طنجور: أبحث في أفلامي عن نفسي وعن الآخرين   
الأربعاء 29/3/1435 هـ - الموافق 29/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:21 (مكة المكرمة)، 13:21 (غرينتش)

حاوره- محمد هديب

حاز فيلم "بارودة خشب" للمخرج السوري الفوز طنجور على جائزة الحريات العامة وحقوق الإنسان في مهرجان الجزيرة الدولي التاسع للأفلام التسجيلية 2013.

قدم المخرج مجموعة من الأفلام الوثائقية لصالح قناة الجزيرة الوثائقية منذ سنة 2007، منها: "حجر أسود"، و"دمشق سيمفونية مدينة"، و"جسر الكولا"، و"أرواح متمردة"، و"خارج أسوار المدينة"، وغيرها.

الفوز طنجور من مواليد مدينة السلمية عام 1975، وحاصل على دبلوم في الإخراج السينمائي من أكاديمية الموسيقى والمسرح والفنون التشكيلية قسم الفنون البصرية والدرامية في جمهورية مولدوفا سنة 2004، وقدم مجموعة من الأفلام السينمائية القصيرة، منها: "نهاية بالون أحمر" سنة 2004، و"شمس صغيرة" سنة 2008 الحائز على جائزة التانيت البرونزي في مهرجان قرطاج السينمائي.

يعمل حاليا على مشروع فيلم روائي طويل، إضافة إلى عدة مشاريع وثائقية مختلفة.

ميراث ثقيل

مع الأوضاع العاصفة في الوطن العربي، يبدو لدى "بارودة خشب" ما يقوله بلهجات عربية أخرى وليس فقط اللبنانية.

فيلم بارودة خشب أراد أن يطرح أسئلة كثيرة عن حروبنا، وبنادقنا، وهويتنا الفكرية والثقافية، وعن مستقبلنا مع كل هذه البنادق الحقيقية أو الخشبية.

 يسأل الفيلم عن إمكانية المواجهة مع إرث الحرب الأهلية اللبنانية لمرة واحدة وأخيرة (الجزيرة)

فيلم بارودة خشب يعبر أيضا عن سلاحنا في مواجهة الحياة، وعن خوفنا من الآخر ومن أنفسنا، وخوفنا من أسئلتنا عما كنا وما سنكون ضمن كل هذه المتغيرات الجديدة في العالم.

ويطرح الفيلم أسئلة غير مباشرة عن حكايات الحرب والموت، ليس لمجرد قصّ الذكريات وسرد حكايات الحروب التي لا تنتهي، ولكن لتسليطه الضوء على الواقع الحالي الذي لا يزال مقلقا وغير مطمئن وغامضا بالنسبة لشخصيات الفيلم.

تصبح إجابات الشخصيات -هنا أيضا- أسئلة أخرى وجديدة وعلنية هذه المرة في مواجهة ذواتهم، عن مدى قدرتهم على المواجهة والصمود أمام هذا الميراث "البارودة الخشبية".

نعم، لقد تركت الحرب الأهلية اللبنانية وراءها ميراثا ثقيلا، والفيلم يسأل عن إمكانية المواجهة مع هذا الإرث لمرة واحدة وأخيرة.

أبحث عن نفسي
ولكنني أعتبر نفسي أيضا -بوصفي صانعا لهذا الفيلم- إحدى شخصياته وأسأل نفسي الأسئلة ذاتها، وأحاول أن أقارب ذاكرة الشخصيات بعلاقتها مع الإرث والمحيط الاجتماعي والمدينة، من خلال ما أعيشه الآن خارج الوطن.

وتأتي نهاية الفيلم -كما المستقبل- غامضة والرؤية مبهمة، لكن تلك الإشارات التي تسبق النهاية عن البقاء المحتمل للشخصيات في الوطن ومحاولتهم الجدية لإعادة بناء حياتهم، والتخلص من مخيلة البارودة الخشبية التي كانت انعكاسا وجدانيا لطفولتهم، كل تلك الدلالات هي التي تمنح الفيلم بصيصا من الأمل وتترك للمشاهد حرية الحكم واتخاذ موقف من الماضي والحاضر والمستقبل، وتجعله شريكا حقيقيا في تحمل المسؤولية.

في أفلامي أبحث عن نفسي وعن الآخرين، وأحيانا أخرى أصنع أفلاما لأتخلص من ذاكرة، أو من وهم أو لتحقيق حلم.

أنا في حالة رصد دائم للواقع، وسينمائيا من واجبي أن أسجل وأصور قصصي من وعن هذا الواقع الذي أعيشه، وأبتعد دائما عن الشكل المباشر والتقريري، إذ أرغب في حكاية القصص بشكل بسيط وإنساني وعفوي، ولكنه في الوقت نفسه يطرح أفكارا كبيرة ومهمة.

دمشق هي الحبل السُري الذي يربطني بالأم/الوطن سوريا، كل الأفلام التي صنعتها والتي سأصنعها ستكون دمشق موجودة فيها ولو بإشارة أو كلمة أو إيماءة أو حتى طرفة عين، وبقدر ما أحبها أن تكون مدينة جميلة وبهية وحرة

لم تكن الحرب غائبة عنا أبدا، هي دائما حاضرة بشكل أو بآخر، بدءا من ألعابنا ونحن أطفال، إلى كل الحروب الأخرى التي سمعنا عنها أو عشناها، أو تجري حولنا. نحن في حرب مستمرة، وإن لم تكن موجودة نخترع واحدة.

رأوا بأعينهم
 حاضرة نعم، لكنها المرة الأولى التي يكون فيها أطفال سوريا في مواجهة جهنم.

- الأطفال هم ذاكرتنا القادمة التي تكبر معنا وأمامنا، وستجبرنا دوما على ألا ننسى هذه الأيام التي نعيشها الآن.

الأطفال السوريون الذين رأوا بعيونهم -كاميراتهم الطبيعية الحساسة جدا- كل هذا القتل والخراب والتهجير، وعاشوا مع أهلهم كل هذا الحزن والبؤس والتشرد والذل.

الذين طاردت الميغ أحلامهم وقصف السكود جدران مخيلاتهم، هم بالتأكيد شاهد كبير على عصرنا، وهم ألغام الأيام القادمة، ويمكن أن تنفجر في أي لحظة.

الأطفال السوريون الآن يدفعون ثمن ما يحصل من براءتهم ولعبهم بطائراتهم الورقية الملونة.

أنا مع القول إن الفقر والتخلف طريق حتمي إلى التطرف والعنف، لذا أعتقد بأننا في حاجة حقيقية لأن نعمل بجد ووعي مع هؤلاء الأطفال -ومنذ الآن- لنزع فتيل الانفجار من داخلهم، وليكونوا قادرين على خلق ألوانهم الطبيعية ليرسموا بها على بياض أيامهم القادمة.
 

"شمس صغيرة" و"دمشق سيمفونية مدينة" فيلمان: قصير وطويل، يتردد فيهما جدل روحي: "دمشق التي نحبها ونكرهها معا".

- دمشق هي الحبل السُري الذي يربطني بالأم/الوطن سوريا، كل الأفلام -التي صنعتها والتي سأصنعها- ستكون دمشق موجودة فيها ولو بإشارة أو كلمة أو إيماءة أو حتى طرفة عين، وبقدر ما أحبها أن تكون مدينة جميلة وبهية وحرة.

الشام في "سيمفونية مدينة" هي كالسراب تكاد تنفلت من قلوب من يعيشون فيها، مدينة غُيرت ملامحها خلال العقود الماضية لتصبح مجموعة عشوائيات غير متجانسة، مدينة تكاد تصبح بلا طعم أو لون أو رائحة، وربما ما يحصل الآن سيعيد للشام لونها ورائحتها وخصوبتها.
 
video
شخصيات الفيلم تكره الشام وتحبها، ولكن في الوقت نفسه لا تستطيع العيش خارجها.

وكما يقول القاص الجميل إبراهيم صموئيل في آخر الفيلم "بصرخ عليها وبصرخ من أجلها بكتب عنها وبكتب من أجلها؟ في صلة رحم قوية جدا بيني وبين الشام. أنا مو أنا في أي بلد في الدنيا، دمي مركب من حجارة البلد وحاراته ودكاكينه وصباحاته، صباح الخير بالحارة، ويمسّيك بالخير يا جار وشجرة التوت ياللي مدلاية هيك، دالية عنب، ياسمين.. أي شي، يمكن دمي مركب من ريحة المازوت اللي فيها".

رغم حزنها الدفين وهروب بردى إلى جوف الأرض، ورغم نواح حمامها في فسحة السماء المتبقية، تبقى الشام لكثيرين أم الفقير، المدينة التي تعيش من آلاف السنين وتتقاسم مع ناسها كل ذاكرة خصبة لكل الحكايات والقصص التي تحصل فيها.

ودمشق في شمس صغيرة هي الوطن البعيد جدا والقريب جدا، هي غائبة وحاضرة.

ومن ناحية شكل الفيلم البصرية، فدمشق هي خلفية الأحداث للشخصيات التي تعبرها في الزمن ماديا ونفسيا.

هي ساحة صراعاتهم، فسحتهم الضيقة للعيش، تسكن في قلوبهم، في أحلامهم وأوهامهم، في انكساراتهم وانتصاراتهم الصغيرة.

   كيف تتخيل التوجهات السينمائية السورية المقبلة؟

- أولا لا توجد في سوريا صناعة سينمائية، ولكن لدينا مخرجون مهمّون وعشرات آلاف الصور،
أصنع الأفلام بالطريقة التي أحبها وأعرفها فقط، أستطيع أن أقول لك بالنسبة لي إن الصورة وفقط الصورة (في السينما والفيلم السينمائي التسجيلي) التي تحمل وجهة نظر المؤلف للواقع والحياة هي العنصر الأهم والأساسي في قول الحكاية.
على الأفلام السورية القادمة أن تشبه صانعيها وتشبه حياتهم وواقعهم وتعبر عن هوية المرحلة، كما يجب أن يكون لها شكل جديد مختلف

الصورة الذاتية التي تحمل وجهة نظر المؤلف وتعبر عنها بشكل حتمي لاختراق الواقع والولوج لعوالم الشخصية والمكان وتعمل على حل لغز الواقع. كما أعتقد أن الشكل في السينما أهم من الفكرة لأن الشكل هو الذي يحمي الفكرة ويدافع عنها في مواجهة الزمن، ومن هنا أعمل على بناء الشكل الخاص بالموضوع أولا.

من هذا المنطلق، أعتقد أنه على السينمائيين أن يكونوا قادرين على رصد هذا الواقع الذي نعيشه الآن بكل ما فيه من لحظات خيبة وقسوة ومعاناة، وأن يعبروا عنه بالصورة ليكون وثيقة مسجلة للأجيال القادمة، ولنا كي لا ننسى، حتى نكتشف كيف كنا وكيف أصبحنا.

السينما هي مرآة للنفس البشرية، ومن خلالها ندرك صيرورة حياتنا ومعناها، السينما تجعلنا نسأل ونبحث ونواجه ذواتنا والآخرين، حاضرنا والمستقبل.

لذا، على الأفلام السورية القادمة أن تشبه صانعيها وتشبه حياتهم وواقعهم وتعبر عن هوية المرحلة، كما يجب أن يكون لها شكل جديد مختلف.

نعيش اليوم زمن ثورات وتغيرات على كل الصعد والمفاهيم، وللسينما ثورتها أيضا في الشكل والمضمون لتبقى على تماس مع شكل الحياة ونبضها. من هنا أيضا يجب أن يكون لنا هوية جديدة نحملها صورة عن شعب بأكمله.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة