التشبيح والبلطجة على الطريقة الأميركية   
الأحد 1434/12/23 هـ - الموافق 27/10/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:54 (مكة المكرمة)، 12:54 (غرينتش)
هشام الشلوي

 

في دول ما بعد الربيع العربي كان عدد كبير من الناس يتمنى أو يتصور أن يحظى نشر الحقيقة بقدر كبير من المعقولية والاحترام، لأنهم أيضا كانوا يظنون أن إسقاطهم للأنظمة المستبدة سيُسقط معه مؤسسات الزيف والتزوير والكذب، الإعلامية منها والسياسية والاقتصادية.

وكانت الحقيقة الجلية الواضحة التي لا يشكك فيها إلا تابعو أنظمة الاستبداد أن ثمة ظلما وقهرا ونهبا للمال وللسلطة يقوم به ثلة من مستمدي شرعيتهم ووجودهم من تعاونهم وخضوعهم غير المشروط للغرب ولمصالحه العليا المرتهنة والمرتبطة بشكل مباشر وفج بمصالح إسرائيل.
 
نعم كانت تلك حقيقة لا تقبل كثير جدل أو عنت لدى قطاعات شعبية واسعة، ولدى حركات سياسية إسلامية وعلمانية.

أيضا من رزنامة تلك الحقائق أن الغرب بشقيه الأوروبي والأميركي يتمتع كل دوله فيما بعد الحرب العالمية الثانية بديمقراطية ترسخت مبادئها في وجدان وضمير تلك الشعوب، ومن ثم خرجت من عالم الفكر ورحم الأمنيات الفلسفية إلى عالم المأسسة.
كنا نؤمن بأن الأنظمة المستبدة هي فقط التي تستخدم كل أدوات العنف والقهر المؤسسي لقمع أي حركات احتجاجية على سياساتها الشمولية، وتستخدم في ذلك العنف المادي أو أدوات الاستلاب العقلي الحديثة للحفاظ على بقائها واستمرارها المشوه

وباتت الشفافية والفصل بين السلطات والحريات (المعتقد والتملك والتنقل وإبداء الآراء عبر أحزاب سياسية) والمساواة أمام القانون وحرية الوصول للمعلومات وتداول السلطة بشكل سلس وسلمي، وتوسيع دائرة مشاركة جموع شعبية بصرف النظر عن الطبقة أو الدين أو الجنس، من المسائل الدستورية داخل الضمير الجمعي لتلك الدول، وأنه من غير المقبول أو المسموح به اختراق هذه المضامين السياسية.

كما روجت لنا مراكز دراسات غربية وأخرى تابعة لها عربية ومثقفون (ليبراليون، علمانيون، يساريون) أن دولة كإسرائيل تحظى داخليا بديمقراطية تقوم على كل المبادئ المتعارف عليها في الفلسفة والعلوم السياسية، وأنها رغم احتلالها لبلد عربي هو في نظر شعوب عربية وحركات إسلامية وقومية يحظى بقداسة نفسية وروحية، فإنها استطاعت أن تقاوم عوامل فنائها بإقامة مؤسسات ديمقراطية يحترمها المواطن الإسرائيلي في الداخل، وتتحول مع مرور الزمن إلى أنموذج لتلك الدولة الداخلة حديثا لنادي الديمقراطية في الخارج.

وكنا نؤمن كذلك بأن الأنظمة المستبدة هي فقط التي تستخدم كل أدوات العنف والقهر المؤسسي لقمع أي حركات احتجاجية على سياساتها الشمولية، وتستخدم في ذلك العنف المادي عن طريق أجهزة الدولة (الشرطة والجيش والمخابرات) أو أدوات الاستلاب العقلي الحديثة كالصحفيين والكتاب عبر وسائل الإعلام التقليدية (التلفزيون والراديو والصحف) أو تلك المستحدثة (الإنترنت) مسخرة كل إمكانيات الدولة الاقتصادية والأمنية للحفاظ على بقائها واستمرارها المشوه.

أيضا كان الظن والمعتقد السائد أن دولنا الشمولية تستورد أدوات العنف من المعسكر الشيوعي قبل سقوطه، والمعسكر الغربي، كالعصي وأنواع الطلقات النارية المخترقة لعديد الأجساد في وقت واحد، وسيارات المياه الساخنة، والتي تذكرنا ببعض صور الجحيم عند دانتي.

وكان الشعور السائد أيضا أن هذه الدول الغربية الديمقراطية حتى النخاع لا تستخدم أسلحتها تلك المقاومة للشغب والاحتجاج الاجتماعي ضد شعوبها، لأن هذه الشعوب لديها مؤسسات للصراع على السلطة وحل كل المسائل المختلف حولها عن طريق صناديق الاقتراع وحزمة من المبادئ الدستورية التي تمنع الانزلاق نحو التصادم المباشر والاحتراب الداخلي.

غير أن حقائق أخرى لا تقل أهمية عن كل تلك المزاعم التي رسختها أدوات الدولة الشمولية لدينا، أو تلك التي أقنعتنا بها وسائل الدولة الديمقراطية لدى الغرب، وساقتنا نحو الاحتقار والاشمئزاز من الأولى والتبجيل والتعظيم للثانية، وهي حقائق كشف عنها رجالات كان السياق الغربي هو مجالهم التداولي، ورغم انزواء أصواتهم وعدم قدرتها على خلق تيار عام مناهض ومؤثر في سياسات تلك الدول، لا يقلل ما سطروه أو نطقوا به من أهمية تلك الحقائق.
 
ونأخذ على سبيل المثال لا الحصر استشهادا من مقدمة إدوارد سعيد المفكر الفلسطيني الأميركي لكتاب عالم الكيمياء الحيوية الإسرائيلي الجنسية إسرائيل شاحاك "تاريخ اليهود وديانتهم عبء ثلاثة آلاف عام" وهو ناشط سياسي أي شاحاك ضد عنصرية وإمبريالية إسرائيل ومنتقد كبير أيضا لسياسات منظمة التحرير الفلسطينية لتفريطها غير المبرر من وجهة نظر شاحاك في حقوق الشعب الفلسطيني.

يقول سعيد في مقدمة الكتاب "أتذكر منذ حوالي خمسة عشر عاما، صدر إعلان موت إسرائيل شاحاك، بالرغم من أنه كان حيا بالطبع، ونشرت نعيه صحيفة واشنطن بوست في تقرير نشر بعد أن زارت شاحاك شخصيا صحيفة واشنطن بوست ليثبت لهم أنه ليس ميتا، كما أخبر أصدقاؤه، لكن ذلك لم يغير من موقف واشنطن بوست فلم تنشر تكذيبا للخبر قط! فهو لبعض الناس ما زال ميتا، وهي أمنية خيالية تفضح إلى أي مدى يتسبب هذا الرجل في عدم ارتياح أصدقاء إسرائيل".

وهذا الموقف المتصلب من واشنطن بوست في عدم تكذيب خبر موت إسرائيل شاحاك لا يقل وقاحة وفجاجة عما تقوم به وسائل إعلام عربية عديدة في تزيين الثورات المضادة وجعلها تبدو وكأنها أمل جديد لا يقل في أهميته إن لم يفقها عن التغيير الذي أحدثته شعوب المنطقة في دول حظيت بإسقاط أنظمة ديكتاتورية أو تلك التي ما زالت تطمح وتسعى لإسقاط أنظمة قابعة على آمال شعوبها متسلطة على أرزاقها.
 
وما قامت به واشنطن بوست لا يمثل لدى العقلاء إلا بلطجة وتشبيحا إعلاميا.

جون جنكرمان من صناع الأفلام الوثائقية باليابان، وهو كاتب ومحرر أجرى مقابلة مع نعوم تشومسكي في مايو/أيار 2002، لإنتاج فيلم وثائقي عن حياة ونشاطات تشومسكي السياسية، وهذه المقابلة مطبوعة ضمن كتاب "القوة والإرهاب، جذورهما في الثقافة الأميركية".
الشرطة الأميركية تركت الحرية المطلقة للمعترضين على الاحتجاجات لقمعها وكسرها بل ومنع احتمال قيامها، وهو ما يحيلنا بطريقة آلية إلى بعض صور القمع والضرب والقتل وحرق المؤسسات التي قام بها بلاطجة وشبيحة في دول الربيع العربي
تناول تشومسكي في هذا اللقاء جزءا من ذكرياته النضالية أيام غزو الولايات المتحدة لفيتنام الشمالية، وهو نضال مدني بحت وبعيد كل البعد عن ممارسة العنف.

يقول تشومسكي إنه بحلول العام 1965 أصبحت فيتنام قضية كبرى، ولكن الاحتجاجات قوبلت بعداء شديد، ولنأخذ بوسطن مثالا، فهي مدينة متحررة نوعا ما، ومع ذلك لم نستطع أن نقوم فيها باحتجاجات عامة ضد الحرب، إذ كانت تفرق بعنف ولم يكن ينجو المتكلمون من القتل إلا بمساعدة شرطة الولاية، وكانت وسائل الإعلام الليبرالية تمتدح الهجوم على المحتجين.

عقدنا اجتماعات في الكنائس "يضيف تشومسكي" ولكنها تعرضت للهجوم، فقد هوجمت كنيسة أرلنغتون ستريت في قلب المدينة، وهوجم الاجتماع، ومرة أخرى جاءت الشرطة لمنع المهاجمين من اقتحام الكنيسة وقتل كل من فيها، وكان الناس يعتقدون أنه التصرف الصحيح الذي ينبغي أن يكون.

كما يتذكر نعوم أن زوجته وطفلتيه قد ذهبن للاشتراك في احتجاج نسائي، وهي احتجاجات لا تُقذف فيها الحجارة، بل تسرن فيها النساء صحبة الأطفال، وكان ذلك بضاحية كونكورد الهادئة، ومع ذلك هوجموا، وكان الناس يلقون عليهم العلب الفارغة والبندورة.

يتضح من النص التشومسكي السابق أن البلطجة والتشبيح كما هما أدوات وأساليب الدول الفاشية، فهما أيضا تحت الطلب بالدول المتدمقرطة، ومما قد يُستنبط من الحكاية السابقة ولم يصرح به تشومسكي أن شرطة بوسطن لم تتدخل إلا عندما وصل حد العنف إلى احتمال القتل، وإلا كان من البداية لدى الشرطة إمكانية حماية المظاهرات المدنية أو الاجتماعات داخل الكنيسة، أو احتجاج النسوة بصحبة أطفالهن، وكلها حريات -أي التظاهر والاجتماع- كفلها الدستور الأميركي.

لكن الشرطة تركت الحرية المطلقة للمعترضين على هذه الاحتجاجات لقمعها وكسرها بل ومنع احتمال قيامها، وهو ما يحيلنا بطريقة آلية إلى بعض صور القمع والضرب والقتل وحرق المؤسسات التي قام بها بلاطجة وشبيحة في دول الربيع العربي الثلاث "تونس وليبيا ومصر".

ففي تونس قامت مجموعات تم "تحريشها" بحرق مقار لحزب النهضة الأكثر تمثيلا داخل الجمعية التأسيسية وداخل الحكومة بموجب انتخابات نزيهة، كما حرق بلاطجة مقرات أحزاب بليبيا (تحالف القوى الوطنية وحزب العدالة والبناء وحزب الوطن) بالعاصمة طرابلس وعدة مدن ليبية أخرى.

مصر المجال والفضاء الأوسع والأكبر لممارسات البلطجة، إذ قاموا بحرق كنائس ومؤسسات حكومية وحزبية، بل قتل وسحل معارضين للانقلاب العسكري الفاشي في الثالث من يوليو/تموز الماضي، وكان ذلك برعاية ومباركة أجهزة الأمن التي مثلت دور العاجز عن كبح جماح هؤلاء البلاطجة بطريقة تدعو للسخرية.

إذ بعد الانقلاب مباشرة كشرت هذه الأجهزة عن بالغ بطشها وقدرتها على تحقيق انتصارات في قرى ومدن مصرية صغيرة، والقبض على الآلاف من المحتجين من كل الأعمار أو الأجناس.

وكما باركت صحف الولايات المتحدة في فترة الستينيات الهجوم على المعترضين على التدخل الأميركي الصلف بفيتنام الشمالية، وضربهم وقمعهم وحرمانهم من التعبير عن آرائهم، نرى حناجر عربية إلى عهد قريب كنا نعتقد أنها مدافعة عن قيم الحرية وحقوق الإنسان أيا كان توجهها الحزبي والسياسي، نراها اليوم تزغرد لقتل المتظاهرين وسجنهم وتعذيبهم ونفيهم البيولوجي والسياسي عن مسرح الدنيا أو السياسة.
 
نتعرض لمحاولة محو ذاكرة طرية غضة حديثة العهد ما زلنا نعيش أحداثها، تحت حجج ومؤامرات مختلفة، مثل الرضوخ للأمر الواقع، والأوضاع الأمنية المتردية، والاقتصاديات المترهلة، والحفاظ على منظومة النظام العام والسلم الاجتماعي
إننا نتعرض الآن لمحاولة محو ذاكرة طرية غضة حديثة العهد ما زلنا نعيش أحداثها، تحت حجج ومؤامرات مختلفة، مثل الرضوخ للأمر الواقع، والأوضاع الأمنية المتردية، والاقتصادات المترهلة، والحفاظ على منظومة النظام العام والسلم الاجتماعي.

يقولون لنا عودوا إلى منازلكم وبيوتكم، واتركوا أمر السلطة والحكم عنكم، فأنتم أولا جربتم الديمقراطية، وذهبتم إلى صناديق الاقتراع، فماذا حصدتم، غير الفقر وانعدام الأمن؟

لن يغير لنا الله موازين الكون ومنظوماته كما غيرها لنبيه نوح عليه الصلاة والسلام، إذ آمن معه على أكثر التقديرات المتفائلة عشرون مؤمنا، ولكنه سبحانه وتعالى سيمتحن مدى قدرتنا على مقاومة الظلم والقهر بكل أشكالهما المجتمعية أو السلطوية، الداخلية أو الخارجية، عندها فقط قد يهيئ لنا من أمرنا رشدا.

في ختام هذه الأمثلة التي أتمنى أن أكون وُفقت في عرضها ومقارنتها بما يجري حاليا بدولنا المتحررة حديثا من الاستعمار الإمبريالي الغربي، وكذا الاستخراب الداخلي على يد أنظمة القمع العسكرية المتعلمنة، يجب ألا نتوقف عن تكرار الحقائق بقوة وبصلابة، ولا يخدعنا هذا الكم الهائل من الزيف الإعلامي.

سيظل القتل جريمة، وسيظل القفز على الشرعية الانتخابية سواء وقع في مصر أو تونس أو ليبيا جريمة أخلاقية وسياسية في حق من قاموا به أو من يحاولون ذلك، وسيظل حق الشعوب في العيش بحرية وكرامة مطروحا دائما طالما لدى هذه الشعوب أنفاس تحيا بها، وعقول وقلوب تتدبر بها.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة