أندرس هابيجر في مواجهة أرشيف الدكتاتور   
الأحد 11/8/1435 هـ - الموافق 8/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 18:54 (مكة المكرمة)، 15:54 (غرينتش)


حوار-غدير أبو سنينة

"لسنا باحثين متمرسين، لكن القضاء لم يكن قد فعل شيئا حتى تلك اللحظة تجاه مقتل ليوناردو هنريكسن".

هذا ما يقوله المخرج الأرجنتيني أندرس هابيجر حول الفكرة الأساسية التي أطلقت فيلمه "اللقطة الأخيرة" الذي حاز الجائزة الذهبية لمهرجان الجزيرة للأفلام التسجيلية عام 2010.

ذهب هابيجر لتقصي الحقيقة في جريمة قتل الصحفي هنريكسن التي وقعت في تشيلي في وضح النهار. هذه الجريمة -وجرائم قتل 28 شخصا في اليوم ذاته- ألزمها نظام الدكتاتور بينوشيه أن تبقى في الأرشيف ثلاثين عاما.

ربما نستطيع تفهم مدى الإتقان في صناعة فيلم "اللقطة الأخيرة" والوصول إلى مناطق إنسانية فيه إذا ما علمنا أن المخرج نفسه هو ابن نوربرتو هابيجر، الناشط السياسي الذي فُقد خلال الحكم العسكري في الأرجنتين المعروف باسم "عملية إعادة التنظيم الوطني"، وقد نفي أندرس مع والدته إلى المكسيك ما بين عامي 1977 و1984.

يعد أندرس هابيجر (مواليد 1960) من أبرز مخرجي الجيل الجديد، إضافة إلى كونه مخرج أفلام تسجيلية، إذ له رصيد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية الروائية.

عن فيلمه "اللقطة الأخيرة"، وقضايا أخرى تتعلق بالتسجيلي اللاتيني كان هذا الحوار:

ليوناردو هنريكسن الصحفي الذي بقي قاتله طليقا ومحميا ثلاثين عاما (الجزيرة)

حضور السياسي
 لماذا تكثرون -كمخرجي أفلام تسجيلية في أميركا اللاتينية- من الطرق على أبواب القضايا السياسية على حساب الاجتماعية والثقافية؟

- لا يمكن فصل الحياة اليومية عن الصراعات السياسية والاجتماعية في أميركا اللاتينية. لقد زاد إنتاج التسجيلي كثيرا وتحديدا في دول أميركا الجنوبية كالأرجنتين وتشيلي وأورغواي وبوليفيا، وخلال سنوات كثيرة قبعت تلك الدول تحت الحكم الدكتاتوري، ولذلك فلا عجب أن تحمل معظم الأفلام ما له علاقة بتلك الحقبة وأن تبقى في الإطار السياسي.
 ماذا عن رصيدك من الأفلام التسجيلية؟

- لدي أربعة أفلام تسجيلية وأنجز الخامس حاليا، اثنان منها يناقشان قضايا سياسية، فالأول أنجز عام 2001 باسم "قصص يومية" يتحدَّث عن ست قصص أو ستة أبناء لأشخاص مفقودين خلال الحكم الدكتاتوري في الأرجنتين، ثم "اللقطة الأخيرة" عام 2009.

وآخران يهتمان بالشأن الثقافي هما: "عندما يأتي القديسون سيرا" عام 2004، وهو تجربة لأوركسترا مكونة من أطفال الأحياء المهمشة يعزفون الموسيقى الكلاسيكية ويتخذون منها طريقا تساعدهم على الاندماج الاجتماعي.

أما الأخير فهو "فتاة السيرك" ويناقش وضع عائلة من "البدو" تعمل في سيرك تقليدي، وقد انتشرت هذه الظاهرة في الأرجنتين خلال سبعينيات القرن الماضي.

 كيف تجد جمهور التسجيلي الأرجنتيني؟

- خلافا لبعض البلدان الأخرى، تتمتع الأرجنتين بثقافة تعتني جدا بالتسجيلي، فقد عرضت جميع أفلامي أولا في صالات السينما قبل أن تشارك في مهرجانات الأفلام التسجيلية أو تعرض في التلفاز.

أرنستو كارمونا (يمين) صديق هنريكسن
أعطى للمخرج الخيوط الأولى للقصة (الجزيرة)

قاتل واضح للعيان
 بالعودة إلى فيلم "اللقطة الأخيرة"، كيف أمسكتم بخيط القصة؟ وكيف استطعتم تجميع الخيوط الأخرى؟

- كان فيلما طويلا ومعقد التنفيذ، ففي القصة تشترك ثلاث بلدان هي الأرجنتين بلد المصور، ثم تشيلي البلد الذي قُتل فيه، وهناك كان الصحفي أرنستو كارمونا، ثم السويد التي عمل مراسلا لتلفزيونها في أميركا اللاتينية، بل إن الصورة الأخيرة التي التقطها كانت تخص التلفزيون السويدي.

أما بالنسبة للصورة ذاتها، فقد كنت أعرفها في السابق، إذ ظهرت في أفلام تسجيلية أخرى، ولطالما استخدمت كنموذج للعنف السياسي خلال تلك الفترة في أميركا اللاتينية دون أن يكون هناك بحث واستقصاء حول أصحابها.

وشاءت الأقدار أن أتعرف على مصور أرجنتيني كان صديق المصور ليوناردو هنريكسن، وهو من أخبرني بتفاصيل الحادثة وقصّ علي القصة، فبدأت بالاهتمام كثيرا بتلك القضية. لقد تساءلت عما يمكن أن يحدث لأي مصور آخر إن مر بظروف كهذه.

كان العسكري إكتور بوستامنتي الذي أطلق النار على هنريكسن صورة فقط بهوية مجهولة، ولهذا لفتت نظري كثيرا هذه القضية، إذ لدينا صورة جابت العالم، ودليل القتل واضح للعيان، وفي نفس الوقت لم يتحرك أحد

وحين بدأتُ تصوير الفيلم كانت صورة هنريكسن رمزا ضد جريمة قتل بدليل واضح جدا، فوجه القاتل جلي وغير مختف، ومع هذا ففي تلك الفترة التي بدأت بها التصوير عام 2003 لم يكن لتلك الشخوص في الصور أي اسم، ولم تكن الأسماء معروفة لأن القضاء لم يعنَ بالقضية.

لقد كان العسكري إكتور بوستامنتي الذي أطلق النار على هنريكسن صورة فقط بهوية مجهولة، ولهذا لفتت نظري كثيرا هذه القضية، إذ لدينا صورة جابت العالم، ودليل القتل واضح للعيان، وفي نفس الوقت لم يتحرك أحد.

 وكيف استطعتم التوصل إلى اسم بوستامنتي؟ هل ساعد القضاء أرنستو كارمونا بتزويده بالوثائق؟

- لا لا، فالقضاء حتى تلك اللحظة لم يكن لديه أي اسم، بالعكس، نحن من زودناه بالاسم. لقد كان لدى كارمونا علاقات كثيرة لكونه يعمل في الصحافة منذ سنين طوال، وقد تمكن من قراءة أول تحقيق جرى بعد مقتل هنريكسن مباشرة، فقد كانت محاولة الانقلاب المعروفة بانقلاب الدبابات فاشلة، ولهذا أجرت الحكومة التي كان على رأسها الرئيس سلفادور الليندي تحقيقا عن مقتل الأشخاص الـ29 في ذلك اليوم، وكان هنريكسن أحدهم.

لكن عندما استلم بينوشيه الحكم في سبتمبر/أيلول إثر الانقلاب العسكري، ظل ذلك التحقيق مؤرشفا لمدة ثلاثين عاما، حتى بدأنا خلال تصوير الفيلم بنبش التحريات السابقة، وشيئا فشيئا عرفنا الشهود وحصلنا على أرقامهم من دليل الهاتف، وهكذا حتى وصلنا إلى معرفة من أطلق النار على هنريكسن وأصدر الأوامر بقتل المدنيين.

المخرج هابيجر وإلى يمينه الصحفي كارمونا  أثناء تصوير فيلم "اللقطة الأخيرة" (الجزيرة)

ردود الفعل
إذاً، ففريق عمل الفيلم هو من نظم المظاهرة -أو ما يسمونها في تشيلي "الفونا"- أمام منزل بوستامنتي؟

- نعم، الفونا لها مؤسستها الخاصة، ولكن عندما أطلعناهم على القضية قرروا الاعتصام أمام بيت بوستامنتي وتعليق صور العسكريين الذين انتهكوا قوانين حقوق الإنسان.

 ماذا عن ردة الفعل بعد عرض الفيلم من قبل القضاء والناس وحتى عائلة بوستامنتي؟

- ردة الفعل مهمة جدا، فبداية كانت المعلومات التي بأيدينا أكثر بكثير مما في أيدي القضاء، هذا ليس لأننا باحثون متمرسون، بل لأن القضاء لم يكن قد فعل شيئا حتى تلك اللحظة تجاه تلك القضية. لذا كان عرض الفيلم محفزا له لاتباع الإجراءات القانونية دون مماطلة.

ومن ناحية أخرى، ظهر شهود آخرون أضافوا لنا تفاصيل ما جرى في ذلك اليوم، فكما يظهر في الفيلم هناك شخص وقع على الأرض ثم دفعه بوستامنتي وأمره بالذهاب. لقد عرَّف هذا الشخص نفسه وتواصل معنا، وبالنسبة للقضاء التشيلي فللأسف اعتبر القضية منتهية بسبب تقادم الزمن.

أما عائلة بوستامنتي فلم نلتقها أبدا، لكن بعد انتهاء "الفونا" اتصلوا بالشرطة بسبب استمرار اثنين من فريق العمل في تصوير البيت، كنت في سفر حينها، وعلمت أن الشرطة اعتقلتهما لمدة ساعتين قبل أن تفرج عنهما.

بعد عرض الفيلم عام 2009، لم يكن لبوستامنتي وعائلته أي ردود أفعال، إذ كان قد فارق الحياة بعد صراع طويل مع مرض السرطان.

 هل واجهتم صعوبات في الإنتاج؟

- بالنسبة للتمويل المادي، فلحسن الحظ أن الفيلم دُعم من أكثر من مؤسسة سينمائية وثقافية، لكن الصعوبة الأكبر كانت الخوف والصمت الذي حل بالجنود والعساكر فرفضوا الحديث إلينا. أعتقد أن عودة الديمقراطية إلى البلاد لم تلغ أفكار هذه الفئة التي تربت في مؤسسة عسكرية شديدة التحفظ، كما أن هناك قطاعا من الناس ما زال يؤمن بأفكار بينوشيه. ومن المحتمل أن يكون بعضهم هاربا من الماضي ولا يريد العودة إليه.

video
أصدقاء هنريكسن
 كيف وجدتم أصدقاء هنريكسن وأنتم تعرضون لهم شريطا حقيقيا من ذكريات صديقهم المقتول بطريقة بشعة؟

- منهم من تفاجأ بما عرضنا عليه من معلومات، فصديقه السويدي جان ساندكيست صدم عندما رآه محمولا من شارع إلى آخر لأنه كان قد وصل بعد ذلك المشهد بثوان معدودة، وكان الفارق بين نزول هنريكسن من غرفة فندقه إلى الشارع ونزول ساندكيست من مكتبه لا يتعدى الدقائق.

أما أصدقاؤه في الأرجنتين فقد كانوا متأثرين جدا، وشكل لهم موت ليوناردو تراجيديا مؤلمة، غير أنهم وطوال الأعوام السابقة كانوا يتجنبون الحديث عنه كي لا يزيدوا آلامهم. وخلال التصوير وجدوا أنفسهم في مواجهة الكاميرا، وكان عليهم أن يتقبلوا الأمر ويعبروا عن مشاعرهم.

 رغم أننا ذكرنا تصنيفا للفيلم على أساس أنه يحمل ثيمة سياسية، فإنني أرى أعماقه تغرق في الجوانب الإنسانية، فما أكثر لحظة مؤثرة وصادمة خلال تصويره؟

- أشد اللحظات عسراً كانت الخوف. لقد ذهبنا إلى بيت بوستامنتي وبدأنا التصوير ونحن مرعوبون من ردة الفعل التي يمكن أن نقابل بها، لم نكن نعرف من سيخرج علينا ويقابلنا. تساءلنا: هل سيخرج علينا مشهرا سلاحه أم سيكون غير مسلح؟ هل سيجابهنا بعنف؟

أما اللحظة الأخرى فكما ذكرت سابقا كانت لحظة تصوير أصدقائه الذين انفعلوا كثيرا خلال تسجيل الفيلم.

لمتابعة تفاصيل أكثر عن الفيلم اضغط على الرابط التالي:

"اللقطة الأخيرة".. الصحفي الذي صوّر قاتله

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة