في الحاجة للحكي بالفيلم الوثائقي   
الخميس 6/4/1435 هـ - الموافق 6/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 12:25 (مكة المكرمة)، 9:25 (غرينتش)
مشهد من فيلم عيون الحرية وشارع الموت (الجزيرة)

الحبيب ناصري

يمثل الفيلم الوثائقي مدخلا نوعيا لفهم الذات وطبيعة انشغالاتها وعلاقاتها مع ذاتها ومع الآخر ومع الكون ككل، وهو رؤية فنية للعالم بصيغ وتصورات متنوعة ومختلفة.

من هذا المنطلق، تتولد أهمية الحكي بالفيلم الوثائقي لتحقيق جزء مما حددناه كتعاريف أولية للفيلم الوثائقي، ولو أننا نعي أن أخطر ما في مجال الفنون والثقافة الإنسانية ككل هو التعريف، الذي هو "وضع الحد للشيء"، فكيف لنا أن نمارس هذا الفعل على ممارسات وأنشطة فنية وثقافية تتعلق بما هو إنساني "متلبس" بالتحول والتغيير الدائم؟

الرغبة في البوح لدى الإنسان قديمة ومتجذرة في معظم أنشطته الفنية والثقافية عبر كل مكوناتها وتجلياتها منذ أن بدأ يرسم ويعبر في اللوح والحجر.

من هنا، من الممكن القول إن لكل عصر لغاته الفنية التي من خلالها يحكي ويعبر عن العديد من رؤاه وهمومه مهما اختلفت قيمه وطرق تفكيره ونظرته للعالم.

لعولمتنا العديد من الأسرار، بعضها يتعلق بما هو اقتصادي، وبعضها الآخر يتعلق بما هو عسكري أو إعلامي... إلخ، أسرار عديدة ومتنوعة، معرفتها وفهمها وتحليلها وتأويلها لتوليد بعض دلالاتها يحتاج لفك شفرة هذه العولمة، وهو ما لا يمكن تحقيقه بمعزل عن لغات الفنون باعتبارها مجالا خصبا للبوح.

وكلما توافر شرط البوح للإنسان تمكن من "ترويض" هذه العولمة التي هي اليوم تجر البشرية جمعاء نحو رؤية "تبضيعية" بامتياز على الرغم مما يمكن استخراجه من عناصر مفككة وإيجابية من روحها إن كانت لها روح فعلا.
الرغبة في البوح لدى الإنسان قديمة ومتجذرة في معظم أنشطته الفنية والثقافية عبر كل مكوناتها وتجلياتها منذ أن بدأ يرسم ويعبر في اللوح والحجر

ضمن هذه السياقات المتعلقة بالعولمة وما تعرفه مجتمعاتنا اليوم بكل مكوناتها وحساسياتها الثقافية والروحية والمادية، تطفو على السطح الرغبة في الحكي.

فهل الحكي اليوم رد من الردود على "منزلقات" البشرية نحو مرحلة "اللاقيم"؟

 
وظائف سوسيو-نفسية
للحكي وظائف سوسيو- نفسية متعددة، وظائف أقل ما يمكن القول عنها إنها فرصة للبحث عن متلق نتقاسم معه لحظات لا تخلو من حس إنساني على العموم، هنا البوح يصبح شرطا إنسانيا مما يجعل كل الفنون الحاملة لشرط الحكي تتقوى مع قوة و"عنف" هذه العولمة.

لنتأمل العديد من الأفلام الوثائقية المولودة من رحم الحروب والقصص الإنسانية في أدغال أفريقيا والعديد من الدول بما فيها دول العالم الغربي.

ففي هذا السياق، ندرج أفلاما تسير في هذا التوجه، أفلام بنيت على الرغبة في تشريح جرح ما يسكننا كبشر مثل فيلم "تطهير عرقي" الفرنسي لمخرجه كيوم دريفوس (52د)، حيث الكشف عما سمي سابقا بـ"التطهير العرقي من أجل تحسين النسل" ليس في العهد النازي فحسب، بل حتى في بعض الدول الغربية.

في السياق نفسه، ندرج أفلاما أخرى من قبيل "الزفاف الأحمر" الكمبودي لمخرجيه ليدا تشان وكيوم سيوون (57د)، الفيلم في ضوئه نقبض على لحظة ألم تتعلق بما مورس في فترة الخمير الحمر من عنف جنسي وجسدي في حق مجموعة من الفتيات، ومن جملتهن سوتشان التي حكت قصتها في هذا الفيلم.

بوح مماثل في موضوع الحرب حيث الفيلم الوثائقي الإنجليزي "شؤون الحرب" لمخرجه تشستر يانغ (50د)، الفيلم يصاحب مناضلا من هذا البلد، وهو يحتج على الحرب في العراق وأفغانستان.

وحين نولّي وجوهنا تجاه بعض النماذج الوثائقية العربية، من الممكن تقديم هذه العينة كفيلم "عيون الحرية وشارع الموت" المصري (50د) لمخرجيه أحمد صلاح ورمضان صلاح، الفيلم نهل من وقائع وأحداث الثورة المصرية في ذكراها الأولى، أو فيلم "المهدي بنبركة" المغربي لمخرجه محمد بلحاج (90د) الذي فتح ملفا/جرحا -بلغة الصورة الوثائقية- يتعلق بالذاكرة السياسية المغربية.

فالأمر هنا يثير أسئلة عميقة مفككة لظروف وملابسات وقراءات متعددة  لقتل المهدي بنبركة باعتباره مناضلا سياسيا مغربيا عايش فترة خصبة من تاريخ المغرب خصوصا أثناء الاحتلال الفرنسي.

نماذج فيلمية وثائقية متنوعة ومختلفة الانتماءات الجغرافية الثقافية لكنها تجمع في خيط واحد يتساير وطبيعة موضوعنا هذا أي "في الحاجة للحكي بالفيلم الوثائقي".

هنا الحكي يصبح رسالة سيميائية دالة، رسالة تنهض على الرغبة في البوح بشكل ثقافي وفني وإنساني بعيدا كل البعد عن لغة العنف.
video
الفيلم الوثائقي وأنسنة العولمة
قد يبدو واضحا المنحى الذي نرومه هنا، منحى الحاجة الضرورية للبوح. وبلغة فنية وثائقية، بوح من الصعب لأي كان أن يدخله في خانة "الترف" الفكري بل الفيلم الوثائقي.

وكلما تعقدت اللعبة السياسية والعسكرية والاقتصادية والبيئية ازداد تعطش من يشتغل بهذه "الرؤيا" إلى البحث عن فكرة وثائقية، والتي أحيانا تأتي لصاحبها بشكل عفوي وهو المتابع لما يجري في عولمتنا هاته ومن خلال وسائطها الإعلامية المتعددة.

فكرة كلما بدأ يجمع بعض عناصرها المكونة للمعالجة الفنية وجد نفسه يطارد" الحقيقة"، مطاردة تتحقق فيها متعة البحث والكتابة ليتحول الكل فيما بعد إلى عالم الصورة وأسرارها الوثائقية.

في ظل هذه الحاجة الراغبة في تقاسم ألم/أمل ما يقع تتكون ضمنيا رسالة موجهة للمتلقي بكل مكوناته المتعددة ومشاربه المختلفة رسالة "أنسنة" هذه الحياة، أنسنة تتجلى في الحق "في الحلم" و"الجمال".

فمهما اختلف لوننا ونسبة تقدمنا أو تخلفنا ومهما كانت مرجعياتنا المادية أو الروحية فـ"على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، قيم إنسانية مشتركة قادرة على أن تذكرنا بآدميتنا ونوعية المهام الإنسانية المميزة لنا عن بقية الكائنات الأخرى.

"في الحاجة للحكي بالفيلم الوثائقي" هو بوح من الممكن المراهنة عليه لأنسنة هذه العولمة "الغادرة" بنا.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة