تراجيديون ذاهبون لنهايات لا تشبه جمالهم   
الاثنين 1435/4/10 هـ - الموافق 10/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 11:45 (مكة المكرمة)، 8:45 (غرينتش)

 إبراهيم نصر الله

في واقع لا انتصارات فيه، يعد الفلسطينيون أنفسهم بنصر استثنائي، هو الفوز في مسابقات مونديال بكين.

تنفتح كاميرا المخرجين: فرانشيسكو كانّيتو (Francesco Cannito) ولوكا كوساني (Luca Cusani) على امتدادات واسعة في منطقة أريحا، حيث يتجهّز الفريق الوطني الفلسطيني للمشاركة في أعظم حدث رياضي عالمي، أولمبياد بكين.

ثلاث شخصيات يتتبعها الفيلم، ويتتبّع مسارات حياتها اليومية: نادر العداء القادم من غزة، وغدير الصبية العداءة المشاكسة التي لا يجرؤ أحد على أن يقول لها: لا. وزكية طالبة طب الأسنان الطامحة إلى تسجيل انتصار في مجال السباحة، وإضافة إلى هؤلاء هناك يوسف المشرف الفني الذي درس في أوكرانيا.

لا تبدو كلمتا التعب واليأس جزءا من قاموس هذا الفريق المتواضع الذي لا يملك في الحقيقة شيئا يؤهّله ليفكر في الرياضية أصلا، فكيف وهو يحلم بتحقيق انتصارات يرفع فيها علم بلاده؟

قبل الذهاب بعيدا في قراءة هذا الفيلم، أحب أن أشير إلى أنني اخترت الكتابة عنه لأنه فيلم إنساني بامتياز، ولأنه فيلم تسجيلي استطاع إلغاء المسافة الفاصلة بين الدراما والتسجيل، ولأنه فيلم استطاع أن يقدم لنا شخصيات لا يلزم الروائي الكثير من الجهد حتى يحولها إلى شخصيات في رواية ذات مذاق خاص، ثم لأنه فيلم شجاع على المستوى الفني.

حساسية نادرة
فقد اختار الرياضة -المجال الأبعد عن السياسة- ليقدم أطروحته السياسية المتعاطفة والأخاذة بسلاسة غير عادية، وهو لهذا كله واحد من الأفلام الحساسة النادرة التي عايشت المأساة الفلسطينية برقة وعمق، مما يجعل الفيلم وأحداثه وشخصياته تعيش في داخل المشاهد إلى زمن طويل.

تحت شمس أريحا، وفي النقطة الأكثر انخفاضا في الكرة الأرضية، يحلم اللاعبون الثلاثة بالقمة الأعلى، لكننا -ونحن نتابعهم- ندرك منذ البداية أنهم لا يرون النهاية التي نراها نحن، فهم أشبه ما يكونون بأبطال تراجيديين ذاهبين إلى نهايات لا تشبه جمالهم.

إنهم يدخلون اللعبة بشغف غير عادي، ويضحكون ويحلمون، لكنهم وهم يفعلون ذلك كله نرى طوال الفيلم طيف الدموع التي توشك أن تنفجر في عيونهم.

غدير:
أن أركض يعني أن أطير في الهواء. دون أن يخطر ببالها إلى أي حد هو مقفل هذا الفضاء الذي ستحلق فيه
وفي الوقت الذي تعمل فيه الفرق الوطنية على تأمين كل سبل النجاح لفرقها المشاركة في حدث كهذا، نجد الفريق الوطني الفلسطيني تحت الشمس يعمل بكل ما لديه لتحويل الشارع العام إلى مضمار سباق، وإطارات السيارات المهترئة والأجساد نفسها إلى أثقال، في الوقت الذي لا يملك فيه أفراد الفريق الحذاء الرياضي المناسب للركض، أو الملابس الرياضية الملائمة للظهور.

تقول غدير: أن أركض يعني أن أطير في الهواء. دون أن يخطر ببالها إلى أي حد هو مقفل هذا الفضاء الذي ستحلق فيه.

يأتي لها مندوب اللجنة الأولمبية الفلسطينية بحذاء يكون أكبر من مقاس قدميها، وليس أفضل منه حذاء يوسف عداء خمسة آلاف متر، فهو حذاء لا يصلح للركض أصلا. أما المتبرع الذي وعدهم بما يلزمهم، فهو نسخة أخرى من غودو في مسرحية صموئيل بيكت الشهيرة، لا يأتي أبدًا.

كأن ذلك لا يكفي
فحين تنفتح الكاميرا على الحياة الخاصة والعامة في لمحات ذكية خاطفة، يتبين لنا أي واقع يعتصر هذا الفريق الذي أعدّ نفسه لتحقيق هذه المهمة المستحيلة.

ولعل أكثر ما يؤلم هو واقع نادر الذي انتظره المدرب عاما ونصف العام للوصول إلى أريحا من غزة، أريحا التي لم يصلها إلا بعد الحصول على عدد من تصاريح قوات الاحتلال، ولم يُمنح سوى فترة محددة للإقامة في الضفة الغربية وإلا سيتم تسفيره بالقوة إلى القطاع.

وحين يغادر نادر غزة، تكون الطائرات مواصلة تحليقها فوق رأس أمه وأبيه وزوجته وابنته التي تبلغ من العمر ثمانية أيام فقط. تقول زوجته: حين يعود نادر بعد أربعة أشهر ستكون البنت قد تغيرت، ستكون "مش هيِّه".

ولا يختلف الأمر كثيرا في الضفة، فهنا العيش في الخوف وأجواء منع التجول والإضرابات والمحلات المغلقة، ولا تستطيع الأغنية الشعبية الجميلة الممتلئة ثقة -الأغنية التي تغنيها طالبات مدرسة غدير- أن تبدد الحزن لزمن طويل.

كل ما كان متاحا للفريق الوطني هذا من مساحة زمنية هو أن يتدرب ثلاثة أشهر، في ظروف لا تتسع للرياضة، ثلاثة أشهر ليحقق النصر.
استطاع الفيلم إلغاء المسافة الفاصلة بين الدراما والتوثيق (الجزيرة)

مثالية معذبة
وهكذا، يجد المدرب نفسه ينفق على فريق وطنه الوطني من جيبه الخاص، ويصف ميزانية فريقه بأنها مثل الوضع الحالي لفلسطين. فالبيروقراطية المستشرية في المؤسسة لا تدّخر وسعًا لإيجاد مزيد من المعوقات والإحباطات بلا مبالاتها.

في بكين، يبدو كل شيء مثاليا إلى حد مُعذِب، فكل ما يرونه لا علاقة له بما تركوه وراءهم: لا الملاعب ولا الطعام ولا المطر الغزير المفاجئ. ويدركون ببساطة محزنة أن الفرق بين قدراتهم وبين قدرات أي لاعب صيني عادي كبيرة إلى حدّ لا يوصف.

لكنهم رغم ذلك يواصلون الحلم: أنا غائب عن أهلي منذ ثلاثة أشهر، ومستعدٌّ أن أغيب ثلاث سنوات أخرى لتحقيق شيء ما للشعب الفلسطيني، يقول نادر.

يوزع المخرجان كاميراتهما على ثلاث مناطق: فواحدة تصور اللاعبين في بكين، والثانية تصور الأهل وصوَّرتهم من قبل في أريحا، والثالثة تصور الجزء الآخر من الأهل في غزة.

لا تنقطع الكهرباء لحسن الحظ في ذلك اليوم عن غزة ولا عن أريحا، ويستطيع الأهل أن يشاهدوا أبناءهم يرفعون العلم الفلسطيني بملابسهم الفلسطينية في حفل افتتاح الأولمبياد، وأعينهم ممتلئة بالدمع، ويتابعون وكلّهم أمل أن يتحقّق ما حلموا به.

لا يعود الفريق الفلسطيني من بكين حاملا أية ميدالية، ولكن ميداليته الكبرى أنه حاول، وأنه استطاع الوصول إلى هناك، إلى بكين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة