الفيلم التسجيلي في سياق البحث العلمي العربي   
الثلاثاء 1435/8/5 هـ - الموافق 3/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:04 (مكة المكرمة)، 14:04 (غرينتش)

الحبيب ناصري

من الممكن الجزم ومنذ البدء، أن مسلكنا الوحيد للرقي والبحث عن مكان تحت الشمس لنا، نحن العرب، هو طريق البحث العلمي والمعرفة بشكل عام. قاعدة لا يختلف عليها اثنان، مهما كانت مرجعياتنا السياسية والثقافية والدينية... إلخ.
 
في هذا السياق نتساءل: ما الذي أعددناه نحن العرب لتحقيق هذه المكانة؟
صحيح هناك مجموعة من الصعوبات بعضها يمكن تصنيفه ضمن الخانة "الموضوعية" والمتعلقة بعوامل خارجية/غربية، تتجلى في "تكبيلنا" بمجموعة من المخلفات، وأخرى فيها ما هو "ذاتي" يرتبط بالذات العربية وطبيعة تفكيرها وأولوياتها وانشغالاتها ونظرتها للأمور، وتمثلاتها لثلاثية الزمن.. إلخ، مع العلم أن الفصل هنا بين "الموضوعي" و"الذاتي" هو فصل إجرائي/منهجي، وإلا فالتداخل بينهما حاضر وبقوة.

حتى نسهم في توليد نقاش معرفي وإبداعي يشكل في اعتقادنا مدخلا جوهريا لإشكالية هذا الموضوع لا بد أن نتساءل السؤال الجوهري التالي: هل من الممكن الحديث عن اهتمام علمي بسؤال الفنون عموما، وبسؤال الثقافة السمعية البصرية، على وجه الخصوص، وثقافة الفيلم التسجيلي بشكل أخص؟

المتأمل لمنظومتنا البحثية العلمية ككل، من الممكن أن يستخلص مدى الرتبة المتدنية المتعامل بها مع هذا المكون الذي شكل مدخلا حقيقيا لتطوير قدرات الغرب، في سياق ما كان يسمى بعصر النهضة.

video

النظرة الدونية
مجتمعاتنا العربية ما زالت تمارس تلك النظرة الدونية والنمطية في حق أبنائها الراغبين في تعلم مهن فنية وإبداعية، بل ما زالت تنظر إلى مهن علمية مثل أن تكون مهندسا أو طبيبا أو أستاذا جامعيا أو محاميا... إلخ، هي المهن المرغوب فيها.

ضمن هذه النظرة الدونية للفنون، من الممكن أن نؤطر مجموعة من التصورات القبلية حول كل طالب أراد أن يشبع مساره العلمي بتعميق البحث في مدرسة أو كلية أو معهد متخصص في مهن الفنون، كالإخراج السينمائي أو المسرحي... إلخ.

مع الرؤية السالفة، وببساطة ندرج العديد مما يجري في مجال النسب والأرقام المخصصة لبحثنا العلمي العربي ككل، والفني بشكل خاص، ومهن السينما بشكل أخص، ومن بينها ندرج صناعة الفيلم التسجيلي العربي.

طبعا لن ننفي مجموعة من المجهودات المبذولة هنا وهناك، لكنها تحتاج إلى نصوص قانونية وترسيخ سياسة علمية متجذرة تؤمن بأهمية التكوين العلمي المبني على أسس علمية وقواعد مهنية أسوة بما يجري في الدول التي قطعت أشواطا في هذا المجال.

إن تحليل وتتبع ما ينجز في محيطنا العربي، ومن خلال بعض المهرجانات المتخصصة في الفيلم الوثائقي، وما مهرجان الجزيرة الدولي إلا ذلك النموذج الذي من خلاله من الممكن إنجاز مجموعة من الدراسات المفيدة، مثل كم فيلما عربيا يقدم لهذه المحطة السينمائية التسجيلية الدولية؟
 
مجتمعاتنا العربية ما زالت تمارس تلك النظرة الدونية والنمطية في حق أبنائها الراغبين في تعلم مهن فنية وإبداعية
تكوين المخرجين
ما طبيعة تكوين هؤلاء المخرجين؟ هل هم آتون من معاهد متخصصة في هذا الصنف السينمائي؟ وهذه المعاهد عربية أم أجنبية؟ أيمارسون هذا الفن كمهنة وحيدة أم يمارسونها في سياقات صحفية أو مهنية أخرى؟ هل لهم بطاقة مخرج أفلام تسجيلية ومسجلون في أنظمة مهنية معترف بها داخل أوطانهم العربية؟
 
أسئلة نوعية ودالة، طرحها هنا هو أهم من الإجابة المتسرعة. أقول هذا وأنا أعي ما يجري في بعض أوطاننا العربية، وأسوق هنا مثلا وطني العزيز المغرب، ورغم ما أنجزته الدولة في مجال دعم المهرجانات السينمائية وإنتاج الأفلام الروائية فقط، ما زال من يشتغل ويكتب ويخرج الأفلام التسجيلية غير معترف به مخرجا، بل إن أراد الحصول على بطاقة مخرج وبشكل مهني فهو مطالب بإخراج ثلاثة أفلام روائية قصيرة أو فيلم روائي طويل.

هذا التعامل، وأشياء أخرى، ترتبط برغبة الدولة في تطوير هذا المجال، ربما يسرع اليوم ضمن ما يسمى بالمناظرة الوطنية حول السمعي البصري، إلى البحث عن وضع ترسانة قانونية جديدة، تسمح بتقوية ومهننة وعلمنة هذا المجال.

إن مسلكنا اليوم مرهون بتطوير نظم تعليمنا ومهننا التي ينبغي أن نتجاوز فيها تلك النظرة الدونية للفنون ككل، وفي مقدمتها مهنة الاشتغال بالفيلم التسجيلي، باعتباره اليوم من العناصر التي من الممكن إدراجها ضمن صناعة ثقافية نحن في أوطاننا العربية في أمس الحاجة أن تنتجها سياساتنا العربية.

video
سياسة معرفية
التنوع في العرض التعليمي والمهني والجامعي من ضرورات أي سياسة معرفية تريد الدولة سلوكها، إن هي أرادت أن ترضي رغبات وتطلعات شبابنا العربي، ومن ثم انتشاله من أنياب التطرف والعنف والرؤية السوداوية التي تسعى جهات ما إلى استغلالها بقصد "ترويج" فكرها الذي يتبرأ منه ديننا الجميل والمتسامح.

إن التخطيط لصناعات عديدة ومنها صناعة ثقافية وإعلامية وفنية.. إلخ، أضحى اليوم من الضرورات التي علينا أن نفكر فيها ونحن نضع ونبرمج أولوية من أولويات الحياة ككهربة مدننا أو قرانا.. إلخ.

ويمثل الاشتغال على هذا النوع من الصناعات الثقافية والفنية العربية مدخلا حقيقيا قادرا على أن يجرنا إلى البحث عن طرق فعلية حقيقية لممارسة تقاربات جديدة بيننا نحن العرب، بعدما باعدت بيننا السياسة.

تقاربات من الممكن أن تكون مدخلا لتحقيق نوع من التعاون الجذري العلمي والمهني بيننا حتى يتسنى لنا الدخول إلى عالم العولمة التي هي اليوم تبنى بلغة الصورة، وما الفيلم التسجيلي اليوم إلا أداة/غاية نوعية من أجل أن ننخرط في صورة تسجيلية نصنعها بأيدينا عوض ترك الآخر يصنعها وفق رؤاه النمطية.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة