فيلم يقتحم المياه العميقة للمستعربين   
الثلاثاء 1435/8/27 هـ - الموافق 24/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 19:11 (مكة المكرمة)، 16:11 (غرينتش)

مهند صلاحات-ستوكهولم

"يسمونها وحدة الموت لأنها تردعهم"، يقول أحد أفراد الوحدة الإسرائيلية الخاصة المسماة "المستعربين"، واصفا واحدة من أكثر الوحدات الخاصة الإسرائيلية التي حظيت بمستوى عالٍ من السرية والتكتم الأمني عن طبيعة هذه الوحدة، والأدوار التي تقوم بها.

من هنا ينطلق المخرج إيهاب خمايسة في فيلمه الوثائقي الاستقصائي "المستعربون" من موضوع بالغ الحساسية والتعقيد ليخضعه لبحث استقصائي استغرق شهورا قرر فيه وفريق عمله الدخول إلى عالم تلك الوحدات السرية لاستيضاح صورة أوسع عما يحدث فيها وكيف يجري تدريبها وما طبيعة المهام التي يقومون بها؟

الفيلم الذي يلتزم في أسلوبه الفني بأسلوب السلسلة التسجيلية الاستقصائية "الصندوق الأسود" التي تنتجها وتبثها قناة الجزيرة، دخلَ المياه العميقة في موضوعٍ، قليلة جدا هي التقارير الإخبارية أو حتى الأفلام الوثائقية التي طرقته من قبل.
video

فقر معلوماتي
غالبا يميل صناع الأفلام التسجيلية لتدوين روايات وأحداث متعلقة بأجهزة المخابرات الإسرائيلية كالموساد أو الشباك، لكن وحدات "المستعربين" لم تلق ذلك البحث المتعمق رغم أنها تتبع للشاباك والجيش معا.

يعزو الصحفيون وصناع الأفلام ذلك إلى قلة المعلومات والوثائق التي يسمح الجيش الإسرائيلي والشاباك بتوفرها عن هذه الوحدات التي يعتمد الأمن الإسرائيلي عليها بشكل لا بأس به، حيث وصفت صحيفة المصدر الإسرائيلية إحدى هذه الوحدات واسمها "دوفدوفان" (الكرز) بأنها أحد الأسباب الرئيسية في أنّ معدّل "النشاط الإرهابي في المدن الإسرائيلية انخفض إلى ما يقارب صفر في المائة وهذا على عكس ما كان يحصل في إسرائيل بمنتصف التسعينيات".

"المستعربون" وصف رجال قوات الأمن الإسرائيليين الذين يموّهون أنفسهم ويتعايشون ليظهروا في سلوكهم وشكلهم كأنهم من السكان المحليين من أجل الاندماج في المجتمع العربي النموذجي، ويكون ذلك عادة لأغراض أمنية وعسكرية مختلفة.

مصدر اسم المستعربين هو كنية عن نشاط "الاستعراب" الذي يقومون به، ويعبّر الاسم عن الاندماج في الأراضي وكأنهم عرب، حتى لحظة الهجوم.

وكما في منهجية الأفلام الاستقصائية، يضع مخرج الفيلم وفريق عمله الفرضية التي سينطلقون منها في البحث عن هذه الوحدات العسكرية الأمنية، لينطلقوا مما تناقله الناس في الأراضي الفلسطينية عن هذه الوحدات السرية أو ما استطاع الصحفيون الفلسطينيون التقاطه لهذه الوحدات.

ينتقل بعدها لمستوى آخر من البحث في أرشيف الصحافة الإسرائيلية ليجد تقارير صحفية خضعت بشهادة من عملوها لرقابة أمنية، فيقرر فريق عمل الفيلم الانتقال بالاستقصاء لمستوى آخر وهو الوصول لأفراد سابقين من هذه الوحدات، ليقدموا شهاداتهم عن طبيعة الأعمال التي قاموا بها.

تمكن الفيلم من إعطاء إجابات موثقة بالصور والشهادات عن أسرار المستعربين (الجزيرة)

فتح النقاش
نجح الفيلم في طرح التساؤلات التي من الممكن أن توصل لنتائج، وتمكن من إعطاء إجابات على معظمها موثقة بالصور والشهادات، وترك النقاش مفتوحا في نواحٍ أخرى ليحقق هدفه وهو فتح النقاش حول تلك الفِرق السرية.

"السبب في إقامة تلك الوحدات، أنهم جربوا كل الوسائل والطرق لإيقاف الانتفاضة وإخمادها، جربوا ألف طريقة لإخماد الانتفاضة، والطريقة الوحيدة للسماح للجندي الإسرائيلي بالدخول إلى الشارع الفلسطيني دون تمييزه مباشرة كانت بالتنكر بهيئة فلسطينيين، وفعلا قاموا بذلك". هذا ما يقوله الصحافي الإسرائيلي موتي كرشنباوم في الفيلم.

لكن الصحفي الإسرائيلي يورام بنور -الذي عمل مستعربا لمدة ستة شهور قبل أن يتحول للعمل الصحفي- لديه رأي آخر عن تأسيس هذه الفرق الذي يسبق انتفاضة 1988، موضحا أن المستعربين كانوا في فلسطين قبل تأسيس إسرائيل نفسها، إذ إن تاريخ استخدام ظاهرة المستعربين بدأ مع بداية الوجود الصهيوني على أرض فلسطين، فقد استثمرت الهاجناه أشخاصا يهودا زرعتهم في القرى العربية بين السكان بهدف شراء أراضي من الفلسطينيين ودراسة مناطقهم من الداخل، بمعنى أنها لعبت دورا تمهيديا لحرب 48 ضد الفلسطينيين.

تعلم هؤلاء اللغة العربية والتقاليد والدين وسكنوا بين العرب، حتى جاءت منظمة "الشومير" (الحارس بالعربية)، وهي منظمة صهيونية تزعمها ألكسندر زيد، الذي عاش بين السكان المحليين الفلسطينيين سنوات يحمل بندقية تركية قديمة ويركب فرسا ويرتدي ملابس عربية، حيث كانت الهاجناه في ذلك الوقت تجهز لفتح طرق والإمداد والخدمات للقرى التي كان يجري إعدادها للمهاجرين الجدد لفلسطين من المستوطنين.

جلب المعلومات والاعتقال والقتل هي المهام التي تضطلع بها وحدات المستعربين (الجزيرة)

نتائج خطيرة
في السبعينيات من القرن الماضي، أعاد قائد المنطقة الجنوبية أرييل شارون إحياء هذه الوحدات عام 1971 في غزة، وأسس وحدة خاصة تسمى وحدة "شمشون" بوصفها وحدة مستعربين حربية، وبعد خمسة عشر عاما تم تأسيس وحدة مشابهة بالضفة تسمى دوفدوفان.

ينتقل الفيلم إلى استعراض المعلومات المستجدة، فيصل إلى نتائج أكثر خطورة عن مستعربين لم يتلقوا تدريبات للقيام بأعمال قصيرة الأمد.

هنالك وحدات خاصة دربت للقيام بأعمال طويلة الأمد، وشمل عملها مناطق أخرى خارج فلسطين. حدث هذا مثلا مع تسوري ساغي، وهو إسرائيلي عمل سابقا لسنوات في الوحدات الخاصة الإسرائيلية بكردستان العراق ليقدم معلومات ونصائح للمجموعات الكردية المسلحة ضد نظام صدام حسين في حينها.

جلب المعلومات الاستخباراتية، والخطف، والكشف عن الناشطين، والاغتيالات، ومكافحة الاحتجاجات، وتنفيذ الاعتقالات، تلك هي المهامّ التي تقوم بها وحدة المستعربين التي تسمى أيضا وحدة النخبة عبر أساليب التمويه والاندماج في المنطقة والتنكّر.

كلّ ذلك من أجل الوصول بأقرب ما يكون إلى الأهداف دون إثارة الشكوك، وتحظى هذه الوحدات بالكثير من التكتم والسرية على أعلى المستويات في إسرائيل. استطاع الفيلم الدخول ولو جزئيا في عالم تلك الوحدات حيث يقدم للمشاهد وثيقة صحافية بامتياز ووثيقة صالحة لأن تكون مرجعا مهما للباحثين المختصين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة