"نور وظلال".. السينما تؤرخ لنفسها   
الأربعاء 1435/9/26 هـ - الموافق 23/7/2014 م (آخر تحديث) الساعة 1:48 (مكة المكرمة)، 22:48 (غرينتش)

راشد عيسى

لا يمكن للمرء إلا أن يرى في حكايات الناس وسيرهم حكاية بلد بأكمله، لشدّ ما ينطبق القول على المبدعين الذين هم روح البلاد، ذاكرتها، ووجدانها.

حكاية السينمائي السوري نزيه شهبندر كما ظهرت في الفيلم التسجيلي المشترك للسينمائيين عمر أميرلاي، محمد ملص، وأسامة محمد "نور وظلال" ليست حكاية شخصية على الإطلاق، هي حكاية بلد، حكاية السينما فيه، وكيف يمثل موت السينما موت كل شيء آخر.

مدهش أن ترى الرجل في هذا العمر يتحدث عن مشاريع وأحلام كأنه في العشرين من عمره، لكن المدهش أكثر أن ترى كم كان الرجل المزدحم بالحياة والاختراعات والمشاريع والأفلام وحيدا"

لا يمكن لمبدعين من وزن أميرالاي وملص ومحمد أن يكونوا قد ساقوا ذلك المشهد الافتتاحي للفيلم عبثا، المقطع الذي يرد تحت عنوان "النشيد"، والذي يحكي فيه نزيه شهبندر كيف قرر أن يعيد إخراج النشيد الوطني السوري الذي كان يرافق كل عرض في صالة السينما حيث يعمل.

 عندئذ كانت صورة رئيس البلاد تتصدر النشيد، كما لو أنه يقول "يا ناس اعبدوني"، حسب عبارة شهبندر الواردة في الفيلم. قال كل ما أردت فعله هو أن يصبح النشيد للبلد، لا يتبدل بتبدل الرئيس، لكن رجال الأمن لم يدعوه وشأنه، استدعي إلى فروع الأمن، وسئل عما فعل، ولو أنهم كانوا في تلك الأزمان أكثر تفهما، وأقل وحشية.

نزيه شهبندر
فيلم "نور وظلال" (1994-42 دقيقة) يعود -وهو أنجز بمناسبة مئوية ولادة السينما- إلى السنوات الأولى من عمر السينمائي السوري الرائد نزيه شهبندر. يتحدث الأخير عن ولعه بالكهرباء وتقنيات العرض السينمائي وتسجيل الصوت وهو بعد في سن الـ14، ويحكي كيف وصل أول فيلم ناطق إلى دمشق عام 1932، وكان الفيلم الفرنسي "ثقب في الحائط" (un trou dans le mur) هو أول فيلم ناطق يعرض فيها، وكيف صار جمهور السينما من السوريين يهتف بحياة فرنسا لأن الآلة الناطقة كانت فرنسية الصنع.

راح شهبندر يفكر كيف يصنع بنفسه آلة لتسجيل الصوت، وهو يتمكن من ذلك بالفعل، هنا يعرض الفيلم الأغنية الأولى التي تمكن من تسجيلها عام 1934، وهي "بلبل يشدو الهوى" تلحين وغناء مصطفى هلال، ويبدو أن ذلك سيكون فاتحة عروض عمل للشاب الطموحين.

يعمل في بيروت، ثم يطلب منه أحمد جلال -صاحب أستوديو جلال في مصر- تصوير بعض المناظر في لبنان قبل أن يعرض عليه العمل في الأستوديو الخاص به في مصر. يقول شهبندر "كنا نعبد كل شيء اسمه مصر". ويتابع "لكني وجدت الأستوديو كراجا صغيرا، وكنت أظنه بحجم الجامع الأموي، وكانت الحالة في مصر عدمانة (معدمة)".

مقطع تسجيلي من سيرة نزيه شهبندر، يفتح باب الرثاء لهذه القامة السامقة، لكن لا شك أيضا في أنه يفتح باب التحسر على بلد ضيّع كل هذه الإنجازات والمواهب، في السينما وفي غيرها

متحف للوحشة
يروي شهبندر تجربة الفيلم السوري "نور وظلام" الذي أنتج عام 1928، ولم يبقَ منه سوى مشاهد قليلة، يعرض جزءا من الديكور الواقعي الباقي الذي صوّر الفيلم في أرجائه. يقول "هذا المكان من بقايا غرف فيلا "نور وظلام"، ديكور مهري ودايب مثلما أنا دايب، ولكن هناك إشارات إلى أنه كان مرتبا وظريفا".

ولا يخفي شهبندر "الفيلم كان نزولا عند رغبة المستثمر المبتز الذي كنت أعمل معه، أما أنا فقد كانت رغبتي أن أنجز فيلما عن سفينة فضاء تنزل في البراري، ينزل منها شاب يشبه سكان الأرض، ونفهم أنه جاء ليتعلم الأخلاق الجيدة لسكان كوكب الأرض كي ينقلها إلى كوكبه، لكنه يرى أشياء كثيرة لا تعجبه، ويعلن أسفه لوجود كل هذا السوء على كوكب الأرض، فيركب سفينته ويمضي".

هنا يعرض الفيلم التسجيلي بعض المقاطع الباقية من فيلم "نور وظلام" مر عليها حوالي خمسون عاما، ونرى آثار الغبار الكثيف بادية على ما تبقى من الشريط، كما يعرض للآلات السينمائية المتبقية من آلات تسجيل وعرض، ثم يأتي صوت المخرج الراحل أميرالاي ليسأل ماذا يفضل شهبندر أن يكون مصير هذه الآلات؟ وفيما إن كان يعتقد أن الآلة تموت، يقول شهبندر "لا أفضل بيع هذه الآلات، بل أتركها لتموت مثلما أموت".

وحيد مزدحم بالحياة
يتابع السينمائي نزيه شهبندر أحلامه وهو في ذلك العمر الثمانيني "برأسي مشروع كنت أفكر به قبل فيلم "نور وظلام" أي تقريبا قبل عام 1928، هو السينما النافرة، لكن أخشى ألا يسعفني الوقت"، إنه بالطبع مشروع السينما ثلاثية الأبعاد الذي باتت واحدة من الإنجازات المذهلة في عالم السينما.

مدهش أن ترى الرجل في هذا العمر يتحدث عن مشاريع وأحلام كأنه في العشرين من عمره، لكن المدهش أكثر أن ترى كم كان الرجل المزدحم بالحياة والاختراعات والمشاريع والأفلام وحيدا.

يروي شهبندر تجربة الفيلم السوري "نور وظلام" الذي أنتج عام 1928، ولم يبقَ منه سوى مشاهد قليلة، يعرض جزءا من الديكور الواقعي الباقي الذي صوّر الفيلم في أرجائه

لقد جهد الفيلم في تصوير لحظات الوحدة والفراغ، تشعر كمشاهد كما لو أنك في قلب متحف لا يزوره إلا عشاق الفن الأكثر أصالة، رجل وحيد يمشي ببطء، يأكل وحيدا، ويتجول وحيدا في ممرات ودهاليز المكان العتيقة، وبين الآلات القديمة، "لا أحد عندي سوى هذه الخردوات"، يقول شهبندر، ثم يتناول قهوته ويمضي إلى سريره وحيدا، فيما يمضي الفيلم إلى الإعتام.

لكن الفيلم سرعان ما يؤكد وهو يختم أن نزيه شهبندر لم يكن وحده هناك، في هذا الفيلم المهدى إليه "وأمثاله ممن نذروا حياتهم لكي تجد السينما مكانا لها في بلدهم"، لقد كان هناك صنّاع الفيلم أميرالاي، وملص، ومحمد، وحنّا ورد، وعبد القادر شربجي، وإميل سعادة، وأنور العقاد، وشامل أميرالاي، ومازن بركات، وإبراهيم مطر، وغيرهم.

جميل هذا المقطع التسجيلي من سيرة نزيه شهبندر، لا شك في أنه يفتح باب الرثاء لهذه القامة السامقة، لكن لا شك أيضا في أنه يفتح باب التحسر على بلد ضيّع كل هذه الإنجازات والمواهب، في السينما وفي غيرها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة