الديمقراطية العربية وبعبع الحركات الإسلامية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ برهان غليون

في الصراع العنيف الجاري في البلاد العربية إزاء إصلاح النظم السياسية أصبح التخويف من الحركات الإسلامية واحتمال سيطرتها على المؤسسات التشريعية يستخدم حجة رئيسية لتبرير قمع الحركة الديمقراطية والحفاظ على الوضع القائم.


تطمح النظم القائمة عبر التلويح بالبعبع الإسلامي إلى تخليد نفسها وتأبيد زعاماتها وإضفاء شرعية ثانوية تبرر الحفاظ على السياسات القمعية وتعوضها عن الافتقار للشرعية الشعبية
ولا يهدف هذا التخويف المستمر الذي تعززه في بعض الأحيان عمليات عنف مسيرة وموجهة من قبل السلطات نفسها إلا إلى دفع الطبقة الوسطى التي تخاف من أن تهدد الحركات الأصولية حرياتها الدينية والشخصية التي هي ضيقة ومحدودة أصلا، إلى الاصطفاف خلف النظام القائم أو على الأقل إلى الوقوف على الحياد وعدم التورط في مواقف معارضة تفتح الطريق نحو تغيير قواعد عمل النظام.

فمن خلال التلويح بالبعبع الإسلامي تطمح النظم القائمة إلى تخليد نفسها وتأبيد زعاماتها وإضفاء شرعية ثانوية عليها تبرر الحفاظ على السياسات القمعية التقليدية وتعوضها عن الافتقار للشرعية السياسية المستمدة من القبول والموافقة الشعبية.

فهي لم تعد تهتم حتى بالادعاء بأنها تحكم بتوكيل من الشعب، وليست بحاجة إلى تجديد هذا التوكيل طالما أنها تستطيع أن تحكم باسم درء المخاطر المحتملة على الدولة والنظام وقطع الطريق على الفوضى والاقتتال. وهذا ما يعبر عنه السعي إلى جعل الحكم العرفي وتطبيق قانون الطوارئ عقيدة سياسية أو بالأحرى دين السياسة المحلية.

والواقع أنه ليست فئات المصالح الحاكمة هي وحدها التي تستخدم هذه الحجة لتبرير الحفاظ على الأمر الواقع وإضفاء الشرعية على الاستبداد ولو بطريقة سلبية، وإنما أيضا الدوائر العليا ومخططو الإستراتيجيات الكبرى في الدول الصناعية. فهم أيضا يعتقدون -رغم الحديث المكرور والدائم منذ فترة عن مشاريع دمقرطة المنطقة العربية- بأن الضغط الشديد على الأنظمة الاستبدادية من أجل الإصلاح يمكن أن يزعزع استقرارها ويفتح الطريق أمام استيلاء الحركات الأصولية المتطرفة والمعادية بصراحة للغرب وللمصالح الغربية على مقاليد السلطة فيها.

ورغم اعتراف الرئيس الأميركي جورج بوش نفسه بخطأ السياسات الأميركية الماضية التي قامت على دعم النظم الاستبدادية خلال أكثر من 60 عاما وتبنيه العلني لمشاريع التغيير الديمقراطي في المنطقة، لا يزال منظرو السياسة الأميركية، مثلهم مثل زملائهم في أوروبا، يؤمنون بأن أي انفتاح ديمقراطي جدي سيكون لصالح الحركات الإسلامية. ومن الأفضل إذن التعامل مع الأنظمة القائمة مع السعي ما أمكن إلى إصلاحها بدل تبني خيارات ديمقراطية ليس هناك ما يضمن نجاحها.

ومن هنا، وبسبب ما يقال عن الخطر الإسلامي الجاثم، لم يتغير الموقف الخارجي تجاه مسائل التحول السياسي الداخلي في المنطقة العربية ولن يتغير في اعتقادي لفترة طويلة.

ومضمون هذا الموقف ليس الاستمرار فقط، ولو على مضض، في دعم نظم فقدت صدقيتها وباتت تشكل خطرا على استمرار النفوذ الغربي ذاته، ولكن أبعد من ذلك الاعتقاد بأن الشعوب العربية ليست ناضجة بعد للدخول في المنظومة الديمقراطية.

ويستتبع هذا بالضرورة التمديد لمبدأ القبول بحرمان الشعوب العربية من حقها في تقرير مصيرها بحرية الذي لا يزال ساري المفعول في المنطقة العربية منذ القرن الماضي دون انقطاع. وهو ما يبرر كل السياسات والأعمال والإجراءات غير الشرعية وغير القانونية التي تلغي هذا الحق وتمنع ممارسته، العنيفة منها وغير العنيفة.


منظرو السياسة الأميركية والأوروبية يؤمنون بأن أي انفتاح ديمقراطي جدي سيكون لصالح الحركات الإسلامية، لذا فإنهم يفضلون التعامل مع الأنظمة القائمة مع السعي إلى إصلاحها بدل تبني خيارات ديمقراطية
وهذا ما يفسر أيضا أن الاحتلال وفرض الحماية والوصاية المقنعة هنا وهناك ووضع المنطقة بأكملها تحت نوع من الإشراف الدولي الأحادي أو الرباعي لا يثير لا في دوائر القرار والسياسة الغربية ولا في الدوائر الرسمية العربية تساؤلات عميقة واعتراضات، سواء أكانت سياسية أم أخلاقية، فهو التجسيد المباشر لهذا المبدأ وللقناعة العميقة بالقصور السياسي والأخلاقي الجوهري للجماعة أو للشعوب العربية.

ليس من الممكن للمناقشة العربية والدولية الجارية من حول التحولات السياسية المطلوبة في المنطقة أن تتقدم دون أن تجيب على سؤال: هل هناك خطر إسلامي حقيقي يهدد أي تحول في اتجاه الديمقراطية أو هل يكون الانتقال نحو نظام ديمقراطي في أي بلد عربي انتقالا محتما نحو نظام إسلامي يقفل باب الديمقراطية أم أن من الممكن تصور تحول نحو الديمقراطية لا يتبعه تسلط للقوى الإسلامية المتطرفة على الحكم، وبالتالي لا يترجم بالضرورة بإهدار حقوق وحريات الأفراد وبعودة منتصرة لنظم استبداد دينية أكثر قسوة من نظم الاستبداد القائمة شبه العلمانية؟

وفي السياق نفسه لا يمكن الهرب من طرح السؤال الذي تطرحه الدول الصناعية وهو: هل يمكن إنكار أن العنف الاستثنائي الذي أظهرته بعض الحركات الإسلامية المتطرفة ولا تزال تظهره بشدة تجاه الغرب بشكل خاص هو الذي يدفع هذه الدول إلى تبني النظم المستبدة والتمسك بمبدأ الوصاية على المنطقة التي تشكل بؤرة مصالح إستراتيجية كبيرة ومعترف بها؟

ثم أليس هو المسؤول عن تراجع الديمقراطية في الولايات المتحدة نفسها عندما اضطر الإدارة الأميركية إلى تعزيز الإجراءات الأمنية وتقييد الحريات الفردية وتكريس التمييز الأقوامي داخل الدولة الأكثر قبولا بتقاليد التعددية الأقوامية والدينية والفكرية من بين جميع الدول الصناعية؟

ليس الجواب على هذه الأسئلة بسيطا وتلقائيا، إذ بقدر ما يمكن القول إن وجود حركات إسلامية متطرفة ولديها من القوة ما يؤهلها للسطو على أي نظام ديمقراطي من المحتمل أن يرى النور في البلاد العربية يهدد الديمقراطية، يمكن القول أيضا إن سطو النخب الحاكمة على الدولة خلال عقود طويلة هو الذي دفع العديد من أوساط الطبقة الوسطى المهمشة والمضطهدة إلى الالتفاف حول الحركات الإسلامية المتطرفة التي تستمد إلهامها من العقائد الدينية للدفاع عن وجودها، وكان من الممكن في ظروف مباينة أن تستمدها، كما حصل في السابق، من عقائديات ثورية علمانية قومية أو ماركسية.

وفي هذه الحال الثانية لا يمكن فهم قوة الحركات المتطرفة الراهنة إلا من حيث هي رد فعل وثمرة للسياسات الاستبدادية والتسلطية التي مارستها النخب الحاكمة في العقود الماضية، وأنه لا شيء يمنع من الاعتقاد بأن العودة إلى الحالة الطبيعية -أي وضع حد للسطو القائم على الدولة- سيضع بالتأكيد، ولو بعد حين، حدا أيضا لالتفاف قطاعات الرأي العام، التي يئست من إمكانية إسماع صوتها واحترام مصالحها بالطرق السلمية، حول حركات التطرف الإسلامية.


لا شيء يمنع الدول الغربية من أن تحظى بعلاقات ودية أقوى مع العالم العربي إذا التزمت بمبدأ احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها وأوقفت العمل بمبدأ الكيل بمكيالين في القضايا المصيرية
وفي نظري لا شيء يدعو للاعتقاد من حيث المبدأ بحتمية سطو الحركات المتطرفة على النظم الديمقراطية، اللهم إلا إذا اعتقدنا بالفعل أن الرأي العام العربي أو الإسلامي ميال بطبعه إلى العنف، وأن التفافه حول الحركات المتطرفة لم ينشأ بسبب ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية تاريخية محددة يمكن معاينتها والتعرف عليها بسهولة والسعي إلى معالجتها، وإنما نشأ بسبب بنية ثقافية أو بيولوجية مستبطنة للعنف. وهو تحليل يتفق مع أطروحات عنصرية القرن التاسع عشر ومدارسها ويشيح النظر عن كل ما أحرزته العلوم الاجتماعية من تقدم في فهم المجتمعات منذ قرنين.

وبالمثل، بقدر ما أنه من الممكن القول إن هجوم الحركات المتطرفة على الولايات المتحدة وتهديدها للأمن والاستقرار في الدول الصناعية هو الذي يدفع هذه الدول إلى دعم النظم الاستبدادية في المنطقة وقطع الطريق على الاختيارات وديناميات التحول الديمقرطية، وفي ما وراء ذلك إلى تهديد ممارسات الديمقراطية وحقوق الإنسان في هذه الدول نفسها، يمكن القول أيضا إن توجيه العداء والعنف المتزايدين من قبل الحركات الإسلامية المتطرفة نحو الغرب وليس نحو الهند أو الصين أو روسيا أو أفريقيا، هو رد فعل على رفض هذه الدول أو معظمها احترام حقوق شعوب المنطقة وسيادتها واستقلالها وعلى تدخلها الدائم غير المبرر وغير المشروع في شؤونها.

وفي هذه الحالة ليس هناك ما يمنع من الاعتقاد بأنه لا شيء يمنع الدول الغربية من أن تحظى بعلاقات ودية وسلمية أقوى مع العالم العربي إذا التزمت بمبدأ احترام حق هذا العالم وشعوبه في تقرير مصيرهم وأوقفت العمل بمبدأ الكيل بمكيالين في ما يتعلق بقضايا مصيرية مثل قضية فلسطين أو التكتل والتنمية العربيين.

والواقع كما أن الفئات الحاكمة في البلاد العربية تستخدم البعبع الإسلامي الذي خلقته هي نفسها لتبرير استمرارها في الحكم ورمي المسؤولية على الآخرين في تفسير حالة العنف والخراب التي وصلت إليها البلاد، ومن وراء ذلك التغطية على الاستمرار في عملية السطو المنظم على موارد المجتمعات وتحويلها على شكل مئات مليارات الدولارات للاستثمار في الخارج، فإن الدول الغربية تستخدم الفزاعة الإسلامية نفسها لتغطي على مسؤولياتها في تفجير العنف والفوضى والاقتتال في المنطقة وتبرير استمرارها في تبني سياسة استعمارية جديدة تمكنها من تقاسم الموارد مع الفئات الحاكمة.

وأكاد أقول إن النظم المحلية والدوائر الاستعمارية لم تعد قادرة على الاستمرار والبقاء دون العنف والتطرف المقابل لها، وإنها لو لم تنجح في تفجير العنف بسبب سياساتها العدوانية لوجدت نفسها مضطرة لإثارته وتغذيته بوسائلها الخاصة.

وليس من قبيل الصدفة أن هذا العنف الذي يبدو وكأنه موضوع الخلاف الرئيسي بين النظام الاستبدادي المحلي والنظام الاستعماري الجديد لم يعد مبرر وجود النظم والمصالح الأجنبية القائمة في المنطقة فحسب، ولكنه أصبح أيضا سببا لتجديد الشراكة القائمة وأساس إعادة التفاهم بينهما.

وفي المقابل يبدو لي الآن، أكثر من أي فترة سابقة، أن الديمقراطية هي الخيار الوحيد الذي يقدم الفرص الضرورية المحتملة لنزع فتيل العنف والتوتر والعداء، ليس بين الشعوب العربية والدول الصناعية فحسب، وإنما داخل المجتمعات العربية نفسها.


الاستخدام المبالغ فيه لبعبع العنف من أجل تبرير الحفاظ على الوضع القائم في البلاد العربية أو لتبرير سياسات السيطرة الإمبراطورية يمكن أن يقطع الطريق على القوى الديمقراطية
فهو الخيار الوحيد الذي يسمح لجميع الأطراف التي تعيش حالة قلق عميق ودائم على مصيرها من فئات مهنية وأقوامية ودينية وجماعات وطنية معا، أن تراهن على المنافسة السلمية وتتعلم أسلوب المفاوضات الجماعية للوصول إلى أهدافها الشرعية.

وبالعكس لن يعمل إغلاق طريق التحولات الديمقراطية الذي يبشر به تجديد التحالف بين النظم المحلية والنظام الدولي، سواء أجاء باسم الخوف من سيطرة الإسلاميين المتطرفين في الداخل أم تهديد المصالح الغربية في المنطقة ككل، إلا على تفاقم العنف والعدوان الذي لن تنجح في درئه أو حتى احتوائه لا أنظمة الطغيان ولا إستراتيجيات الحروب الاستباقية. وفي هذه الحالة لن تبقى هناك إمكانية لاحترام أي مصالح مهما كان حجم القوة التي تدافع عنها، لا مصالح الفئات المسيطرة في الداخل ولا مصالح حلفائها في الخارج.

إن الاستخدام المبالغ فيه لبعبع العنف من أجل تبرير الحفاظ على الوضع القائم في البلاد العربية أو من أجل تبرير سياسات السيطرة الإمبراطورية في سياق خطاب الحرب على الإرهاب يمكن أن يقطع الطريق على القوى الديمقراطية، كما يمكن أن يقطع الطريق على انتزاع الشعوب العربية لحقها في تقرير مصيرها، لكن ليس هناك ما يمنع من أن ينقلب على أصحابه بأسرع مما يعتقدون.

فمع تفاقم العنف والحرب وعدم الاستقرار لن تبقى هناك إمكانية لحياة جماعية منظمة ولن يكون هناك فرصة لإقامة أي نظام سياسيا كان أم إقليميا أم عالميا، وسيكون الانتصار الوحيد الممكن والمضمون هو الاقتتال والفوضى والخراب.
ـــــــــــــــــ
* أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون بباريس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة