الجدران.. هندسة الكراهية كي لا أرى وجهك   
الخميس 1436/7/19 هـ - الموافق 7/5/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:19 (مكة المكرمة)، 12:19 (غرينتش)

 
مهند صلاحات*

أكثر من خمسة وعشرين عاما مضت على سقوط جدار برلين الذي كان يقسّم العالم إلى عالمين برؤيتين أيديولوجيتين مختلفتين. انهار جدار برلين وتحررت أوروبا من عقدة شرقها وغربها، لكن الكثير من الجدران التي تقسم الدول والشعوب وترسم الحدود بين الثقافات والأمم لا تزال قائمة حول العالم، جدران مرئية من الأسمنت، الفولاذ، الرمل، والأسلاك الشائكة، وجدران غير مرئية وتلك التي يصعب هدمها لأنها قائمة في داخلنا، جاعلةً من نفسها سمة لعصرنا، وجدلية لا تنتهي في تكوين ملامح العصر الحديث كمكان مليء بالصراعات والانقسامات الاثنية والعرقية والدينية والأيديولوجية وغيرها.

سقط جدار برلين ليذكرنا بأن العالم محموم بفكرة الجدران، يعليها أكثر، لكأن "مستثمري" جدار برلين أخذوا الحجارة المهدومة ليضيفوها إلى جدران ماثلة والتفكير بأخرى جديدة.

أمام الجدران والحواجز المصطنعة المتزايدة التي تفصل بين الجنس البشري (الجزيرة)

في هذا الفيلم التسجيلي وعبر 85 دقيقة هي مدة الفيلم، يسعى مخرجا الفيلم الإيطالي، فرانتشيسكو كونفرسانو ونيني غريغنافيني لاستعراض شكل الحياة التي تتشكل وتتغير حول تلك الجدران القائمة في العالم، جاعلين من الجدران قصصا تروى عن الرجال والنساء الذين يقضون الليل في نوغاليس على طول الحدود التي تفصل الولايات المتحدة عن المكسيك، وأخرى في ميتروفيتسا التي تفصل بين الصرب وألبان كوسوفو، هذه الجدران التي تساهم في تشكيل حياة، عقول، وقلوب أولئك الذين يعيشون على كلا الجانبين.

يخلق المخرجان -في لقطات طويلة لتبدو سمة تغلب على فيلمهما- مقارنة بين الجدار في ولاية أريزونا على طول الحدود (حوالي 3200 كلم) بين الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك، وجسر في كوسوفو يفصل بين الألبان والصرب، ليكونا أنموذجا للجدران والحواجز المصطنعة المتزايدة التي تفصل بين الجنس البشري.

لا يتجاوز زمن الوقائع في الفيلم اليومين في كل جهة من العالم، فخلال ليلة ويوم واحد نسج المخرجان قصة مجموعة من الرجال والنساء المهاجرين في نوغاليس، سونورا (المكسيك) ينتظرون لدخول الولايات المتحدة بصورة غير نظامية، وعلى الجانب الآخر، أريزونا يستكمل حكايته في سجن المهاجرين غير النظاميين، ومن السجن إلى الصحراء الفاصلة ليلتقي مجموعة من الوطنيين الذين يقومون بدوريات حراسة على الحدود لمنع المتسللين، يبحث في تلك الليلة أيضا في الأنحاء عن زوجين من المتطوعين يجوبان الحدود ليوزعا المياه في الصحراء للمهاجرين الذين يتمكنون من عبور الحدود.

الجدران ليست تبنى لأننا نبتغي حماية البيت، ولا لكي نعلق عليها صورنا وثمارنا المجففة، ولا لنسند إليها ظهورنا، بل تبنى بمرجعية واحدة هي الكراهية: أبني الجدار لأنني لا أريد أن أرى وجهك

وكما في القصة الأولى من الفيلم، فإن وقائع القصة الثانية على الجانب الآخر من العالم في ميتروفيتسا، تدور في غضون يوم واحد أيضا، على طول الجسر الذي يقسّم اثنتين من المجموعات العرقية. قصص متداخلة من الصرب وألبان كوسوفو إذ يقسم جسر بلدة صغيرة إلى اثنتين، الجانب الصربي في الشمال، والجنوب حيث الغالبية المسلمة من الألبان.

ثمة عجوزان -فقدا منزلهما خلال الحرب- يحاولان عبور الجسر لمشاهدة المنزل الذي احتل من قبل أشخاص آخرين، هو ذات الخوف الذي يعيشه في الجانب الآخر سائق سيارة الأجرة المسلم الذي يخاطر بحياته كل يوم لعبور الجسر للوصول إلى شمال المدينة.

جدران غير مرئية
قصص مثيرة من الحياة اليومية في ميتروفيتسا، في البلقان، تحمل شواهدَ على مدى الكراهية، والذاكرة، والصراعات والأحقاد العرقية والدينية القديمة التي جاءت تلك الجدران لتجعلها حية غير قابلة للفناء في ظل ذلك الشكل من الفصل وتلك التي يحاول المخرجان أن يشيرا إليها بالجدران غير المرئية أو جدران الكراهية.

الجدران ليست تبنى لأننا نبتغي حماية البيت، ولا لكي نعلق عليها صورنا وثمارنا المجففة، ولا لنسند إليها ظهورنا، بل تبنى بمرجعية واحدة هي الكراهية: أبني الجدار لأنني لا أريد أن أرى وجهك.

قصص مؤلمة في ميتروفيتسا، في البلقان، تحمل شواهدَ على مدى ما تفعله الكراهية (الجزيرة)

يحمل الفيلم بالإضافة إلى قيمته التوثيقية الهامة، قيمة فنية عالية، فعلى الرغم من أن السمة الغالبة له تقوم على استخدام اللقطات الطويلة التي عادة ما تخلق إيقاعا بطيئا، إلا أن الفيلم حافظ على انتقالات مدروسة بين اللقطات الطويلة ومن مشهد إلى آخر بسلاسة اعتمادا على حركة الكاميرا في تغيير الزاوية أو تغيير حجم اللقطة، دون أن يؤثر هذا على إيقاع الفيلم والزمن وتسارعه فيه، تلك السلاسة التي تعني انسيابية الفعل في وحدة بناء المشهد، بحيث إن كل لقطة تنساب من خلال حركة الموضوع واتجاهه، بالإضافة إلى زوايا التصوير وتغييرها.

اعتمد المخرجان أيضا أسلوب الصوت الداخلي للفيلم، إذ إن التعليق الصوتي في الفيلم التسجيلي هو الصوت الذي يأتينا من خارج الفيلم ليكون شارحا مساعدا، بينما المؤثرات الصوتية المباشرة أو المقابلة المباشرة هي أصوات تأتينا من داخل الفيلم، ولذلك فإن تأثيرها يكون أبلغ من التعليق ولذلك باعتقادي استعاض المخرجان عن الصوت الخارجي بالأصوات الداخلية التي تحمل أكثر مشاعر الأشخاص الذين يقابلونهم على جانبي الحدود.

* كاتب فلسطيني مقيم في السويد

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة