"الشرق في فنونهم".. درس للسلاسل التسجيلية   
الأحد 16/11/1436 هـ - الموافق 30/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 20:46 (مكة المكرمة)، 17:46 (غرينتش)


عزة سلطان*

عشر دقائق قد تصبح زمنا قصيرا لفيلم تسجيلي، لكنه يقدم فكرة واضحة، فإذا كان العمل حلقة من عدة حلقات فإن كل فيلم يغدو بمثابة لقطة مقربة من إحداها.

"الشرق في فنونهم" سلسلة من الأفلام التسجيلية القصيرة وهي أشبه بـ"الفيلرز" وتم عرضها عبر شاشة قناة الجزيرة الوثائقية خلال شهر رمضان.

يقدم كل فيلم حالة فنية وإبداعية لأحد الفنانين الأوروبيين وكيف تأثر بالثقافة العربية، وتبدو وحدة الموضوع في هذه السلسلة هي المحور الأساسي في عدد من الأفلام تبلغ ثلاثين فيلما.

المخرج محمد قناوي (يسار) قدم ثلاثين فيلما عن فنانين أوروبيين تأثروا بالثقافة العربية (الجزيرة)

ثمة تصور أولي أن الموضوع محدد لشكل وعناصر كل فيلم، وهذا هو الأمر الخاطئ، فحتى إذا كانت هناك وحدة للموضوع إلا أن كل فيلم هو وحدة مستقلة، فلا تتشابه الأفلام إلا في مقدمة وخاتمة روعي أن تكونا من الغرافيك، واندرجت كل الأفلام تحت نفس الاسم "الشرق في فنونهم".

شاميرا مينوتسي
سوف يبدأ الفيلم بلقطات لفينيسيا بما يصنع مقدمة تقليدية للفيلم المرتبط بمكان وشخص، حين تخرج الفنانة إلى قلب الكادر وتبدأ في الكشف عن وجودها داخل الفيلم من خلال تأثرها بنمط العمارة العربية التي تملأ فينيسيا (مدينة البندقية قديما).

يعتمد المخرج والمنتج المنفذ محمد قناوي في هذا الفيلم سياقا تقليديا، وكأن الفيلم عبارة عن بورتريه للفنانة التشكيلية شاميرا مينوتسي، وتتميز الصورة بأنها دالة ومعبرة عن المحتوى، فالفنانة التي تصف تأثرها بالقرآن الكريم تبدأ جملة الفيلم الافتتاحية "أستلهم أفكار لوحاتي من قراءاتي لمعاني القرآن"، وفي المقابلة مع الفنانة يكون اختيار مكان المقابلة هو المرسم الذي يمتلئ باللوحات التي توضح مدى تأثرها بالثقافة العربية.

ووفق النمط التقليدي في معالجة هذه النوعية من الأفلام، سيمضي قناوي في الانتقال بين الفنانة وهي ترسم وبين مقابلة معها متخللة لوحات توضح سمات الثقافة العربية، بل إن شاميرا لا تكتفي بنقل الحرف العربي في لوحاتها وإنما تصنع جسرا بين الثقافتين العربية والإيطالية، حيث تشير إلى الأسد رمز مدينة فينيسيا وقد رسمته بالخطوط العربية، وهنا نرى رسالة الفنانة التي لم تكتف بتأثرها بالثقافة والفن الإسلامي بل سعت إلى تقديمها لمواطنيها.

 مينوتسي تستعين بالترجمة الإيطالية لمعاني القرآن لتعيد تشكيلها فنيا (الجزيرة)
بطل الحكاية في هذا الفيلم بل والأفلام التالية هو البحث والإعداد الجيد الذي قام بهما قناوي واختياراته للفنانين ونوعية الفنون التي يقدمونها، فقد راعى تنوعا يثري الثقافتين العربية والإسلامية، ويوضح الآثار المتعددة لفنون الشرق على فناني أوروبا مهما اختلفت جنسياتهم، وهو الواضح في التنوع المكاني وكذلك التنوع النوعي.

ففي الحلقة الأولى اختار فنانة يبدو تأثرها واضحا بشكل جلي، وهي أوروبية غير مسلمة، فبات التأثر ناجما عن أثر حقيقي للثقافة الإسلامية، وكشف تأثرها بالقرآن رغم كونها لا تعرف اللغة العربية، بل تستعين بالترجمة الإيطالية لتقف على معنى الكلمات قبل أن تنقل الحروف والآيات في تشكيلات جمالية.

فيلم شاميرا هو الأول في هذه السلسلة لكنه سيكون معيارا ظالما إذا ظن المشاهد أن الأفلام التالية ستتبع نفس خط المعالجة التقليدي.

جوليان بريتون
من غرب فرنسا وليلها سيبدأ هذا الفيلم الذي تكون اللقطة الأولى فيه أضواء منعكسة على صفحة النهر، ثم نرى شخصا يقوم بعدد من الحركات غير المفهومة، يستمر الأمر لدقيقة تصنع حالة من الارتباك لدى المشاهد مخلفة رغبة في الفهم تنشأ من هذا الارتباك، يلجأ قناوي لصنع مناطق تشويق خاصة في فيلمه القصير الجديد، فالحركات الغريبة للشخص تدفع للتساؤل عما يفعله قبل أن يكشف المخرج عن هويته وعلاقته بموضوع الشرق والفنون.

إنه جوليان بريتون يرسم بالضوء، ولذا كان اختيار الليل مفتتح للفيلم، يأتي التعريف بالشخص عبر مقابلات تكشف علاقته بالثقافة العربية إلى ما بعد تقديم هذا الفن الغريب على ذهنية المشاهد العربي.

يوضح بريتون أنه تربى في منطقة تعج بالمهاجرين، خاصة العرب، مما صنع حالة التواصل بينه وبين الثقافة العربية، ثم ينتقل لشرح فنه.
جوليان بريتون يرسم بالضوء حروفا عربية (الجزيرة)
يكسر قناوي القواعد في أعماله، فهو لا يلجأ إلى نمط محدد في المعالجة، فكل فيلم داخل سلسلة الأفلام يحدد معالجته بما يخدم الفكرة ويقدم حالة مختلفة يكسر رتابة التتابعية في حلقات يومية.

أصبحت الإشادة بالصورة في هذا الوقت محض استرسال، إذ ساهمت التقنيات الحديثة وجودة الكاميرات في إنتاج صورة مميزة، لكن الإشادة تأتي باختيار زوايا التصوير، والأماكن والتي تشارك فيها كل من مدير التصوير لويجي فيرزيللي ومحمد قناوي متعدد الأدوار في هذا العمل.

"الشرق في فنونهم" درس مهم لصناع الأفلام المقدمين على تقديم أعمال متسلسلة والذين يشرعون في صناعة قالب واحد تأتي كل الحلقات عبره، هذا القالب الذي كسره قناوي لصنع أفلام يمكن يشاهد كل منها على حدة دون الإخلال بالموضوع أو الفكرة.

* كاتبة مصرية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة