سينما الثورة السورية.. منذ أول هتاف   
الثلاثاء 1437/8/4 هـ - الموافق 10/5/2016 م (آخر تحديث) الساعة 13:14 (مكة المكرمة)، 10:14 (غرينتش)


مهند صلاحات*

بعد خمس سنوات على اندلاع الثورة السورية، والعدد الصّادم من القتلى والجرحى، وتشرد ملايين السوريين الذين ازدحمت بهم مخيمات اللجوء ومحطات القطارات حول العالم، لا يزال كثيرون يتساءلون ما الذي حدث؟ وكيف تحول مسار ثورة شعبية أخذت منحى سلميا أسوةً بثورات ربيعها العربي، إلى ساحة معركة لمقاتلين من عشرات الجنسيات؟ هذه الأسئلة وأخرى تزداد يوميا مع تفاقم أزمة اللاجئين السوريين في العالم.

قد تكون السينما التسجيلية جوابا مباشرا، وصادما ربما، خاصة لمن يطالبون السوريين اليوم بدافع الخوف وأسباب أخرى، أن يقدموا شهادات خلوّ من التطرف ومن أكثر من ألف فصيل مسلح يقاتل على أراضيهم من معظم جنسيات العالم.

ربما تكون الثورة السورية من أكثر ثورات العالم التي تم توثيق أحداثها بالصورة، لدرجة أن العالم شاهد قتل المدنيين في بث حيّ مباشر. وهي مسألة بقدر قوتها في كشف الفظائع التي ارتكبها النظام والمليشيات المسلحة، إلّا أنها حولت مشهد الموت السوري اليومي إلى مشهد عادي، ولم تعد أرقام القتلى مفزعةً.

طلال ديركي أحد المخرجين الذين سردوا حكاية الثورةالسورية  منذ البداية

على الرغم من ذلك لا تزال للصور الأولى قيمتها التي تزداد مع الوقت، كشهادة عما حدث، وهنا تبرز قيمة الفيلم في إعادة سرد الحكاية من البداية، لأن الفيلم التسجيلي لا يعيد إنتاج الحكاية وإنما يقدمها بمواقعها وشخوصها الحقيقية ويكون مرجعا ووثيقة، وأعتقد أن أهم الأمثلة في هذا المجال، قدمها اثنان من صانعي السينما التسجيلية السوريين، كان لهما الريادة في تقديم أجوبة ضمن شهادات تسجيلية دقيقة عن البدايات.

أحدهما السينمائي الشاب باسل شحادة، الذي قطع دراسته في كاليفورنيا ليكون من أبرز الموثقين بالصورة لثورة شعبه ولقصف قوات النظام السوري، واجتياحها مدينة حمص، حتى قتل فيها إبان قصف حي الصفصافة في 28 مايو/أيار2012، قبل أن ينهي فيلمه "شوارعنا احتفال الحرية"، الذي جاء قصيرا (24 دقيقة) وانتهى بموته.

لم يكن هذا الفيلم الوحيد الذي تركه باسل من دون استكمال، فقد أكمل المخرج دلير يوسف فيلم باسل الثاني "أمراء النحل" الذي صوره في فبراير/شباط 2012، والذي يعتبر وثيقة تسجيلية ثانية لا تقل أهمية عن الأولى، يسجل فيها كذلك لبدايات الثورة السورية ونشطائها الميدانيين الأوائل وتشكل تنسيقياتها الثورية.

يعيد فيلم باسل للذاكرة الفيديوهات الأولى للثورة، حيث يخفي الناشطون وجوههم أمام الكاميرا، ويبدأ بالتسلسل البسيط للحدث، مقدماً عبر وثائق بصرية مهمة، منذ شرارة كتابات أطفال درعا على الجدران، مروراً بأول تظاهرات دمشق في 15 مارس/آذار 2011، وأول تظاهرة جمعة في درعا، موثقًا أول هتاف وأول الضحايا في درعا ودمشق وحمص، أول رصاص الثوار، وأول الانشقاقات التي أسست الجيش الحر.

ذهب باسل شحادة إلى حمص ليكمل فيلمه، ولكنه لم يعد.

مشهد من فيلم "شوارعنا احتفال الحرية" الذي لم يكمله مخرجه باسل شحادة
المخرج الأخر، هو طلال ديركي الذي كُتب له أن يعود مراراً ليصور فيلمه التسجيلي الطويل "العودة إلى حمص" ليتتبع على مدار ثلاث سنوات من تاريخ الثورة السورية، الحياة اليومية للاعب كرة القدم عبد الباسط الساروت، والذي صار حينها منشدا للثورة، وهو من أنشد في جنازة باسل شحادة قبل أن يوارى جثمانه في حمص.

من حيث الموضوع والزمكان، وبعض الشخصيات، يبدو فيلم طلال وكأنه يكمل فيلم باسل، الذي قدم عبره شهادة تفصيلية عن ولادة الثورة في درعا ودمشق وصولاً إلى حمص التي يبدأ فيلم طلال توثيقه لبداية الثورة فيها، متتبعا الترتيب الزمني التصاعدي للأحداث، من خلال شابين تتجسد فيهما مراحل تطور الثورة في سوريا، من التظاهرات حتى الحرب.

الأول هو عبد الباسط الساروت، حارس المرمى السابق للمنتخب السوري للشباب لكرة القدم، والذي أضحى أحد أبرز الأصوات التي تقود التظاهرات بالأناشيد، قبل أن يُدفع للتخلي عن الحراك السلمي ويحمل السلاح. والآخر صديقُه أسامة، الطالب الجامعي الذي أصبح من أبرز الناشطين الإعلاميين في توثيق يوميات الثورة، حتى اعتقاله وانقطاع أخباره.

يضع الفيلم مُشاهده في قلب المعارك الطاحنة، والقصف والأوضاع الإنسانية المزرية، نتيجةً للاحتجاجات السلمية التي تطورت إلى نزاع دموي مسلح، ذهب ضحيته الآلاف، ودُمِّرت بسببه حمص والمدن السورية، ومعها أحلام هؤلاء الشباب بحياة أفضل وأكثر حرية، وتشوّهت نظرتهم لمستقبل بلادهم بعيدا عن عتمة الديكتاتورية التي سادت أربعة عقود.
فيلم "العودة إلى حمص".. سجل ثلاث سنوات من عمر الثورة
أجابت هذه الأفلام على أسئلة كثيرة، حول مصير الثورة السورية، وقد يكون أكثر أجوبتها تشاؤما هو النتيجة التي قادت بطل فيلم "العودة إلى حمص"، ليطلب حماية تنظيم الدولة المتطرف، معبرا بذلك عن حالة الخذلان الكبيرة للسوريين طوال خمسة أعوام، وعن الواقع المرير الذي واجه شبابهم في حمص، وغيرها، حيث هرب الثوار من القتلة إلى القتلة الآخرين، يلوذون بالصمت، وما تبقى من أحياء يرقبون ثورتهم المغدورة.

إلا أن خروج من تبقى من السوريين إلى الشوارع بعد اتفاق وقف إطلاق النار، وتصديهم للرايات السوداء، وإصرارهم على المطالب الأولى لثورتهم برحيل النظام، يعيد الأمل لتلك الثورة، الأمل الذي كان يبحث عنه باسل شحادة وطلال ديركي وشباب جيلهم، ببلاد أكثر حرية.

* كاتب فلسطيني مقيم في السويد

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة