"الزواج الكبير" يسقط في فخاخ الجمال والمعرفة   
الأحد 1435/6/7 هـ - الموافق 6/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:52 (مكة المكرمة)، 12:52 (غرينتش)

 عزة سلطان

من بديهيات الفيلم الوثائقي اعتماده على حدث أو مكان أو شخص قصةً ومحورا أساسيا، ومن الوارد أيضا أن يكون الفيلم الوثائقي معنيا بقضيتين، كأن يعتمد على حكاية شخص في وقت معين أو مكان معين، أو تتبع حدث من خلال شخص، فيأتي المكان بطلا ثانويا.

على كل الأحوال فنحن جميعا نتفق على أن الفيلم الوثائقي هو حالة من حالات نقل الواقع وتوثيقه.

فيلم "الزواج الكبير" أحد الأفلام ينقل حدثا في إحدى الدول الأفريقية، حيث واقعة الزواج الكبير هي طقس اجتماعي في دولة جزر القمر. وهو طقس بالغ الأهمية، إذ يُحرم من لم يقم به من ارتداء بعض الأزياء، كما أنه لا يجلس في الصف الأول في صلاة الجمعة، وهو أمر يمثل ترقية اجتماعية داخل المجتمع، كما أنه مُلزم لأي واحد، وينظر للشخص الذي لم يقم به على أنه صغير حتى لو كان منصبه كبيرا جدا.

هناك بعض التفاصيل التي تتكرر بلا مبرر درامي أو منطقي داخل الفيلم (الجزيرة)

حصل فيلم "الزواج الكبير" على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان مالمو للسينما العربية 2013، كما أنه اختير للمشاركة في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة في مهرجان الخليج السينمائي 2013، وكذلك للمشاركة في المسابقة الرسمية للأفلام التسجيلية في مهرجان مسقط السينمائي 2014.

يأتي "الزواج الكبير" ضمن قائمة إنتاج الجزيرة الوثائقية، وقد تبدو هذه التفاصيل مشجعة جدا لتناول فيلم لدينا خبرة مسبقة أنه سيكون فيلما متميزا.

فخاخ
ينطلق هذا التصور من كون التفاصيل المحيطة بالعمل مؤهلة لذلك، والفيلم في مجمله جيد، لكنه قد أصابته بعض الفخاخ التي لم ينج منها مخرج الفيلم فيصل العتيبي.

يتتبع الفيلم حفل الزواج الكبير للوزير يحيى محمد إلياس وهو مقيم بجزيرة القمر الكبرى، نتعرف إلى عادة الزواج الكبير، وأهميتها في المجتمع من خلال ظهور باحث في بداية الفيلم، حتى يظهر الضيف ويكرر بعض المعلومات.

التكرار فخ يقع فيه صناع الفيلم، حيث إن المتابع للأحداث ستمر عليه معلومات أكثر من مرة، وهناك بعض التفاصيل التي تتكرر أكثر من مرتين، وبلا مبرر درامي أو منطقي داخل الفيلم، إذا نسمع عن أهمية الزواج الكبير من العريس مرة وهو في بيته وأخرى وهو يلتقي أحد ضيوفه، وثالثة من الباحث الذي ظهر في أول الفيلم ولم يظهر له تعقيب آخر.

ليس التكرار هو الفخ الأوحد، فالطبيعة الخلابة لأفريقيا، ولموروني أغوَت العتيبي أكثر من مرة، فكنا نرى لقطات للطبيعة، كفواصل بين الأحداث دون أن يكون لها مبرر منطقي داخل السياق، وهناك العديد من اللقطات التي لا ترتبط بالحدث، كأن نسمع الضيف يتحدث عن الزواج الكبير ونرى أطفالا في أحد الشوارع الصغيرة (الحارات) في المدينة.

تكرار مربك
كان يمكن لفيصل أن يخلق سياقا متناغما بين الشخصيات والطبيعة، فلا تبدو الطبيعة مدخلا مربكا وبعيدا عن السياق، فلقطات البان (pan) المتعددة كشفت عن جمال المكان الذي تعيش فيه شخصية الفيلم، لكن تكرار هذه اللقطة دون مبرر أربك الفيلم ومشاهديه.

الفخ الثاني وهو الأكثر تأثيرا في تلقي الفيلم هو كسر تلقائية الحدث، فبدا في مواقع عدة منه وكأنه تقرير تلفزيوني إخباري، حيث نرى إحدى الشخصيات تشرح كيفية الاحتفال بيوم الجولي للعروس، وأثناء المراسم تقوم الضيفة بإيقاف السيدات عن استكمال المراسم، وتشرح ماذا يفعلن، وكأننا نرى فقرة في برنامج تلفزيوني توضح طريقة التعامل مع الزينة.

كان يمكن لصانع الفيلم أن يجعل الصوت كتعليق ونرى الحدث فلا ننفصل عن المتابعة، وهو الأمر الذي تكرر أكثر من مرة داخل سياق الفيلم.

ملصق فيلم "الزواج الكبير" (الجزيرة)

يمكننا القول إن مخرج الفيلم قد سقط في أغلب كل الفخاخ التي يمكن أن يتعرض لها فيلم وثائقي.

فعلى صعيد آخر، قسم العتيبي فيلمه إلى فصول تعتمد الزمن في أولها ثم التنوع بعد ذلك.

رأينا ذلك عبر شاشة توضح أن التالي هو يوم الجولي، ثم شاشة أخرى توضح أن التالي هو احتفالات يوم الجولي للرجال، ثم يوم الجولي للنساء، ثم توقف التقسيم، ولم نعرف الانتقال من فصل لآخر إلا عبر حديث الضيوف.

إهدار الموسيقى
أهدر المخرج فرصة ممتازة لصناعة فيلم محوره الجمال وأُسسه الموسيقى، فهو بصدد حدث يشع بالبهجة وهو حفل عُرس له مراسم وطقوس على مدار أسبوعين، لكن انشغاله بإبراز المعلومات أوقعه في تكرارها، كما أن ولعه بالطبيعة الخلابة والتنوع اللوني أسقطه في إبراز هذه الطبيعة حتى لو لم تكن في السياق.

هاتان الملاحظتان هما الأهم من وجهة نظري، حيث التكرار أسقط الفيلم في فخ الترهل، وكان يمكن أن يكون أقصر من ذلك (52 دقيقة) ببنية أكثر تماسكا.

فيصل العتيبي مخرج متميز استطاع إدارة فريقه وسط مجموعات هائلة من الناس في حدث كبير، وظهر اهتمامه بأن يتتبع كل التفاصيل، وأن يورد كل المعلومات في أكثر من سياق، دون أن يرى في التكرار للمعلومة أزمة كبرى واعتنى بالصور الجميلة.

وكان يمكن أن يكون فيلمه "الزواج الكبير" أكثر تميزا وجذبا لو ركز على تفاصيل العُرس دون الاهتمام بذكر المعلومات، أو ذكرها بأي طريقة دون أن يورط الضيف في الشرح أمام الكاميرا، حيث فقد الفيلم كثيرا من تلقائيته.

كما أن الاعتناء بظهور الضيف ليشرح، حرم المشاهد من الاستمتاع بموسيقى العُرس ومراسم الاحتفال، التي تميز الدول الأفريقية، فالعتيبي لم ينتصر في فيلمه للبهجة بقدر ما انتصر للمعلومات والشخص والطبيعة، وهي أمور أتت على الفيلم بشكل واضح.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة