القفز عن سور عكا بعيون سياحية   
الاثنين 1436/10/18 هـ - الموافق 3/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 21:16 (مكة المكرمة)، 18:16 (غرينتش)

سهى صباغ*

من "عكو" الكنعانية الفلسطينية إلى "عكا" العربية الفلسطينية، بقي سورها مفتاحا لرواية مدينة الصخر والبحر.

يستند إلى سور عكا المحاربون أيام الحرب والحكاؤون أيام السلم ويستند إليه المغنون، وهم يرددون "لو شربوا البحر أو هدوا السور، لو سرقوا الهوا أو خنقوا السور، ما بيعها لعكا بالدنيا كلها، وما ببدل حارتي ولا بقصور".

لربما قيلت هذه الأغنية مرات عديدة منذ آلاف السنين، ولربما يقول السرد ما قيل منذ آلاف السنين إن عكا لو خافت من البحر لما جاورته، ولربما مارس أهل عكا هواية القفز عن السور عاليا باتجاه البحر منذ أزمان بعيدة.

هذه المرة سنشاهد عكا وأهلها في فيلم تسجيلي ثيمته القفز إلى البحر، البحر الأبدي، ولكنه هنا يحمل تعبيرا جديدا عن حالة الاختناق التي يفرضها آخر غزاة المدينة.. قفز من السور باتجاه بحر ضيق، ويابسة مهددة بمحو هويتها السكانية.

المدينة التي احتلت في نكبة 1948، حالها حال المدن الأخرى التي دفعها الانتداب البريطاني إلى غزاة جدد استيطانيين، شعارهم ما قاله زعيمهم بن غوريون في رسالة لابنه عام 1937 "سنطرد العرب وسنأخذ أرضهم".

من لم يقفز عن سور عكا ليس عكاويا.. هكذا تقول الأسطورة الشعبية (الجزيرة)

تبدو الأرض ضيقة، ولهذا يذهب فيلم "من الأفضل أن تقفز" الذي أخرجه باتريك ستيوارت ومنى ستيوارت وجينا أنجيلوني عام 2013، إلى البحر. فلم يعد لأهل عكا مكان يقصدونه كمتنفس سوى سورها، كما يُحاول الفيلم أن يبين.

بداية جميلة للبحر وأمواجه في لقطات أخذت عن قرب، تصور الكاميرا من الأسفل وتدور للحصول على لقطات مميزة، تشدك كي تتابع. فجأة ينقلب الإيقاع من روح القفز إلى خرائط ومُتخصص في تاريخ الحضارات يُعرّف بموقعها الجغرافي وأهميتها. سكن هذه المدينة مسلمون ومسيحيون وبهائيون ويهود. كانت عصية على الغزاة، وكان سورها يحميها، فكيف تُحمى الآن وقد أصبح المحتل في الداخل، واليمين الإسرائيلي يسعى لجعلها يهودية فقط.

ضيوف الفيلم مثقفون ومتخصصون بعدة مجالات: مخرج، وطبيبة، وأستاذة لغة إنجليزية، وناشطة سياسية، ومالكة مطعم، وفنان تشكيلي، وفنانة مسرحية، وحكواتي، وصياد سمك، وفتيان من هواة القفز، وغيرهم.. كل هؤلاء سيحكون عن سور عكا، وعن حال الناس وعيشهم في هذه المدينة.

لا أعرف لمَ كان على المخرج أن يُجمد هؤلاء الضيوف في أماكنهم طوال الوقت وهم يتكلمون، دون أن نراهم في أماكنهم المعتادة، إن كان في عملهم أو في حياتهم اليومية وكيف يمضون نهارهم، إلا ببضع لقطات خجولة.

جامع الجزار من الأعلى ومعالم عكاوية لوجود عربي تتهدده دولة الاستيطان (الجزيرة)

وكأن الفيلم يقدم تقريرا صحفيا، مع نظرة سياحية لحالات الناس. لم تكن الكاميرا صديقة لهؤلاء الضيوف، بل كانت رقيبا ثقيلا بعض الشيء.

تحاول الحكومة أن تهمش أهل عكا حتى يتركوها، وتعرض عليهم أطراف إسرائيلية شراء منازلهم بأسعار خيالية لإغرائهم. هي مقاومة من نوع آخر، فهم يرفضون البيع حتى لو كانوا فقراء وتعيش بعض العائلات منهم في غرفة واحدة وفي ظروف اقتصادية سيئة.

وما على المخرج -كما أحسب- إلا أن يُترجم الكلام الذي يسمعه، بالدخول إلى أحد البيوت وتصوير أفراد العائلة وكأنهم في صورة تذكارية، كذلك تصويره للأحياء والجدران القديمة والحجارة.

أكره الحجارة
لم يستوعب أحد الأشخاص حين عبّر عن استيائه تلقائيا وقال "أكره الحجارة.. ليست أهم من البشر". بالطبع، هو يُشاهد المصورين والسياح الآتين لرؤية التاريخ، ناسين من يسطره ومن يبني الحجر، ومن هو باق ليحرسه. لم يُفسح الفيلم لروح البشر أن تعبره، من خلال تحركاتهم وطرق عيشهم.

تُصَور المدينة بلقطات جميلة من الأعلى، تنفع لبطاقة معايدة.

يُذكرني هذا الفيلم بما آل إليه الفن عموما في الوقت الحالي. على سبيل المثال، فاللوحة التشكيلية التي استلمتها مافيات صالات العرض لتحولها إلى قطعة من قطع أثاث البيت والتزيين، لم تعد عملا فنيا يُعبر عن البشر. حتى حين تُمثل حربا أو مأساة، تكون مهندسة وملونة بشكل مُفَرغ من الأحاسيس. أما في مجال الموسيقى فحدث ولا حرج، عن كلمات لا تقول شيئا، وموسيقى لا تُشبه الموسيقى.

بالعودة إلى الأفلام التسجيلية، أخشى ما أخشاه أن تدخل في الدائرة نفسها.. هي لم تعد تسجيلية بمعنى التوثيق فحسب، بل أصبح لدى من يشتغلها همّ فني بإيصال فكرته، وعسى أن ننتبه إلى أن الفني أبعد من السياحة الأفقية على المضامين. الفني موقف، تماما كما يقف الولد على ارتفاع 13م فوق سور عكا ويقول بجسده شيئا.

في الفيلم تمر الطفلة مرور الكرام. أما الطفل الذي في طلته أعطى بعضا من طراوة للجو الجاف لدى الكبار، فيقول عن قفزة السور "أشعر بأنني أطير.. أشعر بالحرية"، وما إن أنهى جملته حتى قُطِعَت اللقطة وكأنها بعجالة.. ليتها أخذته وهو يقفز ويطير وهو حر طليق.

"ليس هناك ما يُسلي في عكا" -يردد ضيوف الفيلم- سوى القفز، ولا خيار غيره سوى بعض الموسيقى. مغنية للراب في ملهى ليلي. لكن مهلا، ما لهذا الراب وقد انتشر بكافة الدول العربية، لا هوية ولا روح له ولا جديد أضافه!

لم يكن ألم عكا واضحا في عين الكاميرا التي بدت محايدة (الجزيرة)

لكن مقابل ذلك، ثمة مجموعة من القطع الموسيقية التي رافقت الفيلم كانت حميمية، كقطعة للثلاثي جبران وقطعة لفيروز، وختامها الأحنّ بصوت المغنية الفلسطينية سناء موسى "يمّا ويل الهوى يمّا ويليا، ضرب الخناجر، ولا حكم النذل فيا".

ينتقل الفيلم إلى الأطباق المحلية، ليتكلم الضيوف أنفسهم عن صحن الحمص، فتترجم الكاميرا الحديث ببعض مشاهد صناعة الطبق وأكله. أسأل المخرج: أما من جلسة على وجبة في مقهى أو لعائلة مع دردشة وأصوات الأطباق.. ربما جلسة لصيادين يأكلون الحمص في استراحتهم، وإلى ما هنالك من مناخات حميمة وشعبية. لم يكن هم المخرج سوى التقاط حمص غينيس، وليس روح أصحابه وأكله والتلذذ به.

لا شك أن هناك لقطات جميلة، بعضها يتكرر، وفي الزاوية الضيقة نفسها، وكأن المصور لم يجد سوى مكان ضيق يقف عليه. الكادر يُظهر السور وجزءا صغيرا مبتورا من البحر، لِيُريح المشهد ببعض اللقطات للموج الذي يتقلب ويأخذه من مسافة قريبة. لقطات هي الأجمل لأحد السباحين داخل المياه، وقفزات متتالية لشبان صغار.

قفزة السور
"من لا يقفز عن السور ليس عكاويا".. هكذا يؤكد الفنان التشكيلي، بل إن من لم يحسن "النطّة" فوقع على صخور البحر وأصيب بجروح مختلفة، سيعيد الكرة مرة ثانية. لا بد من القفز عن السور. فلا حدائق إلا ما يتخيله العرب هنا في هذه المساحة الضيقة، ولا هواء إلا ما يمنحه البحر القليل المتبقي. كل شيء مُصادَر، ورسالة بن غوريون إلى ابنه توغل أكثر باحتلال يجلب من كل العالم "مواطنين" يرثون المكان بالبلطجة.

أعطى الفيلم نبذة هامة عن تاريخ عكا ومعاناة الشعب الفلسطيني منذ أن دخلها العدو الإسرائيلي، حتى لو لم يكن فيها أي إضافة، فأفلام تسجيلية عديدة قامت بذلك، مستعينا ببعض المشاهد بالأسود والأبيض، ولو أن المخرج حاول جعلها وكأنها صور أخذها بكاميرته، ووضعها في إطار محاولا إظهارها أكثر.

أما ألم أهل عكا فلم نشاهده، إلى في حياد الكاميرا التي تهرب من إظهاره، خشية تكرار ما سبق من مشاهد للمعاناة الفلسطينية في أفلام سابقة، ناسين أن أي دمعة لا تشبه أخرى، حين يوضع الإصبع على الجرح.

القفزات الأخيرة كانت بتقنية التصوير البطيء وبخطف القفزات واحدة تلو الأخرى، لكننا لم نشاهد وجها منتشيا مبللا بالمياه، ولا سمعنا صرخة في الهواء، تُريح المشاهد الذي يشهق ولا يزفر وما سمعنا لُهاثا.

مشهد مسائي.. الشمس تغرب على عكا القديمة وتصحو منذ آلاف السنين (الجزيرة)

تكلم معظم الضيوف باللغة الإنجليزية وبطلاقة.. قد يقول إن هذا يساعد في طرح القضية لدى الأميركيين والأوروبيين.

لكنني أرى أن العالم لا يتحدث الإنجليزية.. أتخيل لو أن صينيا أو يابانيا أو أفريقيا يستمع إلينا، عليهم جميعا أن يستمعوا إلى لغتنا الأم.. عليهم أن يرونا أيضا ويروا أرضنا، فـ"عكو" بالكنعانية تعني "كمشة تراب".. لم نشاهد ولا حتى كمشة تراب واحدة.
____________
* كاتبة من لبنان

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة