الأمل ينتصر على الدمار في "باكستان 7.6"   
الأربعاء 20/9/1435 هـ - الموافق 16/7/2014 م (آخر تحديث) الساعة 2:04 (مكة المكرمة)، 23:04 (غرينتش)

حظي فيلم "باكستان 7.6" الذي أنتجته قناة الجزيرة للأطفال عن الزلزال الرهيب الذي ضرب باكستان في أكتوبر/تشرين الأول 2005 باهتمام رواد الدورة الثانية لمهرجان الجزيرة عام 2006، خصوصا أن فكرة الفيلم قامت على أن دقيقة واحدة فقط كانت كافية للذهاب في الحياة إلى أقصى الصمت، اهتزت الأرض ثم تحول كل شيء فوقها إلى دمار.

الزمان: السبت، 8 أكتوبر/تشرين الأول 2005 الساعة الثامنة والدقيقة الثانية والخمسين صباحا، والمكان هو باكستان، والحدث: زلزال رهيب بلغت شدته 7.6 درجات بمقياس ريختر، أكثر من 73000 قتيل، و3.3 ملايين نازح ومشرد، وعذابات تحتاج إلى عشرات السنين كي تمسح من الذاكرة.

لم تذهب كاميرا الجزيرة للأطفال إلى أرض الكارثة لكي توثق الدمار، إنما عملت على إبراز قوة الحياة فيها، ولتظهر تلك القدرة الرائعة للإنسان على النهوض والولادة من جديد

الجزيرة للأطفال ذهبت إلى هناك، إلى المكان الذي تجمد فيه الزمن وتحجرت الأجساد وفقدت الذاكرة.

أرادت الجزيرة للأطفال أن يحمل حضورها في قلب الكارثة طابعا إنسانيا، وسعت لحفظ ذاكرة جديدة لحلم مشته، الإعلام أيضا يستطيع أن يساهم في مداواة الجروح وفتح طاقة من الأمل في حلكة ظلام من اليأس، حين تنسد الآفاق ويعم موت رهيب.

قوة الحياة
لم تذهب كاميرا الجزيرة للأطفال إلى أرض الكارثة لكي توثق الدمار، إنما عملت على إبراز قوة الحياة فيها، ولتظهر تلك القدرة الرائعة للإنسان على النهوض والولادة من جديد.

في هذا الفيلم الوثائقي ثمة أكثر من بعد رمزي: إلقاء الضوء على الآلية التي يستعيد بها الإنسان القدرة على الحياة، الذهاب إلى مناطق الأمل حيث الأطفال، بعيونهم الحزينة، وابتسامتهم المتحدية.

يستعرض الفيلم منذ لحظاته الأولى عيون الأطفال، يبرز جمالها وحزنها، إبراز جمال العيون بحد ذاته وسيلة للتأكيد على قوة الحياة فيهم وإصرارهم على العبور فوق جسر الألم إلى المستقبل.

في المشفى العسكري باسلام آباد تلتقط الكاميرا كل ما من شأنه أن يدفع بالأمل إلى أقصى إمكانيات الانفتاح على الحياة، المحاولات الحثيثة لإعادة الروح الهاربة من جسد طفل بريء ينزف ذاكرة وأحلاما، يد أم تقرأ آيات من القرآن على رأس ابنها العالق في برزخ بين الموت والحياة، علها تتمكن من خلال الحنان استعادة ما خلفه رعب الصدمة، قلب أم يصلي، فهل يستطيع الحنان أن يغلق هوة فم الموت المفتوحة على الحياة؟

في رحلة لتقصي آثار الحياة الباقية بعد موت معمم، تنطلق الكاميرا في رحلة بحث عن ذاكرة من افلتوا من جحيم الزلزال، الصورة تحكي بألم ما تبقى من حطام بلاكوت. ليس فقط رمادية الحجارة والإسمنت المتناثر في كل الأنحاء، إنما ايضا بقايا رجال ونساء لا يملكون إلا الصمت للتعبير عن الحزب، وأطفال يقفون فوق أنقاض مدرستهم التي ابتلعت أرضها مئتين من زملائهم ومدرسيهم.

الكاميرا تريد أن تنطق، أن تروي للعالم حكاية موت لا يستطيع أحد أن يقف في وجه طوفانه الرهيب، فالحكاية هي وسيلة الإنسان لمقاومة الموت
الحكاية تقاوم الموت
الكاميرا تلتقط التفاصيل: كراسة لم يجف فيها الحبر الذي خطته يد طفل بريء، وكتاب ما زال مفتوحا على صفحة لحكاية كانت طفلة تسبح بخيالها في أحداثها.

الكاميرا تريد أن تنطق، أن تروي للعالم حكاية موت لا يستطيع أحد أن يقف في وجه طوفانه الرهيب، فالحكاية هي وسيلة الإنسان لمقاومة الموت.

والصورة أداة لإظهار تحدي الإنسان لهذا الدمار، تذهب الكاميرا إلى أبعد من التقاط أثر الكارثة، إنها تحاول أن ترصد الحياة، وهي تتنفس من جديد، أطفال يذهبون إلى خيام تحولت إلى مدارس وعليهم أن يقبلوا بفكرة المكان الجديد، الحرف أيضا يريد أن يساهم في صنع الحياة في هذه اللحظة الاستثنائية من عمر شعب باكستان.

تاجر يفرش ما تركه الزلزال له من بقايا بضاعته لكي يمارس حقه في الحياة، نساء يغسلن الملابس بقطرات من مياه نادرة، كما لو أنهن يغسلن ذاكرة الدمار، أم تحتضن طفلها، تريد أن تدفئه بحرارة جسدها الذي يرتجف من البرد، أخريات يطبخن الطعام، وفي خلفية كل هذه المشهدية ينبعث غناء الأطفال (أعطني الدفء والحنان يا أمي) -تقول كلمات الأغنية- الغناء هو أيضا وسيلة لمقاومة الدمار.

من إسلام آباد إلى بلاكوت التي تحولت إلى مدينة أشباح في أقل من دقيقة ومنها إلى مظفر آباد، ترصد الكاميرا الأطفال، تبرز ممارستهم اليومية للحياة ابتساماتهم الساحرة وعيونهم المليئة بدموع متجمدة، تدخل الكاميرا المدينة من بوابتها الرئيسية، وتتجول في أروقة المستشفى فيها، الفضاء يردد صدى الألم، وصرخات هنا وهناك تعلو ثم تذوب رويدا في الصمت، ومن الصمت تنبثق من جديد إرادة أخرى للحياة.

صناعة الأمل
تركز العدسة على ابتسامات الأطفال، على براءة ضحكاتهم، على إرادة المستقبل عندهم التي تنعكس في مرايا حدقات عيونهم، الابتسامة أقوى من الدموع وأكثر قدرة على البناء.

لم يكن الناس أكثر توحدا ومحبة بعضهم لبعض مما هم الآن عليه، هكذا يقول طفل. وحين تظهر الكاميرا قوة التحدي المنغرسة في هذه الابتسامات تساهم فعلا في صناعة الأمل لهؤلاء

وحين تظهر الكاميرا قوة التحدي المنغرسة في هذه الابتسامات فإنها تساهم فعلا، في صناعة الأمل لهؤلاء.

لكن الكاميرا لا تكفي لدرء البرد وحماية الأطفال من العواصف والأمطار، ثمة شيء آخر تريد العدسة أن تحكيه لنا وهو دور المنظمات الإنسانية في الوقوف إلى جانب الضحايا في الإنسانية، مساعدات هنا وهناك، في مخيم كاشكارا الواقع بين مدينتي مانسيرا وبلاكوت أنشأت اليونيسيف مركزها الرئيسي لإغاثة المنكوبين: خيام لا حصر لها، مركز طبي، مياه الشرب، مساحات للعب، ومدرسة.

لم يكن الناس أكثر توحدا ومحبة بعضهم لبعض مما هم الآن عليه، هكذا يقول طفل.

فالكوارث الطبيعية تكشف جوهر الإنسان الطيب. من اللاشيء، من بقايا الذاكرة والأشياء يعمل من تبقى من الناجين على بناء بلد جديد، يمشون إلى المستقبل كما يعبرون جسرا يمتد من ضفة إلى أخرى، أمل جيد ينطلق أولئك الأطفال الذين يتحدون الدمار بعيون جميلة وحزينة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة