"بدي أعيش".. دراما تسجيلية لحلم عفوي   
السبت 1435/8/23 هـ - الموافق 21/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 20:58 (مكة المكرمة)، 17:58 (غرينتش)

الحبيب ناصري

"بدي أعيش" للمخرج الفلسطيني أحمد حمد فيلم تسجيلي قصير (عشرون دقيقة)، خلخل طبيعة تلقينا للمنتج السينمائي الفلسطيني بشقيه التسجيلي والروائي.

قصة تسجيلية إبداعية درامية، تحكي معاناة شاب فلسطيني قصير القامة، وعمره 19 سنة، واسمه "مُعين"، خجول من وضعه الفسيولوجي، يتجول بشوارع وأزقة عديدة يوميا من أجل بيع الكعك.
 
شاب يحلم بأن يتزوج ويكون كبقية شباب عصره. ورغم طبيعة معاناته ونظرة الآخرين له فهو يحلم، ومعه يصبح الحلم "حقا"، مميزا لوجود الإنسان كيفما كانت طبيعته.
 
"بدي أعيش" للمخرج الفلسطيني أحمد حمد فيلم تسجيلي قصير (عشرون دقيقة)، خلخل طبيعة تلقينا للمنتج السينمائي الفلسطيني بشقيه سواء التسجيلي أو الروائي
في حدود العنوان
من خلال عنوان الفيلم "بدي أعيش"، نستخلص مدى الرغبة القوية في ضرورة العيش، إن العنوان هنا صرخة مباشرة بلغة المعيش اليومي الواقعي، في وجه كل الذين يشكلون عائقا أمام حلم هذا الشاب.

"عنونة" بلغة المتكلم في وجه الآخر، سواء مكونات مجتمعه أو الأب الذي كان همه طيلة الفيلم أن يوفر له ابنه هذا لقمة عيشه هو، حيث كان الأب مستغلا ظروف الابن "شبه المعتوه" أيضا، لينتظره في المساء في البيت ومن ثم حصوله على كل ما جمعه من محصول مالي بسيط.

جمالية الفيلم تكمن هنا، في قدرته على جعل هذه "الحدوتة" الاجتماعية الفلسطينية خيطا قصصيا موجها وجارا للمتلقي لكي "يتلصص" على المكان الفلسطيني، وما يعيشه خارج الصورة المعتادة، والمرتبطة بوجود محتل يأسر أو يطارد مواطنا فلسطينيا... إلخ.

هي صورة فلسطينية محضة خارج سياق الحرب والصراع، صورة من خلالها نكتشف جزءا من أمكنة الضفة الغربية وطبيعة المعيش اليومي الفلسطيني، هي صورة فلسطينية/فلسطينية بامتياز.
 
ما زاد القوة في هذا الفيلم التسجيلي الفلسطيني -والفائز مؤخرا بمدينة آيت ملول الجنوبية المغربية بالجائزة الكبرى- هو حكيه الواقعي، وكأننا أمام مخرج/مصور
حلم وحيد
ما زاد القوة في هذا الفيلم التسجيلي الفلسطيني -والفائز مؤخرا بمدينة آيت ملول الجنوبية المغربية بالجائزة الكبرى- هو حكيه الواقعي، وكأننا أمام مخرج/مصور يتابع كل تفاصيل الحياة لدى هذا الشاب الفلسطيني الذي "يثير" الضحك بمجرد حديثه مع مشترٍ ما، بل الكل يمازحه، ومن موقع "الشفقة" على حاله الفسيولوجي، وشكله الموحي بكونه "غير سوي".

إن مرافقة هذا الشخص ومنذ الصباح الباكر وإلى حدود مغيب الشمس، وبشكل عفوي، تتيح لنا معاينة بساطته في رؤيته للحياة، وحلمه الوحيد أن يعيش كبقية الشباب. كل هذا جعلنا نتماهى ونتعايش، بل نتضامن مع قصة الفيلم التسجيلية والعفوية.

تصل ذروة هذا التماهي حينما يتحول فريق الفيلم التسجيلي إلى فريق متضامن مع شخصية الفيلم، ولا سيما حينما يتلف محصوله المالي اليومي، ليبدأ في ذرف الدموع خوفا من أبيه الذي سيباغت فريق الفيلم، وينهال على ابنه بالضرب بعدما علم بضياع هذا المحصول، ضرب نجح هذا الفريق في توثيقه، ومن زاوية خفية وعن بعد، مما يؤكد التفاعل القوي مع كل مراحل حياة هذا الشخص اليومية.
هنا متعة جديدة نستخلصها من متعة مضامين الفيلم، متعة القراءة الحلوة/المرة، الحلاوة هنا في طبيعة الشفرة/الرمز وفسحة التأويل

حياة عادية
"بدي أعيش" صرخة فلسطينية/فلسطينية محضة، بعيدة كل البعد عما هو مألوف في طبيعة ما ينتج من أفلام تسجيلية فلسطينية. صرخة داخلية من الممكن أن نوظفها دليلا آخر على حق كل مكونات هذا الشعب الفلسطيني في ممارسة كل أشكال حلمه ذات الطبيعة الإنسانية، بل الحلم هنا في حياة عادية هو حق الجميع.

نظرة نجح المخرج في حكيها بلغة الصورة التي جالت بنا في العديد من الأزقة والشوارع الفلسطينية، بكل تقاسيمها وإيقاعاتها الزمنية والاجتماعية، ومن الممكن الجزم هنا بأننا أمام شكل من الأفلام التسجيلية، التي لا يغيب فيها حس/رؤية المخرج الإنسانية، رؤية قدمت لنا دون ملل، ودون استخدام "مساحيق" صوتية خارجية، ودون راوٍ خارجي، يمارس توجيهه/تضليله لنا وفق ما يهوى من يحركه.

كل الإيقاعات الصوتية كانت لشخصية بطل الفيلم "مُعين" ومن يتحدث معه من الزبائن. لنتأمل اسمه وما يمكن أن نولد منه من دلالات عديدة، تتساير ووظيفته في الفيلم، بل في الحياة ككل.

من الممكن أيضا القول إن مخرج الفيلم نجح -وبشكل ممتع- في توليد إيقاعات صوتية داخلية لخطوات بطله، إيقاعات وثقت صوتيا بطريقة نقيس بها إنسانية هذه "الحدوتة" الفلسطينية التسجيلية، بإيقاعات أعطت للفيلم التسجيلي بنية موسيقية قوية ودالة.

إيقاعات جعلتنا نوقف زمن التلقي -ولو رمزيا- لمقارنتها مع خطواتنا، بل لنقلدها تخيليا كشكل من أشكال التضامن الرمزي، ولا سيما أنها خطوات تعكس طبيعة هذه الشخصية.

مُعين يحلم بأن يكون كبقية الشباب رغم نظرة الآخرين إليه (الجزيرة)
مكر القراءات
هل هي لحظة "استمتاع" مولودة من رحم هذا الألم الإنساني الفلسطيني؟ هل هي لحظة/خطوات من الممكن ممارسة "مكر" القراءات ونطل من خلالها على خطوات القضية "المعاقة"؟ هل هو القدر الحتمي الجاثم على هذا الكيان الفلسطيني؟

هنا متعة جديدة نستخلصها من متعة مضامين الفيلم، متعة القراءة الحلوة/المرة: الحلاوة هنا في طبيعة الشفرة/الرمز وفسحة التأويل.

والمرارة وليدة هذا "القدر" الفلسطيني، حتى وهو يريد أن يتململ خارج ثنائية الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي، لكن هذه الثنائية الضدية تجعلنا -حتى نحن المتلقين- نستحضر هذه المرارة المهيمنة على واقع هذا الشعب الفلسطيني العريق، الذي أصبح معروفا بتلحين وتوليد سيمفونية الأمل من بنية الألم.

أو لنقل أصبح شعبا قادرا على استخراج عذوبة ما من عذاب ما، وهي لعمري عنوان لما يمكن تسميته بـ"جمالية العذاب" الحاضرة على امتداد فيلم "بدي أعيش".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة