امرأة جريحة على أبواب غزة والضفة   
الخميس 1435/12/29 هـ - الموافق 23/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 1:02 (مكة المكرمة)، 22:02 (غرينتش)

 حميد بن عمرة

يخرج أحمد شاور من باب التقرير الصحفي كمبعوث للتلفزيون الفلسطيني بمدينة قلقيلية ليدخل باب الفيلم التسجيلي بفيلم قصير لا يتجاوز ١٦ دقيقة.

١٦ دقيقة يدق فيها قلب الأم فدا بين بطينها الأيسر والأيمن آلاف الدقات.

١٦ دقيقة تسجيلية تتنقل فيها عدسة أحمد شاور من باب إلى باب، آملة بفتح ملف تأرجحت فيه الأقوال وتضادت، ملف فراق أم لابنيها فاروق وهارون، سبع سنوات تأرجح فيها الملف بين غزة والضفة.

١٦ دقيقة يتحول فيها الشريط إلى بوابة بين الحب ونقيضه، بين الوحدة والتجمع، بين القرب والبعد.

إذا كان الفيلم لا يتهم ولا يساند طرفا في النزاع القائم بين أم وزوجها فإنه يقف محاميا لحق أم انتزع الزوج منها ولديها وانعزل بهما في غزة.

أصل المأزق
١٦ دقيقة تذكرنا بأن فلسطين مقسمة وأن الصراع بين حماس وفتح يشبه صراع فدا وزوجها وأن أصل المأزق ليس عقائديا فقط وإنما استعماري بحت.

16 دقيقة تسجيلية تتنقل فيها عدسة أحمد شاور من باب إلى باب آملة بفتح ملف تأرجحت فيه الأقوال وتضادت، ملف فراق أم لابنيها فاروق وهارون، سبع سنوات تأرجح فيها الملف بين غزة والضفة

إن تطابق قصة الزوج وزوجته وعلاقة فتح وحماس لا يمكن عدم الانتباه إليها، كأنما هدف المخرج أساسا هذا الانفصام السياسي أكثر مما هو فراق أم لولديها.

يدخل بنا الفيلم بصوت ريم البنا العميق الصدى مرددا "يا ليل ما أطولك"، مؤكدا من الدقيقة الأولى على الظلام الذي تعيشه فدا.

يتداخل صوت المغنية ليمزج بنشرة أخبار من مذياع بالمطبخ، أهم خبر فيها تحميل فتح لحماس وحماس لفتح فشل المصالحة لنعتقد وقتها أننا في صلب موضوع بين كتلتين سياسيتين.

لكن عندما تكشف العدسة عن فدا تحضر كعكا، معلقة على الخبر المذكور نفهم أن الموضوع هو انفصال بين القاعدة الشعبية والهياكل السياسية.

أبواب وقلوب
يتنقل الفيلم بين مسالك الإدارة والملفات، وتتجول بنا فدا من باب إلى باب، فإذا كانت الأبواب بالفيلم مفتوحة دوما فهل قلوب من وراء المكاتب مفتوحة بالقدر نفسه؟

وإذا كانت الجنة تحت أقدام الأمهات فكم عاما تظل أقدام فدا فوق نار الفراق؟

فدا، هذا الاسم الرمز، الحامل في باطن حروفه تضحية الأم الفلسطينية وآلامها، هذه الأم التي لا تخط حروفا تقص بها سبب الطلاق، لكنها لا تبخل بخطاها بين شوارع قلقيلية مشددة على صعوبة التوصل إلى حل في منفعة الأطفال.

الأطفال، هذا الجيل الجديد الذي لا يحتاج لمثل هذه الصراعات التي تفشل قلوبهم أمام الاستعمار المتواصل.

إن لقطات فاروق وهارون بحاسوب فدا يدخل بنا في فيلم تسجيلي شخصي، فالمشهد الدرامي ليس حزن الأم أو دموعها فقط، بل تأبط أم حاسوبا يحمل صورا لأطفالها عوض حملهم بين أحضانها!

لكن كيف لفدا أن تخرج من باب قصتها؟ كيف لها أن تفتح باب قصة حب جديد بينها بين فاروق وهارون؟

إن غربة الوطن وغربة الحب وغربة الأبناء باب إن فتح لا تدخل بعده السكينة إلى القلوب، لأن مرض القلوب لا يشفى منه، ولأن الدواء غال كما يذكرنا صوت المغنية، لكن الحلم أيضا غال وحلم فاروق لبحر غزة غال وحلم الأم لبسمة لحمها ودمها أغلى من كل هذا.

إن الميزان ثقيل والعدل في وطن ممزق الشمل محال ما دامت الأم غريبة في أرضها، لأن فدا لم تكن تعرف أن الزفاف إلى غزة هو زفاف الفراق

الغريبة في أرضها
إن الميزان ثقيل والعدل في وطن ممزق الشمل محال ما دامت الأم غريبة في أرضها، لأن فدا لم تكن تعرف أن الزفاف إلى غزة هو زفاف الفراق ولم تك تعرف أن عيد ميلاد ابنها سيكون عيد سنوات الجمر.

يتأرجح الفيلم بين الروائي القصير والصحفي التقريري عندما يضع المخرج فدا على أرجوحة بحديقة للأطفال، كأنما يريد التأكد من فهمنا لفكرة غياب المنطقة الوسطى بين الجنة والنار.

كما يلجأ أحمد شاور إلى مؤثرات صوتية يراد منها مشاطرة عذاب الأم، غير أن هذا الاختيار المتداول في المسلسل الدرامي قد لا يخدم الفيلم التسجيلي، لأن فدا راية وحدها، ولأن مقاومتها رمز للمقاومة الفلسطينية ومقاومة كل الأمهات في العالم، ولأنها دليل للحب الذي لا يزول بزوال السنين.

وتختم ريم البنا ملحمة فدا بصوت ينادي من صميم قلقيلية كما ينادي ملايين اللاجئين الفلسطينيين خارج أراضيهم أهلهم وديارهم، كأننا أمام قصة ظاهرة وأخرى باطنة، قصة ريم وقصة فدا وقصة شاور وقصة القارئ وقصتي أنا، وأذكر حينها ما قاله الشاعر:

لقد أسمعت لو ناديت حيا- ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو نار نفخت بها أضاءت- ولكن أنت تنفخ في الرماد

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة