مارادونا الآخر.. اللعب مع خيبات الأمل   
الأحد 1436/5/24 هـ - الموافق 15/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 19:23 (مكة المكرمة)، 16:23 (غرينتش)


عبد الهادي سعدون*

حتى أولئك الذين لا علاقة لهم بكرة القدم، هذه الرياضة الشعبية الأولى في كل أنحاء العالم، لا بد وأنهم قد عرفوا أو طرق سمعهم من قريب أو بعيد اسم أسطورة كرة القدم الأرجنتيني دييغو مارادونا، والذي يعده منظرو كرة القدم وعشاقها أفضل لاعب أنجبته ملاعب الكرة متفوقا في هذا على أسماء عالمية مثل الأسطورة البرازيلي بيليه أو من جاء وسيجيء بعده بسنين.

لكنّ مشاهد هذا الفيلم التسجيلي "مارادونا الآخر" (77 دقيقة) سيدرك منذ الوهلة الأولى أنه يسجل وقائع رحلة شخص أرجنتيني آخر لا علاقة لاسمه الحقيقي باسم أسطورة الكرة العالمية. من هنا جاء العنوان كموجه أولي جاذب للمشاهد كي يتقصى ما وراء غاية مخرجيْ الفيلم الأرجنتينييْن آثكيل لوكا وغابرييل آميل، وهما متخصصان بشؤون الرياضة، ومن ثم التوصل لفهم حقيقة هذا الإنسان الذي يدعونه بمارادونا الآخر.

على الرغم من أن غويو يفقد حلمه الكبير مقابل تحقق حلم رفيقه مارادونا فإنه لا يتكلم عن كل تلك السنين الماضية بضغينة، بل على العكس من ذلك، فهو يذكرها كأفضل مراحل حياته
في تفصيل مهم من الفيلم، يذكر المخرجان بأن أهم شيء دفعهما لتسجيل وقائع حياة مارادونا الآخر، المدعو غريغوريو غاريدو، هو التركيز على ما يتحدث عنه البشر جميعا دون تحديد معين لمعنى الكلمة الحقيقي: القدر، تلك الحالة التي تحدد مصير كل واحد منا سواء شئنا أم أبينا.

روحية هذا الشخص الفريد المعروف لدى أصدقائه باسم غويو، أسهمت بشكل كبير في إنجاح تسجيل الفيلم بسبب من ظرافته وعمق إجاباته الشافية على العديد من المواضيع التي يتناولها الفيلم، حتى تلك التي تضعه في موقف المهرج تجاه قدره وأمانيه وأحلامه.

 فقدان الحلم
غويو هذا زميل دراسي لمارادونا الحقيقي في مرحلة الابتدائية، وكلاهما كان يلعب كرة القدم في فريق محلي. كان الجميع يأمل أن يصبح  غويو لاعبا مهما محترفا، وقد جاءته الفرصة في وقت مبكر عندما حاول فريق مهم أن يحصل على خدماته الكروية. كان محبا لأصحابه، وأقنع مدرب الفريق بأنه مستعد لذلك على شرط أن يرافقه صديقه دييغو مارادونا، فهو في رأيه لاعب جيد ويستحق أن يقوم بالتجربة معه.

يوافق المدرب ويكسب اللاعبين إلى صفوف فريقه. مارادونا الحقيقي يتألق، ويعلو نجمه ويصبح من أشهر المواهب الكروية بفضل إلحاح صديقه غويو وإصراره على منحه الفرصة.

وصول مارادونا إلى أعلى درجات سلم الشهرة الكروية سيقابله، من جهة غويو، تدهور واختفاء من الملاعب بسبب إصابته بتمزق في القدم مما يعيق مشواره الكروي. تلك الإصابة القدرية ستمنع تفوقه ووصوله للعب في الفرق المعروفة كحال مارادونا، وما يعني بفترة قياسية نهايته الكروية.

على الرغم من أن غويو يفقد حلمه الكبير فإنه لا يتكلم عن كل تلك السنين الماضية بضغينة، بل على العكس من ذلك، فهو يذكرها كأفضل مراحل حياته ويشير إليها كونها فقرة من حياة طويلة لا بد للواحد منا أن يمر بها بمرارتها أو حلاوتها.

يقول "بنهايتي الكروية فقدت فرصة تسلق السلم، ولكنني لم أنته بالمرة وأصبحت حياتي سباق سلحفاة بطيئا!".

من هنا سيكون قريبا من عالمه الحبيب، ملاعب الكرة، وإن كان ذلك عبر الفرق المحلية وملاعب الدرجة الثالثة وغيرها. الفيلم جاء حافلا بالعديد من التسجيلات التاريخية لبطله برفقة آخرين، من بينهم مارادونا وهما يلعبان معا في فرق الطفولة والشباب.

أرشيف غويو مارادونا
 تسجيلات مهمة تضيف للفيلم بعدا أرشيفيا لفترات مهمة من حياة غويو، وبالطبع من تاريخ الكرة
الأرجنتينية والعالمية، وهي تقدم أفلاما نادرة لمارادونا قبل أن يصبح أسطورة أحد معالم كرة القدم.

بطل فيلمنا هنا مازال يكافح أملا بحياة أفضل له ولعائلته. لم تقض عليه إحباطات الحياة، بل جعلته يراقبها كجزء مهم من تاريخه وربما بدافع قوي لتذكرها والحديث عنها كل يوم

شخصية غويو، الرجل الكبير اليوم وصاحب عائلة متكاثرة يوما بعد آخر، والذي يعيش في أحد الأحياء الفقيرة بالعاصمة بوينس أيرس، في بيت لم يكتمل إنشاؤه بعد، لا يضع حدا أمام الكاميرا بالدخول في كل مرافق حياته، في أدق تفاصيل حياته البسيطة، مع عائلته، رفقة أصدقاء يعرفونه أو في حقل عمله المستمر منذ عشر سنوات مدربا لفريق محلي، وفي الوقت نفسه واحدا من "عيون فرق الكرة" أي صائدا للمواهب الكروية الصغيرة والتي بفضله ستصعد لمصاف فرق مهمة، وقد توافق حظوظا أفضل مما وافقه هو نفسه.

فيلم "مارادونا الآخر" ذو وقع إنساني حميم وهو يتابع ما آل له مصير أحد الشخصيات البشرية العديدة التي نتقابل وإياها في الشوارع والأحياء ومواقع أعمالنا، وندرك من خلالها خيبات آمالهم بسبب من عدم تحقيق أحلامهم التي صرفوا فيها الكثير من الجهد والمزيد من المران والوقت والتضحية. هذه الآمال المحبطة قد تودي بحياة العديد منا عندما لا نمسك بخيط أحلامنا ولا نجد لأنفسنا مخرجا كريما.

بطل فيلمنا هنا ما زال يكافح أملا بحياة أفضل له ولعائلته. لم تقض عليه إحباطات الحياة، بل جعلته يراقبها كجزء مهم من تاريخه وربما بدافع قوي لتذكرها والحديث عنها كل يوم، كما الحال في الفيلم هنا، لكونها لصيقة به ولا يمكن إغفالها سواء في تلك الأيام التي مضت أو تفاصيل الأيام القادمة.

* كاتب عراقي مقيم في إسبانيا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة