الأداء السوري..هل يتجاوز الأزمة أم يكون ضحيتها?   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

* بقلم/أكرم البني

تحظى التطورات الجارية في سوريا باهتمام واسع، ويحتاج المرء إلى جهد خاص لفهم طابع الإجراءات والقرارات الرسمية المتلاحقة على اختلاف عناوينها ومضامينها المحلية والإقليمية، فهل أملتها دوافع واعتبارات داخلية، أم أنها تنضوي في إهاب التكيف مع الضغوط والاشتراطات الأميركية، أم لعلها مجرد محاولة لإبقاء الوضع السوري تحت الأضواء كي لا تضيع مصالحه في زحمة مستجدات ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق؟!.

بداية صدر أواخر أبريل/ نيسان الماضي قرار بإلغاء الزي العسكري الموحد في المدارس السورية، ورافقته شائعات عن احتمال إعادة النظر في بعض المناهج المدرسية كمادة "التربية القومية الاشتراكية"، الأمر الذي لامس بقوة أزمة التعليم والتحصيل المعرفي في سوريا، ووضع على بساط البحث مطلب الحد من هيمنة السلطة على المؤسسات والمرافق التعليمية، وتحرير الطالب من أنظمة العسكرة ووطأة التعبئة الأيدولوجية والسياسية، بما في ذلك إلغاء نتائج حملات التطهير المتكررة التي أفرغت الجهاز التدريسي من كل من لا ينتسب إلى حزب البعث الحاكم أو يشك بولائه للسلطة حتى لو كان من خيرة الكفاءات العلمية والتربوية.


القرار السوري
القاضي بالحد من تدخل حزب البعث في عمل مؤسسات الدولة ليس أكثر من قرار شكلي في ظل غياب الحريات والتعددية وفي ظل تاريخ طويل من السيطرة الشمولية وهيمنة حزب البعث المطلقة على مفاصل الدولة

ثم جاء قرار القيادة القطرية رقم 781 الذي ينص على إلغاء قوائم الجبهة الوطنية التقدمية في انتخابات الإدارة المحلية على مستوى البلدات والقرى (على أن يتم إلغائها على مستوى المدن في الدورة القادمة كما أشار وزير الإدارة المحلية).
وإذ ينحو هذا القرار إلى رفع وصاية السلطة جزئياً فإنه عملياً قرار هامشي ومحدود الأثر، خاصة مع الفضائح التي راجت عن استمرار الانتهاكات وتزوير النتائج، ومع ما هو معروف عن مجالس الإدارة المحلية بأنها مجالس صورية تسيطر عليها الطاعة الحزبية والولاءات السياسية لا الكفاءة والثقة، وتفوح من معظم هيئاتها التنفيذية روائح الفساد والمنافع الشخصية، فضلاً على أن السلطات العليا هي إلى الآن صاحبة الحق في "تعيين" لجان الأحياء وأيضاً رؤساء مجالس القرى والبلدات والمدن.

تلا ذلك إحياء قرار القيادة القطرية رقم 408 القاضي بالحد من تدخل حزب البعث العربي الاشتراكي في عمل مؤسسات ومديريات ودوائر الدولة. ورغم أهمية هذا القرار في إلغاء التمييز التاريخي بين البعثي والمواطن العادي، وتالياً سحب الامتيازات الخاصة التي كانت تمنح للحزبي وتفضله عن غيره، فإن ثمة مبالغة كبيرة في قراءة أثر هذا القرار ودوره، إذ اندفع البعض -وربما تحت وطأة الرغبة في إنهاء احتكار حزب البعث للسلطة- إلى اعتباره مقدمة نحو تعديل المادة الثامنة من الدستور السوري التي تجعل حزب البعث قائداً للدولة والمجتمع.

لكنه في واقع الأمر ليس أكثر من قرار شكلي لا تترتب عليه أي نتائج ذات معنى في ظل غياب الحد الأدنى من الحريات والتعددية واحترام الرأي الآخر، وفي ظل تاريخ طويل من السيطرة الشمولية وهيمنة حزب البعث المطلقة على مفاصل الدولة ومؤسسات المجتمع، ناهيك عن أن القرار ذاته يبقي للحزب دوره القيادي المقرر تحت لافتة "التخطيط والإشراف والتوجيه والمراقبة والمحاسبة"، الأمر الذي يظهر أن الدافع الحقيقي وراء إحياء هذا القرار هو حاجة السلطة اليوم إلى توسيع هامش المشاركة الإدارية فقط، وإلى تحسين أداء مؤسسات الدولة المفسدة والمترهلة عبر ضم مختلف الكفاءات المهنية من غير البعثيين إلى صفوفها، وتأتي في هذا السياق الشائعات عن احتمال تعيين رئيس غرفة تجارة دمشق غير البعثي لمنصب رئيس الحكومة.

بعدئذ جاءت بادرة العفو عن بعض الجرائم العادية والاقتصادية لتضعف الأمل في إصدار عفو سياسي يطال المئات من المعتقلين السياسيين العتق الذين أمضى معظمهم أكثر من عشر سنوات في السجون حتى الآن مما أعطى مادة للتندر عن "هذه البادرة في زمن الإصلاح" التي أبقت أصحاب المبادئ والشرفاء في السجون وأطلقت سراح اللصوص والفاسدين.

وأيضاً يعتبر تناطح الصحف المحلية لنشر مقالات عن أهمية الإصلاح السياسي وضرورته وعن الفساد وحملات مكافحته خطوة إيجابية تبعتها خطوة سلبية هي فضيحة الأحكام الصادرة على المتهمين بانهيار سد زيزون والتي لا يمكن أن يقال فيها إلا أنها أحكام متسرعة وجائرة غايتها طي هذا الملف دون التوصل إلى حقيقة ما جرى، فالأحكام أعلنت قبل أن تحدد اللجان الفنية سبباً واضحاً للانهيار يقوم على أساسه الحساب والعقاب، والأنكى من ذلك أنها طالت الموظفين الصغار الذين كانوا كبش الفداء، في حين برأت ساحة الإداريين الكبار الذين يفترض أن يتحملوا أخلاقياً ومهنياً مسؤولية الانهيار، لتفوح في الأجواء رائحة تواطؤ مع بعض أصحاب النفوذ والمال، وتؤكد الحاجة الماسة إلى محاكم مستقلة أو على الأقل إصلاح سلك القضاء مما يكتنفه من ظواهر فساد.

طبعاً لا يصح في الحالة السورية القول إن السبب الوحيد وراء ما نشهده من قرارات حكومية جديدة يعود فقط إلى التطورات النوعية التي شهدتها المنطقة، وإلى طابع الضغوط الأميركية على سوريا وقد شملت في بعض اشتراطاتها البنية الداخلية وضرورة تغير آليات السيطرة، إذ ثمة سبب آخر لا يقل أهمية ويرجع إلى النتائج الهزيلة التي أسفرت عنها تجربة ثلاث سنوات من التفرد بمسار الإصلاح الاقتصادي والإداري، وعجز هذا الأخير عن تحقيق الأهداف والآمال المرجوة منه.

على الصعيد الإقليمي حمل وزير الخارجية الأميركي كولن باول إلى دمشق ثلاثة اشتراطات أولها كف اليد السورية عن التدخل في شؤون العراق، وإغلاق الحدود المشتركة، وطرد الفارين من قادة النظام العراقي، ثم تحييد الموقف السوري إزاء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، بما في ذلك تأييد مشروع خريطة الطريق، وإغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية المعارضة في دمشق، وأخيراً سحب الجيش السوري من لبنان بالترافق مع نزع أسنان حزب الله.


الإدارة الأميركية راضية عن الأداء السوري ومطمئنة تماماً إلى الروح العامة التي تحكم سياساته، روح التفاهم والتعاون لا روح التحدي والصدام
يمكن القول حتى الآن إن الإدارة الأميركية راضية عن الأداء السوري، وأنها مطمئنة تماماً إلى الروح العامة التي تحكم سياساته، روح التفاهم والتعاون لا روح التحدي والصدام، الأمر الذي يوضح في رأي الكثيرين استمرار إطلاق عبارات التقدير التي تفصح عن "وفاء أميركي" لما قدمته سوريا من معلومات وتعاون خاصة في حملة مكافحة الإرهاب، ويفسر تأجيل مناقشة قانون محاسبة سوريا أمام الكونغرس الأميركي.

الرضى الأميركي هو تحصيل حاصل لنجاح موجة التهديدات والضغوط الأميركية في تقليم أظافر النظام السوري والحد من نفوذه، والملاحظ أنها تسعى اليوم إلى توظيف هذا النجاح في تحوير الدور الإقليمي السوري بما يدعم خطواتها سياسياً وعملياً في المنطقة.

تشير بعض التصريحات الأميركية إلى الرغبة في دور سوري إيجابي عراقياً جوهره دعم المجلس الوطني الجديد والمشاركة في إعادة الاستقرار والأمن إلى هذا البلد، وربما يعني ذلك تعاون سوري للحد من عمليات المقاومة العسكرية التي تجري ضد القوات الأميركية، خاصة لجهة تشديد الرقابة الحدودية، والعمل على كشف وإغلاق قنوات الدعم والمساندة غير الرسمية التي يقال إنها تمر عبر الأراضي السورية.

والأرجح أن لا تلجأ واشنطن كي تحقق غرضها إلى التهديد العسكري أو التلويح بالعقوبات الاقتصادية، بل الى سياسة الترغيب والوعد مثلاً بفتح السوق العراقية أمام البضائع والمنتجات السورية، بما يخفف من حالة الركود والتأزم التي يعانيها الاقتصاد السوري.

على الصعيد الفلسطيني لا يمكن أن تكتفي الإدارة الأميركية بموقف سوريا المحايد تجاه خريطة الطريق وإعلانها "قبول ما يقبل به الفلسطينيون"، ولا بإجراء إغلاق المكاتب الرسمية الفلسطينية في دمشق ونقلها إلى المخيمات المحيطة، إذ تعتبر واشنطن أن ما حصل خطوة ناقصة خصوصاً أنها تمت بمبادرة من المنظمات الفلسطينية لمراعاة الظروف المستجدة وتجنيب السلطات السورية أي إحراجات.

لكن الواضح أن لهجة المطلب الأميركي بشأن المنظمات الفلسطينية المعارضة ليست على وتيرة واحدة، فهي ترتفع حيناً وتنخفض حيناً آخر اعتمادا على درجة تأزم مسار التسوية الفلسطيني الإسرائيلي، وربما مع رغبة تضمرها واشنطن في اللجوء مكرهة إلى النفوذ السوري للسيطرة على هذه المنظمات وتطويعها.

أما على صعيد لبنان فقد طغت تصريحات كولن باول وشعوره بالارتياح لسحب المزيد من القوات السورية من لبنان على إعلان السلطات السورية بأن إعادة انتشار قواتها لا يمت بصلة إلى الضغوط الأميركية بل يتم وفق قرارات واتفاقات لبنانية سورية مسبقة.

ويحمل هذا الإعلان بعض الحقيقة في ضوء ما رشح عن تبني القيادة السورية رؤية جديدة تبين مضار ومخاطر الحفاظ "عسكرياً" على نفوذ إقليمي وهي محاطة بطوق شبه كامل من الأعداء، وأن السبيل الأجدى هو اعتماد قوى أمنية وعسكرية محلية قادرة على ضبط الوضع اللبناني وإبقائه تحت السيطرة محكوماً باستشارات سورية متنوعة لا راد لها، وبفاعلية سياسية مؤثرة في بنى موالية تماماً كما هو حال تركيبة الحكومة الأخيرة.

وطبعاً لا يضير واشنطن اليوم في ظل انشغالها بالوضعين العراقي والفلسطيني أن تعتمد على النفوذ السوري لإخماد فاعلية حزب الله إقليمياً، والأرجح أن لا تعترض على محاولات دمشق لحرف دور هذا الحزب نحو الشأن الداخلي وتجييره للمساهمة في ترتيب البيت اللبناني على هواها، الأمر الذي تفسره ضمناً كلمات كولن باول بعدم استعجاله خروج الوجود العسكري السوري من لبنان معرباً "عن أمله أن يأتي يوم وبموافقة جميع الأطراف يعود فيه الجيش السوري إلى بلده".


يتنامى لدى الشعب السوري شعور بأن سياسات السلطة الراهنة تسعى لحل أزمتها الخاصة لا مشاكله وأن دوره ما زال مغيباً مع استمرار عقلية السيطرة الشمولية
ولا يزال التنازع بين الضغوط والاشتراطات الأميركية وآليات الرد الرسمي السوري في جولاته الأولى، وهو تنازع أشبه بلعبة شد حبل يرتئي الطرفان الآن أن لا ينقطع. فأميركا هي الطرف الأقوى وبيدها زمام المبادرة في تخفيف حدة الضغوط أو تشديدها وفق توجه احتوائي هو الأرجح بعد انحسار التهديد العسكري، أما
النظام السوري ففي الموقع الضعيف والمتأزم، وهوامش مناورته ضاقت بصورة لم يعرفها منذ عقود، ولا يجد أمامه من اختيار سوى التكيف مع الاشتراطات الأميركية والتعاطي إيجابياً مع مطالبها لكن بضمان أقل الخسائر والأضرار!!

ويجد النظام السوري فرصته في تجاوز الأزمة بالرهان على انشغال واشنطن عنه أو بازدياد حاجتها لدوره في المنطقة وفي مقاومة الإرهاب. ويحاول خدمة هذا الرهان بإبداء مرونة لافتة في عقلنة دوره الإقليمي والاستجابة بصورة شبه مطلقة لبعض مطالب واشنطن، وأيضاً بالعزف على وتر الترغيب بأنه الطرف الأفضل أمام خطورة التيارات الإسلامية المتطرفة التي تتحين فرصة للانقضاض على السلطة والمجتمع، ومن ثم إظهار رغبة واضحة في إجراء إصلاحات داخلية متنوعة غرضها تحسين صورته أمام الرأي العام الغربي عموما والأميركي على وجه الخصوص.

في المقابل يتنامى لدى الشعب السوري شعور عام بخطورة الوضع الراهن وخطورة ما هو آت، وإحساس بأن سياسات السلطة الراهنة تسعى لحل أزمتها الخاصة لا مشاكله، وأن دوره ما زال مغيباً مع استمرار عقلية السيطرة الشمولية التي ترهن كل شيء بإرادتها السياسية، وتسعى إلى إبقاء خيوط الربط والضبط بين أصابعها.

المجتمع السوري يعيش اليوم مخاضاً عسيراً يضعه على مفترق طرق، إما التجاوب مع ضرورات التحول الديمقراطي وتحصين البيت جيداً والتعويض عن انحسار الحضور الإقليمي بوطن حر سليم معافى، أو الإصرار على المناورة وتغليب لغة المصالح الضيقة والدفاع عن امتيازات ومغانم سيكون أصحابها أول ضحاياها.
__________________
* كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة