حين تتحكم الصور النمطية المسبقة بصناعة الفيلم   
الاثنين 1435/7/20 هـ - الموافق 19/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:47 (مكة المكرمة)، 12:47 (غرينتش)


 عزة سلطان

لزمن طويل شاعت في مصر مقولة إن هؤلاء الذين يولدون محدودي الذكاء (Mongolian gawk) هم مبروكون، وبعض العامة يتخذون من مواقفهم وكلماتهم حِكما وعلامات في الحياة. ويبدو أن صناعة فيلم "أوني" للمخرجة سالي أبو باشا انطلقت من الرؤية ذاتها.

تقول أبو باشا إنه فيلم من نوعية "الديكو دراما" وعلى الملصق الخاص به وضع "سيناريو وحوار" شاركت فيه هي مع أحمد خالد.

يتعرض الفيلم -وزمنه عشرون دقيقة- لحياة أحد الأفراد الذين يعانون من متلازمة داون أو (Mongolian gawk) ويلقب بـ"أوني"، وحاز عدة جوائز منها مؤخرا جائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم وثائقي مناصفة مع فيلم أمل دنقل للمخرج مصطفى محفوظ في مهرجان سوس بالمغرب بدورة 2014 التي انتهت منذ بضعة أيام، وجائزة الخنجر البرونزي من مهرجان مسقط السينمائي في دورته الأخيرة 2014.
حالة من الإملاء على المشاركين بالفيلم أفقدته أهم سمة في العمل الوثائقي (الجزيرة)

فقد السيطرة
أبو باشا لديها حساسية مدهشة في اختيار لقطات مميزة اتضحت في أفلام سابقة، وفي فيلم "أوني" سعت إلى الحفاظ على خصوصية رؤيتها، فكان هادئا يتعرض لحياة "أوني" مارا بكيف يعيش حياته.

بيد أن الفيلم لم يكن عميقا بالقدر الذي يكشف عن عمق الشخصية، وبدا أن زمن الفيلم كلما طال فقدت المخرجة السيطرة على إحكام بنيته.

حين تقرأ عبارة سيناريو وحوار على ملصق فيلم وثائقي لا بد أن تتساءل كيف يكون هناك حوار لأشخاص طبيعيين يقوم الفيلم برصد حياة أحدهم؟

ويتبين أن هناك ما يشبه الإملاء على المشاركين فيه، ماذا يفعلون وماذا يقولون؟ وهو أمر يُفقد الفيلم أهم سمة في العمل الوثائقي من تلك النوعية التي تتعرض لرصد حياة بعض الأشخاص.

شخصية "أوني" ثرية، تنبئ عن فيلم وثائقي متميز، لكن المخرجة والباحث انطلقا في المعالجة من الصورة النمطية عن هذه الفئة في المجتمع، كما أنه يمكن استنتاج أن وقت التصوير كان محدودا مما ينبئ عن توجيهات من أبو باشا للشخصيات التي يتم تصويرها فاستعرضا -بشكل تقليدي مطول أو ممل- نمط حياة "أوني" وعائلته وبعض جيرانه وعمله.

تفاصيل ثرية
من المتعارف عليه علميا أن هؤلاء الأفراد محدودي الذكاء عمرهم العقلي محدود وبعضهم يتوقف نموه العقلي في مرحلة الطفولة، ولذا فإن علاقاتهم بالأطفال تكون أكثر عمقا وشفافية.

وفي الفيلم نجد لقطتين زمن كل منهما لا يتجاوز الثواني يظهر فيها "أوني" مع أطفال في الشارع، وأخرى يظهر مع أطفال في البيت، كانت أكثرها تلقائية وحيوية هي وجود الأطفال معه في البيت.

التفاصيل مثل علاقة "أوني" بالأطفال، ومثل شغفه بالممثلة المصرية ليلى علوي، ومثل عمله في ورشة، كلها تصنع فيلما متميزا مليئا بالإنسانية والكشف، لكن الاندفاع خلف صور مسبقة جعل الفيلم يبدو تقليديا.

محاولات لإيقاظ شخصية الفيلم وظهوره واستعداده للخروج وتواصل المحيطين به بدت اصطناعية لإحساسهم بأن هناك كاميرا تراقبهم.

لقطات مثل مشاركة "أوني" في حلقة ذكر هي تأكيد على الصورة النمطية التي انطلقت منها صناعة الفيلم، بينما أهدرت أبو باشا فرصا لتقديم شيء مختلف حول مثل هذه الفئات.

تفاصيل حياة "أوني" كلها تصنع فيلما متميزا مليئا بالإنسانية والكشف لكنها أُهدرت في الفيلم (الجزيرة)

لماذا ليلى علوي؟
لم يتعرض الفيلم لهذا الولع لدى "أوني" بالممثلة المصرية ليلى علوي، وهو أمر كان يحتاج لاستيضاح، لماذا ليلى دون غيرها، كما أن مشاهد "أوني" في حلقة الذكر جاء بلا تقديم، ولم تقدم أية معلومات عن هذه الحلقة التي باتت أشبه بأحد الموالد الدينية، والتي لم نعرف أيضا مناسبتها.

كانت أبو باشا تحتاج أن تضع كاميراتها لفترة قبل أن تبدأ التصوير الفعلي حتى يعتاد المشاركون في الفيلم عليها، وتتسم تحركاتهم وتصرفاتهم بالطبيعية، وهي محاولات يقوم بها صُناع الأفلام حتى يعتاد الضيوف الكاميرا ويتصرفون بتلقائية أكثر.

كان اختيار الموسيقى موفقا باستثناء صوت عبد الحليم حافظ الذي افتتح الفيلم دون مبرر منطقي، كما أن اختيار أماكن التصوير و"الكادرات" جاء موفقا إلى حد كبير.

"أوني" فيلم يعرض حياة أحد المصابين بمتلازمة داون بشكل بسيط وسلس، وكان بحاجة للتركيز على بعض تفاصيل تكشف عمق الشخصية.

سعت أبو باشا لاختيار موسيقى تضفي أجواء هادئة على الفيلم وتكسبه نعومة في الانتقال، كما أن التصوير كان في مناطق يغلب عليها الطابع الأثري في القاهرة، وهو ما يقدم صورة محببة للعين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة