العتّالة الصينية وانغ.. كبرياء الأرملة   
الأربعاء 1436/9/1 هـ - الموافق 17/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 22:51 (مكة المكرمة)، 19:51 (غرينتش)


أنمار حجازي*

الحكاية تتحدث عن الصين، عن حياة بين المرفأ والجبل، ونموذجين لامرأتين قررتا خوض أصعب القرارات وأصعب التجارب.

فيلم "امرأة في طرقات الجبل" يتحدث عن قصتين متوازيتين، الأولى لوانغ ميهونغ أم لثلاثة أولاد والمعيلة الوحيدة لعائلتها، تعمل عتالة بين جبل كيوان والوادي، تنقل ما يقارب الثلائمئة كيلوغرام يوميا صعودا ونزولا على عشرات الآلاف من الدرجات من وإلى قمة جبل كيوان.

أما القصة الثانية فهي عن هوا ون، وهي ممثلة ورئيسة فرقة مسرحية تعمل على أوبرا تحكي قصة العتالة وانغ، وتحاول بجدها أيضا أن تقدم أفضل عرض أوبرا على نطاق الصين، تمجيدا للمرأة الصينية ولما تواجهه من تحديات.

العتالة وانغ ميهونغ.. 17 عاما من صعود الجبل (الجزيرة)

بداية الفيلم مفاجئة لأنها تتحدث عن عرض الأوبرا وعن الممثلة هوا ون المصممة على نجاح عرضها بكل ما يمكن، جد وعمل وحديث كالإشاعات عن الشخصية الرئيسية التي تبدو مخلوقا غريبا نابعا من خيال الكتاب.

ثم يندمج ديكور العرض مع طبيعة جبل كيوان الساحرة، حيث نرى تلك المرأة الشهيرة بجسدها المشدود وقوتها الخارقة للعادة، فهي تحمل أثقالا غير طبيعية لمسافات كبيرة جدا، ونرى أيضا تواضع تلك المرأة التي لا ترغب من الحياة إلا تأمين لقمة العيش لأطفالها أو يافعيها بالأحرى.

مشاهد للجبل، لقطات للمرأة أثناء مسيرها تظهر لنا تعبها وشقاءها وتظهر لنا وحدتها، فمعظم لقطات الفيلم تظهرها غارقة في الوحدة في صمت الطبيعة الوقور.

ثم تعود الممثلة للظهور، فمشاهد تدريبات الأوبرا والعرض بحد ذاته يفتحان دائما الباب أمام المخرجة لتتحدث عن العتالة، الأم المكافحة.

الفيلم يجسد حياة تلك المرأة الخارقة للعادة عن طريق مقارنتها بمشاهد عرض الأوبرا ومشاهد التدريبات على العرض التي تظهر مدى الاختلاف والتأثير المتضاد على حياة الممثلة وعلى حياة العتالة بشكل متواز عن طريق المقارنة البسيطة لخبر في صحيفة تقرأه الممثلة التي تعلن أيضا عن عروض جديدة والقطع فورا إلى العتالة المنهمكة بالعمل في ذلك المكان الفقير.

الفيلم يبدو كعرض مسرحي يبدأ مع التحضيرات لعرض الأوبرا وينتهي مع الموسيقى الحزينة والصورة العائلية.

أحد الشباب يحمل بصعوبة ما تحمله العتالة وانغ ميهونغ (الجزيرة)

يمكننا أن نقسم الفيلم إلى عدة فصول تبعا لتقسيم المشاهد في عرض الأوبرا حسب ما تم تصويره: مرحلة التعرف على وانغ ميهونغ من مقاطعة أنهوي وعلى أطفالها والمصيبة التي حلت بالعائلة بعد موت الأب.

ثم فصل التحديات التي واجهت العائلة بعد استيعاب فقدان الأب من قبل الأسرة، بما فيها المشاكل مع أهل الأب الميت وحياة الأم الوحيدة وآمالها كشابة في ذلك المجتمع القاسي.

الفصل الثالث هو العمل، تمجيد العمل النزيه والربح بعرق الجبين، الممثلة تبذل ما بوسعها مع الكُتاب للقيام بعرض جيد، ثم تظهر وانغ البسيطة ذات الوجه الوردي تصعد وتنزل الجبل، تطبخ، وتزرع، وتطعم الخنازير، وتقلق على أطفالها، كل هذا بلقطات مدروسة ومونتاج محبوك.

أما الفصل الرابع فهو يتحدث لنا عن تعرف وسائل الإعلام والإنترنت على العتالة والنتائج الجيدة على المسرح والعرض والنتائج السلبية في الواقع لكن ليس بشكل دائم فهناك بعض النتائج الإيجابية، لكنها لم تأت لا من الدولة ولا من العائلة ولا من وسائل الإعلام ولا حتى من المسرحية المهتمة بقصة تلك المكافِحة.

الفصل الخامس يتحدث عن نجاح العرض وتعقد حياة العتالة أكثر فأكثر مع تزايد الضغط الإعلامي والوعود الكاذبة، كما يتحدث عن نهاية قصة العتالة بفتح طريق الجبل، فتح الطريق جعل وانغ عاطلة عن العمل، لكأن الأضواء الساطعة والشهرة ألحقت الضرر بمدخولها من العتالة فقررت بيع عبوات المياه، ليس بإمكان وانغ أن تهدأ.

ثلاثة أطفال يؤدون أدوار أطفال العتالة في أوبرا نالت شهرة بالصين (الجزيرة)

يتميز الفيلم باستخدامه تقنيات فنية مؤثرة كفكرة فيلم يتحدث عن مسرحية تتحدث عن قصة حقيقية، أي كقالب ضمن قالب حيث يتمكن المشاهد من رؤية حياة المرأة وكيف تجسدت في مسرحية ثم في فيلم يقدم نفسه موثقا للطرفين.

ويظهر ذلك جليا بسبب دقة المعلومات التي تقدمها المخرجة بصوتها عن الشخصيتين الرئيسيتين وحياتيهما وعن أعمالهما وتأثير الشخصيتين على بعضهما، وذلك باعتمادها على طريقة سيناريو العرض الكلاسيكي الذي يعتمد على الخمسة فصول وهو مستخدم أيضا في الأوبرا التي تقوم بها هوا ون.

يعتمد الفيلم بشكل عام على تناغم المونتاج الصوتي ومونتاج الصورة بطريقة تجعل عالمي المرأتين متداخلين أو متأثرين بشكل متعدٍ، فالصوت بين المسرحية والجبل يمتد بين أقسام الفيلم بحيث نشعر بأن ما يحدث في القصتين متطابق، كما أن استخدام تداخل الصور في القطع بين المشاهد يعزز فكرة التطابق ذاتها وهذا ما يخلق تواطؤا بين المشاهد وشخصية العتالة المصورة أحيانا بطريقة ساذجة في المسرحية، أمر يخلق مشاعر غضب وتساؤل لدى المشاهد.

إضافة لاستخدام لقطات تصور المكان التي تعيش فيه كل امرأة بشكل جيد، فغالبا ما تظهر مشاهد تصور منزل العتالة أو الجبل من عدة زوايا وقياسات للقطات، نفس الشيء في المسرحية التي تتحدث بشكل دائم عن شخصيتها وعن قوتها وعدم استسلامها، مما يقدم صورة مقنعة أكثر لقصة الشخصيتين ويعزز التداخل بينهما.

الممثلة هوا ون تصعد قمة الجبل في عرض أوبرالي يستلهم قصة العتالة الصينية (الجزيرة)
تحاول هوا ون من جهة أخرى أن تتحدث في عرض الأوبرا عن صراعات تلك المرأة الداخلية كامرأة وحيدة.. ما هي دواخل امرأة كوانغ ميهونغ؟ تقول هوا "عندما تنظر إليها تبدو دائما راضية، ليس لديها أعداء" لكن وانغ لديها أعداء كعائلة زوجها.

يبدو أن هوا ون الفنانة المتكاملة والمثابرة أيضا تريد الحديث عن صراعات المرأة ككل في هذه المسرحية فقد جعلت من شخصية العتالة شخصية غنائية وخالدة.

مقارنة بالشاعرية الكبيرة الموجودة في المسرحية فإن حياة المرأة العتالة تبدو مليئة بالصراعات والمصاعب، لكن العرض حاول التحدث عن القيم والمشاعر التي يمكن أن تكون في أفكار يوانغ، مما يؤكد مرة أخرى على دور الفن في إظهار تلك الأعماق التي لا يمكن الدلالة عنها إلا عن طريق التعبير.
ــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتبة سورية مقيمة في باريس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة