أينشتاين العرب.. عبقري الفيزياء وخصم الملك   
الأحد 22/4/1437 هـ - الموافق 31/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 0:37 (مكة المكرمة)، 21:37 (غرينتش)


سهى صباغ*

حين يذكر عالم الفيزياء المصري على مشرفة (1898- 1950) تندفع الصور والأفكار بقوة بسبب ريادته العلمية المبكرة في الفيزياء، ومسيرته الثرية في العلوم البحتة، ونشر الثقافة العلمية بمصر، وتعزيز دور الجامعة في المجتمع، والتعليم باللغة العربية.

بيد أن رحيله المفاجئ قدم بابا آخر وخصوصا في الصحافة لإطلاق التحليلات والتأويلات حول علاقة غيابه بأبحاثه الفيزيائية، علما أن العالم كان يضج بأينشتاين ونسبيته، ثم بعد ذلك قنبلتي أميركا على هيروشيما وناكازاكي.

أما العلماء والأكاديميون المشاركون في الفيلم فمالوا إلى أن المناخ الذي وضع فيه مشرفة بعد خصومة الملك فاروق له،  ضيقت عليه وأودت به.

فيلم "أينشتاين العرب" يخصص جل وقته للحديث عن قيمة الرجل العلمية والمعرفية، وهو ما يهم، ودوره الهام في البناء المجتمعي، وهو ما نبدو بحاجة إليه حتى لا يكون الخراب أعمق مما نراه. 

محمود السيد: علي مشرفة اتصف بحس عال بالمسؤولية

ولد العالم الفيزيائي المصري علي مشرفة عام 1898 في حي المظلوم بمدينة دمياط، شمال مصر. والده أحد أثرياء المدينة ووجهائها مصطفى مشرفة توفي خاسرا ثروته نتيجة أزمة القطن الشهيرة.

يقول الكاتب والمفكر محمود السيد علي "كان لا بد لعلي مشرفة من حمل مسؤولية العائلة بوقت مبكر، وذلك ما أعطاه صفة الإحساس بالمسؤولية". أما ابنته سلوى مشرفة وهي أستاذة الكيمياء بالمعهد القومي للبحوث، وكما هو واضح متأثرة بوالدها، تخبر كيف انتقل من مدرسة إلى أخرى في المجان وكان متفوقا رغم ظروفه الصعبة، حتى وصل والتحق بدار المعلمين العليا.

يُعلق مدير مركز الفيزياء النظرية بمدينة زويل شعبان خليل أن لو أحد اليوم في مستواه العلمي دخل إلى التربية وليس إلى العلوم، لوصفوه بالمجنون، فهو كان الأول أو الثاني على الجمهورية. لكن أستاذ الرياضيات بكلية العلوم بجامعة القاهرة هاني الحسيني يعتبر أن مدرسة المعلمين العليا، لعبت دورا هاما جدا، فقد خرجت أناسا ذوي قيمة كمشرّفة، وأيضا منصور فهمي في الفلسفة الذين كانوا طموحين بعد التخرج بأن يكونوا علماء وباحثين.

عام 1917، اختير مشرفة لبعثة علمية إلى إنكلترا، وحصل على دكتوراه في فلسفة العلوم. كان أول مصري يحصل على تلك الدرجة، من جامعة لندن.

حين اندلعت ثورة 1919 رغب علي مشرّفة في العودة إلى بلاده، للمشاركة في الثورة، لكن صديقه النقراشي باشا وهو أحد زعماء الثورة حثه على متابعة تحصيله العلمي، الذي تحتاجه بلاده منه، أكثر من أن يكون في الشارع. واستفادت بلاده منه فعلا.

بعد عودته لمصر بأعلى درجة علمية من جامعة لندن عين مشرفة في عام 1925 أستاذا في جامعة القاهرة، بعد الاعتراض على لِصغر سنه، إذ كان يبلغ سبعا وعشرين سنة. لكن تمت الموافقة عليه، بعد أن شهد علماء أوروبيون بأن لا أحد يتقدم على مشرفة لهذا المنصب.

قام بإنجازات كثيرة بعمله في الجامعة، أهمها ربط كلية علوم مصر وكلية العلوم بجامعة لندن. فالبكالوريوس في جامعة القاهرة، توازي البكالوريوس في نظيرتها البريطانية.
مشرفة أسهم بنشر ثقافة علمية بمصر وأراد أن تكون اللغة العربية لغة التعليم

أنشأ مجلة علمية مفتوحة على جميع الكليات. كل ذلك جعل للجيل الثاني لمشرفة، سمعة مدوية. كان لهذا العالِم الذي لم يكتف بالعمل على الأبحاث العلمية، هدف بأن يقاوم الجهل والفقر ويبني بلدا، ويوظف علمه لخدمة بلده. كذلك أراد أن تكون اللغة العربية أداة التعليم، إذ هي اللغة الأم التي يفكرون بها، فيصبح هناك استقلال سياسي قوي. نعرف جيدا أن المحافظة على اللغة الأم، تُبعِد شبح الاستعمار والتبعية.

كان علي مشرفة يؤكد بأن التفكير العلمي يُساعد الناس في الاختيارات السليمة، ويساعد بالتفكير في السياسة والقضايا الاجتماعية وغيرها. من إنجازاته أيضا، إحياء الكتب القديمة وإظهارها للقارئ، مثل كتاب الخوارزمي في الجبر بالاشتراك مع زميله مرسي أحمد وشارك في وضع المعاجم العلمية. قدم سلسلة كتب مبسطة عن العلم مثل "المطالعات العلمية" و"نحن والعلم" "الذرة والقنابل" "العلم والحياة" "النظريات النسبية".. وغيرها.

ولتعميم الثقافة العلمية أكثر، اقترح أن تكون هناك برامج أحاديث علمية مبسطة تُبث عبر الإذاعة، تطرح مواضيع من شتى نواحي الحياة. وكان له ما أراد. ربط مشرفة ضرورة المحافظة على صحة الشعب، والدفاع القومي لاستغلال الموارد الطبيعية، وتنظيم الحياة الاجتماعية وغيرها.

على صعيد آخر، يقول عميد معهد الكونسرفتوار بالقاهرة محمود بيومي إن مشرفة شارك في سنة 1945 بتأسيس الجمعية الوطنية لهواة الموسيقى. ولأنه مؤمن بأن العلوم لها علاقة بكل تفاصيل الحياة، فهي أيضا ضرورية في الموسيقى. بحث في المقامات المصرية الحديثة، وكان يقيس ترددات النغمات، ووجد أن علاقاتها غير ثابتة. كما انه كان عازفا على البيانو.

شهادة الدكتوراه لمشرفة من جامعة لندن عام 1923

يقول فوزي الشامي إنه حين كان العالم مشرفة عميد كلية العلوم أنشأ كرسيا للموسيقى، ودرس إمكانية أن تُغنى الأوبرا بالعربية، دون المساس بالذائقة الفنية، ونفذ فعلا عشر أغان مختارة.

رغم أن اختصاص هذا العالم هو البحث العلمي، ورغم وجوبه الإقفال على نفسه، لكنه استفاد من دراسته الأولى في التربية، ليكون أقرب للمجتمع ويبحث بما يحتاجه ويفيده على جميع الصعد.

مع ذلك استمر مشرفة ببحثه العلمي، ونشر منها خمسة وعشرون بحثا بالمجلات العلمية.

كان يردد أن الولايات المتحدة تغلبت على اليابان بالقنابل الذرية. وكان أول من كتب شارحا هذه القنابل، لكنه كان يدعو لاستخدام سلمي للطاقة الذرية، كما كان أحد العلماء الذين حاربوا استخدامها في الحرب. وهنا لا بد أن نذكر، بأن الإذاعة الأميركية قدمته، على أنه واحد من أبرز سبعة علماء في العالم ممن يعرفون أسرار الذرة.

 توفي العالم الفيزيائي علي مصطفى مشرفة عام 1950. عدة آراء قيلت في سبب وفاته. منهم من يعتبر الموساد الإسرائيلي وراء تلك الوفاة، كونه كان على وشك اكتشاف شيء يُخلده، وبعض الآراء تستبعد قتله، لكن هناك من يرجح -ومنهم ابنته سلوى- أن يكون الملك فاروق هو من قتل أو تسبب بوفاة والدها، فقد حقد عليه يوم سخر من لقب الباشا الذي منحه إياه، ومنعه من السفر إثر دعوة تلقاها من جامعة برينغستون في أميركا، وسافر مشرفة رغما عنه، فحجب عنه الملك المصاريف.

سلوى ابنة مشرفة ترجح أن يكون الملك فاروق وراء وفاة والدها

مرض في إنكلترا ولم يكن يملك المال للعلاج، فتوفي إثر المرض. هناك رأي لا بد أن نذكره، بأن العالم النابغة، كان قد شكل جماعة تضم عددا كبيرا من المثقفين والعلماء والطلاب لإقصاء الملك، وهو أيضا سبب وجيه لقتله.

طلبة الجامعة كانوا الأكثر تأثرا لوفاة أستاذهم، فدعوا لمظاهرة صامتة حزنا على العالم الفيزيائي، ولا لقب أنبل، إلا ما أطلقه عليه طلبة الجامعة ألا وهو "شهيد العلم". الذي أفنى حياته من أجل العلم، وأثبت بأنه ليس فقط نظريات، بل طريقة خاصة في التفكير وموقف.

أينشتاين العرب" من إعداد: محمد الفقي. إخراج ومونتاج: علاء الدجاني. منتج منفذ: ترنزيت فيلمز. 46:11 د.

* كاتبة لبنانية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة