خمسة أنماط للفيلم التسجيلي خلال نصف قرن   
الأربعاء 1436/6/5 هـ - الموافق 25/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:32 (مكة المكرمة)، 11:32 (غرينتش)


قيس الزبيدي*

"كما نرى نصبح".. مارشال موكلاهن

يبحث المؤلف تورولوف ليب في كتابه "أنواع التسجيلي: مقدمة في تاريخ ونظرية الفيلم اللاخيالي" في أساليب وأنواع التسجيلي، مرفقا بشريط "دي في دي" مضغوط يحتوي على متن الكتاب ومقاطع من أفلام خمسة تتناول موضوعا أو ظاهرة أو وقائع تاريخية.

المؤلف يعتمد بدوره على مصطلح ريشارد ميران بارسام في كتاب: "الفيلم اللاخيالي: تاريخ نقدي"، مصطلح فيلم لاخيالي كمفهوم يعتبر التسجيلي جنسا سينمائيا يقابل جنس الفيلم الخيالي.

ويلقي المؤلف نظرة عامة حول التاريخ المركب لنظرية الجنس الفيلمي، ويحلل في أكثر من مائة صفحة بنى السرد التاريخية الأساسية للفيلم التسجيلي الذي تداخلت أنواعه حتى أصبح مصطلحه متنوعا وغامضا. ويضيف أيضا أن تسمية "مفهوم النمط الفيلمي" يمكن أن تكون إلى حد ما ذات معنى أو مضللة.

ويحدد مفهوما يسميه "العمود الفقري السردي" لكل نمط فيلمي عبر أنماط خمسة، ميَّزت أسلوب كل واحد منها على أساس البنى السردية الأساسية التي أثرت في تاريخ تطور التسجيلي إلى حد بعيد.

 

"برلين.. سيمفونية مدينة كبيرة" تسجيلي تشبه بنيته بنية السيمفونية الموسيقية ذات الفصول الخمسة (الجزيرة)

سؤالان جوهريان
يقدم الفيلم اللاخيالي حكاياته بوساطة تقنيات مختلفة كثيرة، وتسم تطوره من جهة عمليات اتصالية معينة، ويتأثر من جهة أخرى بتطورات تقنية تقدم إمكانات التعبير عما هو جديد تماما. وأول ما يوجه نظرة المؤلف في الواقع هو العلاقة بين بنى سرد الفيلم اللاخيالي ومدى قدراته الاتصالية، ويطرح سؤالين جوهريين:
ماذا يصنع الناس بوسائل الاتصال؟ ماذا تصنع وسائل الاتصال بالناس؟

كلا السؤالين يفتحان أمام الانشغال بتاريخ ونظرية الفيلم التسجيلي آفاقا واسعة. وبعد عملية بحث راهنية عن أنماطه اللاخيالية وأشكاله السردية، يبحث في دراسة مميزة خمسة أنماط ظهرت للعيان في أفلام وفقا لتسلسل ظهورها التاريخي منذ عام 1920 حتى عام 1965:

1- تسجيلي يستند إلى الحبكة منذ 1920: "نانونك من الشمال" لـ"روبيرت فلاهرتي" (1921)
تعود الأصول النظرية لفيلم فلاهرتي الطويل الأول إلى كتاب أرسطو "فن الشعر"، والقاعدة المتبعة في أسس بنيته الدرامية تتلخص في الفصول الثلاثة التي يتتابع فيها الصراع والأزمة والحل، وتتمحور فيها الحبكة حول شخصية نانوك وعائلته.

وكما فعل فلاهرتي، فإن من يصنع الفيلم التسجيلي يمكن أن يلعب دور المحرض في إعادة تسجيل أي من الأحداث الحقيقية، حينما لا تتوافر أثناء التصوير حبكة جاهزة تجعل الحكاية تسرد بشكل مؤثر يلبي توقعات المتفرج.

2- التسجيلي السيمفوني منذ 1925: "برلين سمفونية مدينة كبيرة" لـ"والتر روتمان" (1927)
قدم روتمان ومصوره كارل فرويند شكلا جديدا كاملا للفيلم اللاخيالي دون أي كلمات، انطلاقا من درامية جمالية. ويعالج هذا الشكل موضوعه وفقا لمبادئ تنظيم يستعيرها في القاعدة من نظرية بنى الموسيقى كالشكل السيمفوني: تكوينات من الضوء والأشكال المجردة والحركة. واستخدام توقيت لصوره بسرعات مختلفة بحيث يخلق بكليته إيقاعا موسيقيا عبر عناصر تكوينية/تعبيرية غير مألوفة.

على هذا يمكن أن يُطْلَق على "العمود الفقري الدرامي" للفيلم بأنه فيلم سيمفوني، تشبه بنيته بنية السيمفونية ذات الفصول الخمسة، وقد سمى بيلا بالاج الفيلم بأنه إيقاع بصري وموسيقى صورية. 
 
3- التسجيلي منذ 1930: "أغنية سيلون" لـ"باسيل رايت" (1934)

فيلم "نانونك من الشمال" تسجيلي يعتمد على الحبكة: صراع وأزمة وحل (الجزيرة)

يستند "عمود الفيلم التسجيلي الفقري" في البرهنة على حججه إلى "نص" التعليق. وكان منذ بداية تاريخه يعالج بشكل تعليمي مواضيع مختلفة يصورها في أماكنها الأصلية ويسلط الضوء عليها من زوايا عديدة.

ويعد "أغنية سيلون" الفيلم التسجيلي المثالي الذي يتضمن عناصر أسلوبية أساسية نفذها وقتئذ باسيل رايت، مصرحا بأنه كان يريد في فيلمه أن يقيم علاقة بين الواقع والصور والأصوات والنصوص. ويمكن اعتبار التسجيلي الشكل الأساس للتسجيلي التلفزيوني أو حتى للفيلم الدعائي أو الصناعي أو التعليمي، حينما يؤسس شكله السردي اعتمادا على نص التعليق. وتتألف عناصر سرده من مواضيع مركبة ومقالات بصرية أو ما يسمى بـ"كلام تصاحبه صور".

4سينما مباشرة منذ 1960: "لا تنظر إلى الوراء" لـ"دون ألان بيننَبيكر" (1967) 
يخلق فيلم السينما المباشرة الوهم عند المشاهد كما لو كان شاهدا حاضرا في المكان، وتكون الكاميرا المراقبة الحرة المحمولة على الكتف عامل تكوين مهم، لكن المهم أيضا ألا يلحظ المشاهد وجودها.

ويقلص فريق الفيلم حضوره لكي لا يعيق عفوية التصوير، ويستند إلى استعمال تقنية سهلة الحركة، ويتكون في الغالب فريق العمل من المخرج والمصور ومهندس الصوت وفي بعض الأحيان من المخرج وحده فقط الذي لا يصور وفق خطة عمل مسبقة، بل بشكل عفوي منفتح، ويحاول عدم التدخل قدر الإمكان في الأحداث المصورة إنما يأخذ قبل كل شيء دور المراقب الذي يصاحب شخصياته لفترة طويلة، وينتظر اللحظات التي تتيح له التوغل في حياتهم الخاصة من أجل "رصد لحظة الشعور الفورية"، وشعار السينما المباشرة في كل هذا "تسجيل الحقيقة كما هي في الواقع".

5- سينما الحقيقة منذ 1960: "وقائع صيف" لـ"جان مورين" 1961 
هناك من يخلط بين السينما المباشرة وسينما الحقيقة، وذلك لوجود تشابه في التسمية وفي بعض الخصال المشتركة: استعمال الكاميرا اليدوية الحرة، والصوت المتزامن، والتخلي عن التعليق من خارج الصورة، أو عدم الاعتماد على مونتاج الاستمرارية.

 وعلى العكس من "مطلب" السينما المباشرة الذي ينطلق من مراقبة الواقع بأمانة تامة، فإن دعاة سينما الحقيقة يرفضون بشكل حاسم هذا" المطلب" ويجدونه في الوقت نفسه ساذجا ومتعجرفا.

 فيلم "لا تنظر إلى الوراء" سينما تسجيلية مباشرة تخلق الوهم عند المشاهد بأنه حاضر في المكان (الجزيرة)
ينتج العمود الفقري لسينما الحقيقة من اعتماد المخرج دائما على دور حاسم للكاميرا في أسلوب الفيلم.

تبقى المسألة الأهم والأكثر إثارة والأكثر أمانة في نشوء الفيلم، أن تكون عملية تصوير الفيلم مفتوحة واضحة للعيان، وأن لا تكون وظيفة الكاميرا مجرد آلة تسجيل لا مبالية، إنما طرف محفز تُستخدم بوعي لإثارة ردود فعل ومشاعر فورية درامية حادة. على هذا من المتوقع أن  يكون المخرج نفسه يظهر في مشاهد الفيلم لأنه يرى أنه هو من يحكي الحكاية بنفسه.
 
تبقى الحدود بين هذه الأنماط متحركة، ولم يكن بوسع أحد -إلا في النادر- أن يجد في أي واحد منها نموذجا نقيا. ومع أن بنى سردية مختلفة كانت تتزامن فيها غالبا وتتكامل، إلا أنه يمكن التعرف بوضوح في حالات كثيرة إلى "العمود الفقري" الذي يسير على منواله أي نمط أو يُشتق منه دراميا.

* ناقد عراقي مقيم في ألمانيا
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة