"السلام المر".. وثيقة بصرية للنفق المظلم   
السبت 1435/11/20 هـ - الموافق 13/9/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:02 (مكة المكرمة)، 11:02 (غرينتش)

مهند صلاحات-ستوكهولم

لم يكن أحد من بين الجيل الأول للمهاجرين اليهود يتصور أن رسالةً سترسلها رئيسة وزراء إسرائيل غولدا مائير ستقود بهذه السهولة إلى أول اعترافٍ عربيٍ بهذه الدولة التي أُعلن عن قيامها على أراض عربية محتلة قبل عقدين فقط، بل تنال إسرائيل أماناً طويل الأمد على حدودها الجنوبية.

لم تصدق غولدا مائير نفسها ولا حكومتها أنهم وعبر تلك الرسالة ماضون لأبعد من مجرد اعتراف أكبر دولة عربية بوجودهم، بل إلى حفظ أمنهم وسلامتهم على المدى الطويل، بفتح باب تطبيع العلاقات مع بقية الدول العربية وتوقيع اتفاقيات سلام مع الجوار ليصير جواراً آمناً بعد أن زال الخطر الذي كان الجيش المصري يشكله تجاههم عقب حربين قاسيتين.
رسالة من غولدا مائير قادت لأول اعتراف عربي بإسرائيل (غيتي)

حتى إن وزير الخارجية المصري محمد إبراهيم كامل، الذي قدم استقالته أثناء المفاوضات في منتجع كامب ديفد ليكون بذلك ثالث وزير مصري يستقيل احتجاجاً على نهج السادات في توقيع الاتفاقية، كتب في مذكراته "وقع السادات في النهاية على ما لم يكن يراود الإسرائيليين في أكثر أحلامهم تفاؤلا".

الحصاد المر
بعد ما يقارب الأربعين عاماً من تلك الرسالة التي وصلت إلى أنور السادات عبر وساطة رئيس وزراء رومانيا الذي شارك في تشييع جمال عبد الناصر، عنونت المخرجة روان الضامن فيلمها الوثائقي بـ"السلام المرّ"، لتشير ومنذ البداية إلى حصاد مرّ، ما زالت شعوب المنطقة العربية وعلى رأسها الفلسطينيون واللبنانيون والمصريون يعيشونه.

لعل أبرز ما يواجه المخرج التسجيلي في الأفلام التي تستند إلى إعادة قراءة حدث تاريخي معتمداً بشكل شبه كلي على المادة الأرشيفية، هو ما الجديد الذي سيقدمه الفيلم؟ وكيف سيقدمه؟ وهذا غالباً الرهان الذي واجهته روان الضامن في إعادة قراءة الظروف التي رافقت أول اتفاقية سلام عربية إسرائيلية تغيرت بعدها خريطة المنطقة العربية وفُرضت إسرائيل دولة أمر واقع.

الفيلم الذي عُرض ضمن السلسلة الوثائقية "تحت المجهر"، التي تنتجها وتعرضها فضائية الجزيرة، ارتأت مخرجته أن تتناول الاتفاقية بمنهجية إعادة قراءة الحدث ضمن بحث وتوثيق لظروفه التاريخية المحيطة.

ولعلها -من خلال متابعتي الشخصية لأفلام الضامن في السنوات الأخيرة- أصبحت ميزة أفلامها في البحث المعمق والتفصيلي بشكل جيد في الأرشيف العالمي، وامتلاك مصادر جيدة تعطيها التوثيق الكافي حين تروي الحدث، وكذلك فعلت في السلام المرّ، إذ قدمت قراءتها المعاصرة للظروف التي أحاطت بتوقيع الاتفاق، ولاحقاً تابعت الظروف التي توالت وأدت لأن خرجت الحظيرة العربية التي انهار تضامنها، لتلحق بالثور الذي فرّ، بحسب تعبير الشاعر العراقي أحمد مطر، والذي استخدمته المخرجة لتعبر عن وجهة نظر الشارع العربي حيال اتفاقات التسوية العربية مع إسرائيل.

صفقة المليار

اعتمد الفيلم بشكل شبه كلي على المادة الأرشيفية وكان رهانه هو ما الجديد الذي سيقدمه؟ وكيف سيقدمه؟ لم تصدق غولدا مائير نفسها ولا حكومتها أنهم وعبر تلك الرسالة ماضون لأبعد من مجرد اعتراف أكبر دولة عربية بوجودهم
يرى السينمائي السويسري جان لوك غودار أن الفيلم التسجيلي "لا يبحث عن الآنيّ لذاته، بل لما يفرزه من اللا نهاية"، وفي هذا الفيلم الذي أنتج وعرض عام 2009، أي ما قبل الثورة المصرية، يقدم إجابات مبكرة لأبعد من زمان إنتاجه الفعلي على أسئلة خلقتها أحداث تلت إنتاجه بسنوات عدة حول شكل مؤسسة الحكم القادم في مصر بعد مبارك، وعن قوة وسطوة المؤسسة العسكرية التي تحكم مصر وسرّ قوتها وثروتها.

فمع توقيع تلك الاتفاقية حصلت إسرائيل في مذكرة ضمانٍ أميركية على زيادة دعمها عسكريا واقتصاديا وسياسيا، في حين حصل أنور السادات على حراسة شخصية أميركية لم تحمهِ لاحقاً من الاغتيال ونصف جائزة نوبل للسلام.

ومصر، التي كان من المفترض أنها نالت السلام، قطعت الدول العربية علاقاتها معها وتراجعت سياسيا وثقافيا، في حين حصلت المؤسسة العسكرية المصرية على مليار دولار أميركي سنوياً تحت بند دعم السلام بالشرق الأوسط ثمناً للتطبيع مع إسرائيل، وحماية بنود الاتفاق، وارتهان الجيش المصري مقابل المليار دولار ليكون حاميا لبنود تلك الاتفاقية.

يمكن اعتبار الفيلم رؤية استشرافية لانقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013 في مصر، ودور المؤسسة العسكرية في حماية "ثمن" كامب ديفد السنوي، مما يمكن أن يهدد ديمومته وخوف المؤسسة العسكرية من مساس الإخوان المسلمين ببنود الاتفاقية.

بطولة الأرشيف
روان الضامن.. بحث معمق في الأرشيف العالمي (الجزيرة)
اعتمد الفيلم بشكل كامل على مادة أرشيفية مصورة من مصادر مختلفة، مما يعني أن عنصر حركة كاميرا المخرج كان شبه مختفٍ، وحلّت محله الخبرة المهنية في التعامل مع المادة الأرشيفية وتطويعها فنياً، ولجأت إلى التعليق الصوتي لسرد القصة والحدث، فشكل التعليق الذي استخدمته المخرجة على مدار الفيلم مدخلاً أسلوبياً في تفسير الصورة وتوضيح خلفيتها، فأكسب التعليق المكتوب بحرفية الصحافي والباحث بُعدا حسياً توضيحياً بالعلاقة مع التعبير البصري الموازي.

وعلى الرغم من غياب عنصر أساسي في صناعة الفيلم التسجيلي، وهو مضمون العلاقة المفترضة بين المخرج والأشخاص المختارين للوقوف أمام كاميرته، استعاضت الضامن عن ذلك بتقديم ما يلزم المتلقي أن يعرفه عن سيرة هذه الشخصية وعلاقتها بمصر، والتاريخ العسكري، والاتفاقية ذاتها.

لا يزال مذاق "السلام المرّ" في أفواه شعوب المنطقة العربية، دون حلٍّ واقعي بديل لكامب ديفد ومخرجاته، وإخراج المنطقة العربية من مأزق السادات ومن تبعوه في اتفاقيات سلام مشابهة بالظروف والخطوط العريضة للتفاوض التي وضعها المفاوض العربي الأول لخلفه من المفاوضين الفلسطينيين أو الأردنيين، أما الفيلم فيمكن اعتباره وثيقة بصرية خاصة بإحدى أخطر الاتفاقيات الدولية العربية التي قادت لنفق مظلم في مفاوضات سلام نال فيها الإسرائيليون أكثر مما حلموا فيه يوماً.

وثيقة عكست تفتّحا معرفيا ووعيا بماهية الفيلم التسجيلي، قدمت بحثاً في جذور الاتفاق الذي رسم خريطة المنطقة العربية، وحللت أزمتها المعاصرة، وقرأت فيه مستقبل مصر القريب والمنطقة من خلال أحداث التاريخ.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة