورات السياسية الكردية: مشاورات علنية وعاجلة مع قائمة علاوي وجبهة التوافق السنية، وبعض القوائم الصغيرة دون حضور ممثلي الائتلاف الشيعي.

وكان ذلك متوقعا، لأن الأكراد يمكنهم، في مواجهة عناد القائمة الشيعية ورفضها التنازل المزدوج، عن حقيبتي الداخلية والدفاع وتقليص صلاحيات رئيس الوزراء أن يفتشوا عن تحالفات جديدة تحقق أغلبية معقولة في الجمعية الوطنية 138 مقعدا، مقابل 124 للشيعة، بما يجعل من تشكيل حكومة الجعفري الثانية أمرا متعذرا.

في هذه الأجواء المشحونة وفي ما يبدو أنه "زلة لسان مقصودة" تسربت من مكتب وزير الداخلية صولاغ، تداول العراقيون بكثير من الاستغراب والذهول كلاما اعتبر أولى طلقات التحذير التي يطلقها الائتلاف في وجه حلفائه وخصومه.

التحذير المبطن غرضه ظاهريا الحد من استمرار المناورات السياسية على حساب الانتصار الانتخابي للائتلاف، "إذا كانوا يريدون انتزاع الوزارات السيادية من أيدينا، وقضم صلاحيات رئيس الوزراء فليذهبوا وحدهم لتشكيل حكومتهم في بغداد، أما نحن فسوف نذهب إلى هناك إلى الجنوب".

وتلك كانت أول إشارة إلى أن من يريد أن ينتزع من الائتلاف وزارتيه الأثيرتين على قلبه ينبغي أن يجرب ذلك "بالقوة".

زلة اللسان هذه لم تكن بالضبط زلة لسان، بل كانت تلميحا يتضمن ما يكفي من التصريح بإمكانية التعجيل بإعلان "فدرالية الأمر الواقع الشيعية" من خلال اللجوء إلى السلاح، ردا على محاولات إرغام الائتلاف على التنازل لصالح علاوي.

في هذه الأجواء ضرب الزلزال مدينة سامراء، وفي أعقابه نزلت قطعان من المجرمين الفالتين من أي عقاب، ليرتكبوا جرائم قتل بشعة يندى لها الجبين، كما حدث للصحفية اللامعة الشهيدة أطوار بهجت التي اختطفت وقتلت ثم قام المجرمون بدهسها بواسطة مدرعة.

ومع ذلك كله ليست معرفة الفاعل فور وقوع الجريمة مهمة، إنما المهم معرفة أهدافها.

في الجرائم الكبرى التي تطال الجماعات لا الأفراد المتفرقين، يمكن معرفة الجاني والوصول إليه من معرفة وتتبع مقاصده وأهدافه والتنبه لها.

وإذا ما عرفت الأهداف بات من السهل تحديد المتهم والوصول إليه، هكذا يقول خبراء الجريمة.

وأيا كان اسم الفاعل إذن أو الجهة التي تواطأت معه أو تلك التي سهلت ودعمت مهمته بحيث يصل إلى مخفر الشرطة داخل المرقد بسهولة تامة مرتديا ملابس مغاوير الداخلية، ثم يقوم بسهولة أيضا باعتقال خمسة من أفراد المخفر دون أن يقتلهم -وهذا أمر مثير بالفعل-، فإن الهدف من التفجير وما أعقبه من عمليات انتقام طائفي وحشية، كان واضحا"، وهو التعجيل في ساعة الإعلان الرسمي عن أن السبيل الوحيد لفرض فدرالية "الأمر الواقع الشيعية" إنما هو الحرب الأهلية.

وحول هذا الهدف تلاقى شركاء كثر، ولكن إذا كان هذا هو الهدف الحقيقي من تدبير الهجوم الغاشم على المرقد المقدس، وبعده على المساجد وأماكن العبادة، وهو هدف يكاد يجمع المراقبون والسياسيون وحتى عامة الناس على أنه هدف مباشر، فإنه انتهى عمليا، ودون رغبة وإرادة المخططين له إلى فشل ذريع.

"
زلزال سامراء الرهيب كان وبأتم المعاني، نوعا من بروفة فاشلة أخفق صناعها في خلق مشاعر متأججة وصاخبة تعجل في إعلان الفدرالية الشيعية كأمر واقع، أو تحويلها إلى مطلب شعبي عبر التلاعب بمشاعر البسطاء
"
بدلا من خلق موجة عارمة ومتواصلة من العنف الطائفي، تنتهي بتوسع رقعة القتال ثم تدخلات ومناشدات سياسية من كل مكان لفض الاشتباك، يعقبه "إعلان انفصال" عن المركز الضعيف في بغداد ثم بزوغ فدرالية شيعية في الوسط والجنوب، تولدت على العكس مشاعر عارمة من السخط والخوف الجماعي الغريزي من الفتنة، دفعت أوساطا شيعية وسنية دينية وشعبية إلى تطويق أعمال العنف بسرعة، والتنديد بقوة "بأولئك الذين كانوا يؤججون نيران الفتنة بتصريحاتهم الطائفية".

وبلغ التنديد حدا تم فيه توجيه اتهام صريح إلى الائتلاف الشيعي بقيادة الحكيم، وتحميله المسؤولية عن هذه الأعمال، كما جاء في البيان الصادر عن اجتماع تيار الصدر والمدرسة الخالصية الشيعية وهيئة علماء المسلمين في 25 فبراير/ شباط.

زلزال سامراء الرهيب كان وبأتم المعاني، نوعا من بروفة فاشلة أخفق صناعها في خلق مشاعر متأججة وصاخبة تعجل في إعلان "الفدرالية الشيعية" كأمر واقع، أو تحولها إلى مطلب شعبي عبر التلاعب بمشاعر السكان البسطاء.

ما حدث هو أن تفجير المرقد ثم حرق مساجد أهل السنة وتدنيس المصحف أدى بالعكس من إرادة الفاعلين إلى خلق معطيات جديدة على الأرض، أهمها أن حلم تفكيك العراق إلى دويلات قد يتحول إلى كابوس يقض مضاجع الحالمين، وأن استقطابا جديدا قد ينشأ خارج وداخل الوسط الشيعي نفسه سيحول هذا الكابوس إلى جحيم.

ذلك وحده ما يفسر السبب الذي دفع عبد العزيز الحكيم إلى عقد لقاء عاجل للزعماء الشيعة، ومن بينهم رئيس الوزراء المؤقت المنتهية ولايته إبراهيم الجعفري، وليقول أمام الصحفيين بعد ثلاثة أيام دامية إنه يدعو الشيعة والسنة إلى الوحدة، وتلك كانت إشارة أخرى من إشارات الفشل الذريع، وبكل المقاييس كان الإعلان فاشلا وكانت البروفة الأولى فاشلة.

ومع أن الدمار الناجم عن التفجير كان واسع النطاق، فإن الحصيلة المرجوة كانت بخسة، إذ إن كل ما حصل عليه مدبرو الهجوم من نتائج ظل محدودا للغاية.

زوبعة جديدة من أعمال القتل والتخريب يدرك العراقيون أنها كانت تتوالد أمام أبصارهم وفي كل لحظة من لحظات الاحتلال الأميركي، من رحم الفوضى نفسها التي ضرب إعصارها العراق في أبريل/ نيسان 2003.

الحالمون بفدرالية "الأمر الواقع الشيعية"، هم من أدرك قبل غيرهم وفي أعقاب زلزال سامراء وتوابعه أن العنف لا يحقق أحلاما من هذا النوع.

والعراقيون الذين يتعايشون مع الموت لحظة بلحظة ويألفون وجهه فلا يخطؤون في التعرف إليه باتوا اليوم في حقبة ما بعد سامراء أكثر إدراكا لمعنى المناورات السياسية الدائرة من حولهم، التي تقودها طبقة سياسية فاسدة شديدة النهم للسلطة والمال.

لنتذكر أن غالبية العراقيين من البسطاء ممن لم يكونوا يعرفون أي شيء عن الفدرالية وبعضهم سمع بها لأول مرة مع مجيء الأميركيين كانوا يبدون على نحو ما نوعا من التأييد للفكرة التي قيل لهم إنها الحل المثالي والنموذجي لمشاكل العراق.

ووصل الأمر ببعضهم حد التصويت لصالحها في استفتاء الدستور، لكنهم أصبحوا الآن وفي حقبة ما بعد سامراء أكثر عداء ومقتا للفدرالية والفدراليين، لا لشيء إلا لأنها تلازمت الآن في ذاكرتهم السياسية مع الصورة المريعة لشبح الحرب الأهلية.

هذا الشبح الذي تراءى لهم وكأنه يتجول بين أنقاض قبتي الإمامين الشيعيين وحطام المساجد السنية وصفحات القرآن المتناثرة والمحترقة.

قبل حقبة سامراء كان الكثيرون يرددون النبوءة التالية:

العراق على وشك الانزلاق إلى حرب أهلية.

"
ثمة معركة ضارية تلوح في الأفق، لكنها لن تكون أبدا بين الشيعة والسنة، بل بين معسكرين أحدهما وطني مناوئ للاحتلال، وآخر مرتبط به عضويا، فيكون القتال على قاعدة أكثر وضوحا وأقل قابلية لأي نوع من الالتباس
"
والكثيرون في حقبة ما بعد سامراء، سوف يرددون نبوءة أخرى بأن ثمة معركة ضارية تلوح في الأفق، لكنها لن تكون أبدا بين الشيعة والسنة، بل بين معسكرين، أحدهما وطني مناوئ للاحتلال، وآخر مرتبط به عضويا، فيكون القتال على قاعدة أكثر وضوحا وأقل قابلية لأي نوع من الالتباس.

وفي حقبة ما بعد سامراء أيضا سوف يرغم الواقع كل الطائشين على التأمل في مغزى هذا التلازم المثير بين الفدرالية والحرب الأهلية في الذاكرة الشعبية العراقية التي أعيد تشكيلها عبر التضليل والخداع.

في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ العراق الحديث وحين وقع زلزال سامراء فقط وتتالت رجاته العنيفة لتضرب من بغداد غربا حتى البصرة جنوبا، أدرك العراقيون الحقيقة التالية، ثمة من يتلاعب لا بالكلمات، بل بمصيرهم وقدرهم وخياراتهم التاريخية.

فالفدرالية لا تعني بالضبط فدرالية، بل هي اسم حركي لحرب أهلية مستترة، والحرب الأهلية ليست بالضبط، وكما هو مألوف حربا بين طوائف برهنت على أنها ليست طوائف وإنما هي مدارس مذهبية وفقهية، بل هي حرب جماعات أعماها الطمع السياسي فراحت تقطع أوصال العراق.

محن من هذا النوع لها أفضال على الممتحنين من البشر، وفضل زلزال سامراء لن ينسى لأنه أيقظ العراقيين على هول ما يدبر لهم في الظلام.

ولكن، كما أن العراق متمنع عن الانزلاق إلى الحرب الأهلية بفعل جملة عوامل داخلية عميقة، تاريخية وثقافية كبرى عملت على حمايته حتى الآن من التمزق رغم موجات الغزو المتعاقبة، فإنه يمكن أن يكون متمنعا حيال فكرة تحويله إلى "دويلات عثمانية جديدة" في غياب العثمانيين وفي حضور منافسيهم الإيرانيين.

من يريد انتزاع الفدرالية بالقوة عليه أن يستعد لدفع ثمن باهظ، هناك في الوسط والجنوب، وليس هنا في بغداد فقط، فذلك ما يقوله العراقيون اليوم ردا على "زلة لسان" صولاغ.

الزلزال المتوقع ضرب في مكان مقدس. نعم. والعراق خرج معافى من الجحيم. نعم. والبروفة كانت فاشلة .نعم. واكتشف الجميع أن خطر الحرب الأهلية قد لا يبدو وشيكا". نعم وبكل تأكيد، ترى كم سيبدو مختلفا عراق ما بعد سامراء الطالع من المَطْهر؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة