بنات دلتا النيجر.. نفط وظلم   
الجمعة 1437/3/1 هـ - الموافق 11/12/2015 م (آخر تحديث) الساعة 2:16 (مكة المكرمة)، 23:16 (غرينتش)

أنمار حجازي*
 
تسع بنات من دلتا نهر النيجر في نيجيريا يتحدثن عن أنفسهن، عن النساء في تلك المنطقة، عن النساء في كل مكان. إنها المرة الأولى التي تتحدث فيها هؤلاء النساء، فالأيام تمر بين الصيد والبيع والغسيل والطبخ والتنظيف وقطع الحطب وإحضار الماء وتربية الأطفال والاهتمام بهم وبوالدهم والحمل والولادة. كل هذا بينما يجلس الرجل على طاولة القهوة بانتظار المجهول.

من خلال نساء دلتا النيجرنتعرف إلى فقر منتشر في منطقة غنية

وبينما يتحدثن عن أوضاعهن نتعرف إلى الوضع الذي تعيشه دلتا النيجر وهي من أغنى المناطق في إفريقيا بالنفط. فالفقر الذي تعيشه النساء مجحف حقا، وكما تقول ريبيكا يمر المال من بين أيديهن في النهر إلى أصحاب شركات النفط.

يتحدثن عن الفقر والتلوث وعن سوء الخدمة الطبية والجهل ومستوى التعليم المتدني وعن التحرش الجنسي. عن كسل الرجل ومعاملتهم السيئة للنساء، عن الزواج الإجباري للمراهقات، وعن بيع العائلة لابنتها مقابل القليل من المال.

كل هذا، ضمن إطار مرح، سلس، مليء بالطاقة والنشاط والإصرار، مليء بالألوان وبالخلق. فطاقم العمل نسائي والشخصيات نسائية. يتمازحن أمام الكاميرا ومع الشخصيات.

تغني النساء ويرقصن ويعملن وهن يتحدثن مع الصديقات عن أوضاع نساء الدلتا وعن الأم والعائلة وعن المجتمع. فهن الفاعلات الحقيقيات، وهن من يصنع الحياة في ذلك المكان الذي تنزلق فيه الثروات بسبب النزاعات والفساد والأعمال الإرهابية.
نساء دلتا النيجر لا يملكن قرارا في كل أمور حياتهن

التعامل مع المصاعب والتأقلم مع ظروف الحياة ميزات تظهر لدى هؤلاء النسوة اللاتي أجبرن أو لم يملكن القرار في كل أمور حياتهن تقريبا، من الزوج إلى المدرسة حتى إلى أجسادهن. فهن ملك للعائلة وللرجال الذين يتخذون القرار ويودون إنجاب العشرات من الأولاد من الكثير من النساء دون التفكير بكيفية تأمين حياة كريمة.

ليس هناك سبب معين لهذه الحياة الصعبة. ليس هناك من اضطرارية لإنجاب عشرات الأطفال ليكونوا جزءا من دوامة الفقر والقهر، لكن المجتمع وغرور الرجال يطغى ويجعل من الفكرة شبه طبيعية، على الرغم من تغير ظروف الحياة الحالية واستحالة تأقلم كبر العائلة مع نقص الموارد وضيق الأماكن. تعبر النساء في الفيلم عن هذه القضية مرارا وتكرارا.

يمكننا التعرف ضمن هذا الإطار الحيوي إلى المجتمع النيجري من عادات وتقاليد، إلى المطبخ، وطريقة اللباس والحياة والطقس. فتمكّن مرافقة النساء في حياتهن من مشاهدة واختبار هذه الحياة من وجهة نظرهن، أي أنها نظرة صادقة أو أقرب إلى ما تكون وفية كما قالت المخرجات في أول لقطة في الفيلم.
النساء يحملن أعباء كبيرة داخل البيت وخارجه بينما يكتفي الرجال بالجلوس في المقاهي

ويقوم المونتاج المتوازي للقطات بين المقابلات وبين المشاهد التي تظهر النساء خلال قيامهن بأعمالهن المنزلية أو خلال الصيد والبيع بعرض منطقي وبتأكيد ما تقوله النسوة عن حياتهن.

تتحدث هانا عن المدرسة وعن رغبتها في الدراسة وفي الإنجاز كي لا تبقى تحت رحمة المجتمع الذكوري القاسي، وحتى تتمكن من تحقيق ذاتها كامرأة ذكية وجميلة.

الفقر هو السبب الأول في عزوف العائلات عن إبقاء فتياتهن في المدارس، هذا ما تقوله. فالمرأة تباع في عمر الرابعة عشر إلى أي رجل يتمكن من سداد المهر الموضوع من قبل الآباء.

والفقر هو المسؤول عن مرض ريبيكا المتكرر، فجسدها الضعيف غير قادر على تحمل الحمل المتكرر وهو المسؤول عن سوء تغذية أطفالها. وبينما تقوم بالزراعة وبقطع الحطب ويإحضار الماء من النهر والحمل معا يجلس زوجها في القهوة بانتظار ولد جديد أو زوجة جديدة.

صورة سلبية جدا عن الرجال في هذه المنطقة، تظهرهم بمظهر الكسول، الشبق وغير القادر على تحمل المسؤوليات. لكن، الوضع صعب أيضا، فإما عليه ترك المنطقة للبحث عن عمل وإما يذهب مع الصيادين لإخراج القليل من الأسماك الملوثة بالنفط.

الجهل والفقر سيدا الموقف، يسيطران بشكل كامل على هذا المجتمع المائي لكنّ الغناء والفكاهة يخرجان سكانه من الألم ومن الشعور بالعدمية.

 دلتا النيجر .. منطقة مليئة بالنفط والفقر

تتمكن هؤلاء المخرجات من الانتقال بين شخصية وأخرى بطريقة ذكية، فكل من الشخصيات تفتح تساؤلا ما أو فكرة ما، ثم تضيف الأخريات تجاربهن الخاصة لدعم هذه الفكرة وإغنائها، فيشعر المشاهد وكأنه في جلسة نسائية شيقة، قريبة وإنسانية.

تسعى المخرجات إلى إيجاد حل للمصاعب التي يعيشه المجتمع في دلتا النيجر الغني والفقير جدا، فكل قضية تتحدثن عنها في الفيلم على لسان الشخصيات، يتم شرحها من قبل شخصيات حيادية، كصاحب الجمعية التي تعنى بالنساء والتعليم والطبيبة. إنها أراء ذكية، لأشخاص من دلتا النيجر، لكنهم تمكنوا من تحدي المصاعب.

ويردن في الفيلم إسقاط الضوء على الفتيات وعلى جيل المستقبل من النساء. فبينما تتحدث كل شخصية عن عائلتها إن كانت متزوجة أو أرملة، تتكرر اللقطات التي تصور الفتيات اللواتي يكبرن في هذه الظروف. فتيات جميلات ينتظرن الأفضل فهل سيتم بيعهن مقابل حفنة من المال؟ أم سيتمكنّ من تحقيق ما تمنته أمهاتهن؟

الفيلم يبرز وجوه الأطفال البريئة في ظل مستقبل مجهول

مع الاهتمام الخاص بالنساء لا تغفل المخرجات، الصبية الصغار، أطفالهن الذين يعانون من انتفاخ معدهم لنقص الغذاء. تتعدد اللقطات التي تظهر عيونهم الخائفة من المستقبل ووجوههم البريئة في ظل مستقبل مجهول وأوضاع لا تتحسن.

حتى الغذاء ملوث. تلقي الشركات النفطية المهملات في الماء، والأطفال والنساء يستخدمون النهر. هذا ما يقال في الفيلم.

على الرغم من تنوع اللقطات التي تظهر جمال طبيعة الدلتا المائية، إلا أن المكان قذر بكل ما تعني الكلمة من معنى. فكل مقطع جديد في الفيلم يظهر القمامة من زاوية مختلفة: في الماء، وبالقرب منه، في الشارع، في الحديقة، في المنزل وفي السوق. البيئة تنتهك في كل بقعة في الدلتا والأمراض تنتشر. فهل سيتمكن مؤتمرات المناخ من حل هذه المشكلة؟

* سينمائية سورية مقيمة في باريس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة