الشعب يريد.. وأنا المواطن أريد أيضا   
الاثنين 1432/6/7 هـ - الموافق 9/5/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:32 (مكة المكرمة)، 14:32 (غرينتش)
زياد منى


"الشعب يريد إسقاط النظام" نداء تردده حناجر ملايين البشر، في شوارع مختلف أنحاء وطننا العربي، الكبير والصغير في آن، التواقون إلى الخلاص من عقود من الظلم والتبعية والاستهانة بهم بوصفهم بشرا، وتعبير عن الطموح إلى طلاق قرون التخلف الاقتصادي والثقافي والسياسي والاجتماعي.

الشعار تعبير عن سأم "الشعب" من الوضع الذي يجد نفسه فيه في مطلع العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.

لكنه شعار يشي بما لا يريده "الشعب"، وليس بما يريده.

و"الشعب" يردد: حرية، ديمقراطية، عدالة، مساواة.

ما الحرية؟
ما الديمقراطية؟
ما المساواة؟
ما العدالة؟
ما الشعب؟

"
"الشعب يريد.." تعبير مكثف عن حالة ضياع وصلت إليها مجتمعات عربية، "بفضل" الأنظمة الممتطية ظهورنا منذ الأبد، وتريد أن تبقى عليها إلى الأبد
"
* "أنا حرٌ. سأعتلي ظهر هذا البناء المرتفع وألقي بنفسي من هناك. حياتي ملكي وأنا حر التصرف بها"! تلك كانت إجابة رفيق درب عندما سألته عن معنى "الحرية".

هو لم يعبر عن نواياه الآنية أو المؤجلة، وإنما لفت الانتباه إلى إشكالية معنى الكلمة والتباسها.

مع ذلك، فإننا نرددها يوميا، في حياتنا الخاصة والعامة، والآن في شوارع المدن وميادينها وأزقتها.

ثم سألت رفيقا آخر عن معنى الحرية فأجابني: حرية الآخر تقف عند حدود حريتي الشخصية، وحريتي الشخصية تنتهي عندما تبدأ حدود حرية الآخرين!

مع ذلك، لم أرض عن أي من الإجابتين.

إذا كان معنى الحرية ملتبسًا في المجال الشخصي، فما حال معناه الاجتماعي، أي حرية الشعب.

"الشعب يريد.." تعبير مكثف عن حالة ضياع وصلت إليها مجتمعات عربية، "بفضل" الأنظمة الممتطية ظهورنا منذ الأبد، وتريد أن تبقى عليها إلى الأبد.

الحرية تعني لي، أنا المواطن، المقدرة على العيش بكرامة وليس عالة على أحد، والتحرر من الأغلال التي تقيدني ماديًّا وفكريًا، شخصيًا واجتماعيًا، على كافة الصعد المادية والروحية، الفكرية والاقتصادية.

الحرية تعني لي، أنا المواطن، أن أكون حرًا حقًا، ما أمكن، لا الوهم أني حرٌ.

كثر من الناس في هذا العالم يتوهمون أنهم أحرار، لكنهم ليسوا كذلك.

طموحي لنيل الحرية الحقيقية، لا الوهم بأني نلتها، يتحقق بمعرفة القوانين الاجتماعية والاقتصادية، وقوانين الطبيعة، وغيرها، التي تتحكم في تطور المجتمعات والأفراد، إما لتكون دليلا للاهتداء بها، وإما لتفاديها.

مثل: من دون معرفة قوانين الجاذبية، الطيران كان حكرًا على الطيور والمجنحات.

فقط عندما عرف البشر قوانين الطبيعة ذات العلاقة، وكيفية التسرب من مساماتها، صار بإمكانهم التحليق بعيدًا، وحتى الوصول إلى القمر.

وعليَّ معرفة قوانين الاقتصاد ومحركاته، وأمامي تجارب العالم كله والمجتمعات البشرية عبر التاريخ. علي أن أدرسها، وأتعلم منها ما أمكن التعلم منها، وما وجب تفاديه.

من دون معرفة ذلك تبقى الحرية وَهَم يضيع المرء فيه، وسيثور من جديد ليردد "الشعب يريد.." و"الشعب لا يريد..".

وهْم المرء بأنه حصل على مراده لا يعني سوى تجدد الضياع والسقوط مجددًا في الهاوية.

* الديمقراطية مفردة يونانية الأصل، تعني "سلطة الشعب". لكن: من الشعب؟

أفلاطون، الفيلسوف، عرّف هذا المصطلح بأنه: حكم المحكومين! لكن أول من مارس هذا النظام الاجتماعي كان في المدن-الدول في سومر في جنوبي العراق.

العراق اليوم مسكين، فقد ابتلي بديمقراطية الغزاة القادمين من الغرب.

الغرب الرأسمالي، الدائم التبجح بخياراته المادية والروحية، صادر المفهوم واحتكر حق تعريفه، لكن الأمر التبس عليه، فصار ثمة "الديمقراطية المسيحية"، و"الديمقراطية الاجتماعية"، و"الديمقراطية الليبرالية"، و"الديمقراطية الاشتراكية"، وكل منها تحوي اليمين والوسط واليسار، ويمين الوسط، ويسار الوسط، ويسار اليمن، واليمين الليبرالي ..إلخ.

هذه التفرعات لم تبتدعها مخيلتنا وإنما تعلمناها في جامعات الغرب، ونقرؤها في كتبه.

في عالم السياسة، المفهوم العام لـ"الديمقراطية" يعني النظام التمثيلي أو البرلماني، المنتخب.

منظرو هذا النظام السياسي يسوغون إطلاق التسمية ديمقراطية، بمعنى، حكم المحكومين، من منطلق أن "الشعب" اختار ممثليه بحرية!! وهذا يعيدنا إلى المربع الأول.

ما الحرية؟!

تسمية تلك المجتمعات بأنها "ديمقراطية" غير صحيحة. فأي تعريف لمجتمع يجب أن يعكس العلاقات المكونة للأساس، أي: العلاقات الاقتصادية التي تتحكم بها.

الرأسمالية هي النظام الاقتصادي في تلك "الديمقراطيات".

والرأسمالية تعني أن الربح المادي أساس تطور المجتمع.

بناء على ذلك، فإن قيمة الإنسان في تلك المجتمعات تكمن في مردوده المادي، بصفته خادمًا لرأس المال، ومستهلكًا لما ينتجه.

رأينا ذلك على نحو فج في الأزمات الاقتصادية الأخيرة التي عصفت بالعالم الرأسمالي، وكيف استخدمت حكوماته ثروات الشعوب لدعم رأس المال والمصارف، وحجبتها عن الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

وهاهي تتكرر في هذه الأيام بإفلاس دول أوروبية، اليونان وأيسلندا وأيرلندا وإسبانيا والبرتغال، دول بحر البلطيق، والبقية تأتي: بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا.

لنسمي الأمور بأسمائها الحقيقية، من دون مواربة أو لعب على الكلمات.

* "الشعب"!. ما الشعب؟ الشعب جماعة متخيلة، والبعض يفضل مصطلح "قومية" و"أمة".. إلخ.

"الشعب" لا يعني السكان.

ومن الشعب؟

الشعب مفهوم عن حالة اجتماعية اقتصادية تتغير بحسب الظروف.

الشعب يكبر ويصغر، ويكتشف الناظر فيه بتمعن ودقة أنه في كل شعب ثمة "شعوب".

الثبات من صفات الخالق فقط. ما عدا ذلك فكله متغير.

ولأن المجتمعات في حالة حركة دائمة وتغير مستمر، "الشعب" لا يبقى هو نفسه منفصلاً عن محيطه.

لأن "الشعب" حالة اجتماعية، فإن اتجاهها هو ما يحدد طبيعته.

"
يمكن لحركة الشعب أن تكون تقدمية، تقود إلى تغيّر أرقى، أو رجعية، عندما تنزلق في اتجاه مغاير للتطور الاجتماعي التاريخي المترقي، وعلى حساب فئة أو فئات منه
"
يمكن لحركة الشعب أن تكون تقدمية، تقود إلى تغير أرقى، أو رجعية، عندما تنزلق في اتجاه مغاير للتطور الاجتماعي التاريخي المترقي، وعلى حساب فئة أو فئات منه.

لأن اتجاه حركة "الشعب" هي التي تحدد طبيعته وجوهره، فليس ثمة من موقف ثابت تجاهها، من تأييد أو رفض.

في جنوب أفريقيا، قبل انهيار نظامها العنصري، وجد "شعب" (أبيض البشرة) تطور في البلاد عبر فترة زمنية ليست بالقصيرة، بحث عن سعادته على ركام الغير (البشر السود البشرة).

لم ينحاز إليه سوى العنصريين، وأغلبية البشر وقفت ضده.

الأمر ذاته وجد في روديسيا/زمبابوي.

المثل الأكثر قساوة ووحشية يبقى، فلسطين المحتلة ومغتصبها الكيان الصهيوني.

لأن "الشعب يريد.." لا يلزمني بالوقوف إلى جانبه. ليس دوما.

إذا كانت رغبة "الشعب" إلغائي أو محاصرتي، أو الإضرار بي، أنا المواطن، فلن أقف إلى جانبه.

* أنا المواطن، أريد..

الشعب هو المواطن، وأنا المواطن.

أنا المواطن/الشعب، أريد..

أنا المواطن في بلادي، أريد الاعتراف بي مواطنًا.

أريد أن يعرفني البشر بإنتاجاتي وإبداعاتي الخاصة والعامة.

أنا المواطن (البالغ) في بلاد العرب، وليس غير ذلك.

فلا تسألني عن ديني أو مذهبي،
أو عن لون بشرتي،
أو عن قوميتي،
أو عن سلالتي أو عن اسم عائلتي..

وإياك أن تتلو علي مزامير "الأغلبية" و"الأقلية".
أنا المواطن/الشعب، ولست من "الطائفة كذا.. الكريمة".

أنا المواطن، ولست عضوا في أقلية يتكرم عليها بشظايا حقوق.

أنا المواطن، ولست عضوا في "أغلبية" تمنح نفسها حق الهيمنة على الغير، وتتفضل على "الأقليات" بحقوق مواطنة من الدرجة الثانية أو الثالثة، أو العشرين.

فكل أغلبية تستحيل أقلية في هذا العالم الكبير، الصغير.
أنا المواطن في بلادي.
قد أكون مسلمًا أو مسيحيًا أو غير ذلك.
أنا المواطن السني.
أنا المواطن الشيعي.
أنا المواطن الإسماعيلي.
أنا المواطن العلوي.
أنا المواطن الآثوري.
أنا المواطن الدرزي الموحِّد.
أنا المواطن الكردي.
أنا المواطن الأمازيغي.
أنا المواطن الأرمني.
أنا المواطن الشركسي.
أنا المواطن البهائي.
أنا المواطن السرياني الأرثوذكسي.
أنا المواطن السرياني الكاثوليكي.
أنا المواطن الكاثوليكي.
أنا المواطن الأرثوذكسي.
أنا المواطن البروتستانتي.
أنا المواطن اليزيدي.
أنا المواطن الإيزيدي.
أنا المواطن اليهودي.
أنا المواطن الإباضي.
أنا المواطن المتدين.
أنا المواطن المؤمن.
أنا المواطن المديني.
أنا المواطن القروي.
أنا المواطن العربي.
أنا المواطن، وهذا يكفيني.

أنا كل ما سبق وما سهيت عنه، في شخص واحد، وفي كل فرد في بلادنا.

أنا هذا كله، وفي الوقت نفسه، واحد منهم.

أنا المواطن/الوطن/الشعب، لستُ صحراء صفراء قاحلة جرداء، تتخفى في رمالها الأفاعي السامة والعقارب القاتلة، بل جنة غنّاء، يتجلى فيها إبداع الخالق جل جلاله، بها كل ألوان الزهور والورود، أتنشق فيها العطور جميعها، فيزداد إيماني.

أنا المواطن، أتباين عن الغير بكيفية إقامة علاقتي بالخالق عز وجل، وتجمعني بهم مواطنيتي ووطني وآمالي وآلامي.

أنا المواطن، حقوقي، حقوق المواطنة، ليست منّة من أحد، وإنما حق اكتسبته منذ الولادة.

أنا المواطن خلقني ربكم الذي هو ربي، فمن منكم شق قلبي ليعرف ما به!

لذلك، أنا المواطن أريد:

- أن أعرف جاري في البيت وفي العمل وفي الوطن، لا من يكون.

- التعرف إلى دينه ومذهبه، وليس إلى أي منهما ينتمي.

- معرفة تاريخه ومعاناته عبر القرون.

- من جاري أن يعرفني ويعرف معاناتي أيضًا.

- الحياة في منزلي، بيتي الصغير، وفي وطني، بيتي الكبير، بعيدًا من سطوة من يود أن يفرض علي مأكلي وملبسي ومظهري، ومتى أنام ومتى أستيقظ، وما وجب علي قراءته وما علي نبذه والابتعاد عنه... و و و.

- التحرر من وهْم أني حر.

- العلم والترقي الاجتماعي من دون عوائق.

- تكافؤ فرص التطور للجميع.

- احترام اختلافي عن "الآخرين". أنا الآخر، والآخر أنت. نتشابه ونتماثل ونختلف، ثم نلتقي في الوطن وعلى محبته.

- الاتفاق على اتحادنا، جميعًا، على أرضية المواطنة.

"
أنا المواطن، أريد، أولاً وقبل كل شيء، أن تبقى "فلسطين" قضية العرب الأولى، أريد أن نحررها سوية، كي تعود كاملة إلى أهلها، لا ينقص منها حبة تراب
"
- معرفة سبب لهاث السياسي وراء المنصب. فالساسة لهم آلهة خاصة، أمرها عجيب لو تعلمون، يصنعونها تارة من تمر، وعندما يجوعون يلتهمونها. وتارة ثانية من العشب، وعندما تجوع دوابهم يرمون بها لها. ومرة ثالثة من عظام بالية، وعندما تجوع كلابهم، يرمون بها إليها..

أنا المواطن، أنظر الآن حولي فأرى أحزانا ودمارا في زوايا وطني الكبير، أطلال وطن في العراق وفي لبنان وفي الصومال وفي ليبيا وفي اليمن وفي البحرين.. وفي الجزائر من قبل، وفي لبنان قبلها.

أخي المواطن، أنت وأنا المواطن،

والمواطن هو الشعب.

أنت وأنا الشعب.

فلا يحاول أحد منا إقصاء الآخر، فنستحيل قبائل متقاتلة، ونجعل من وطننا أطلالاً.

أخي المواطن، لا تتوقف، لكن قل: أنا المواطن، أريد.. وطنًا لنا جميعًا، لا حقل تجارب.

أخي المواطن، إن كنت تحبني وتحب وطننا حقًا فلنقل معًا: أنا المواطن، أريد، أولاً وقبل كل شيء، أن تبقى "فلسطين" قضية العرب الأولى، أريد أن نحررها سوية، كي تعود كاملة إلى أهلها، لا ينقص منها حبة تراب.

إن لم تقلها وترددها، ساعة بعد ساعة، ويومًا بعد يوم، فأنت لستَ منّا. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة