"رسائل من اليرموك".. ارتكاب السينما بدم بارد   
السبت 27/7/1436 هـ - الموافق 16/5/2015 م (آخر تحديث) الساعة 20:59 (مكة المكرمة)، 17:59 (غرينتش)

 
راشد عيسى*

أول ما يتعلمه المرء في السينما أن المخرج الماهر هو من يحسن التخفي وراء فيلمه، يبتكر أساليب كي يتوارى خلف عناصر الفيلم.

لكن مع فيلم المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي "رسائل من اليرموك" (٢٠١٤-59 دقيقة) سنلاحظ تحطيما لتلك القاعدة، حيث المخرج لا يكتفي بمصادرة جهد فريق فني ومخرج عملوا في أقسى الظروف، الحصار الرهيب والجوع والقصف لمخيم اليرموك، بل ستجده يتجول هنا وهناك، في قلب الفيلم، متى سنحت له الفرصة، وهي كانت سانحة ما دام  الـ "سكايب" متوفرا، وقد كان مشهراوي حاضرا على الدوام، قاعدا في منتصف موضوع هو خارجه في الأساس.

نيراز سعيد بموهبته في التصوير بنى تقريبا كل العمارة السينمائية لفيلم "رسائل من اليرموك" (الجزيرة)
هكذا يمكن القول إن الفيلم مقسوم تماما إلى اثنين، واحد لصور مخيم اليرموك التي التقطها المصور، وهو سيسمى مخرجا مساعدا في الفيلم تاليا، نيراز سعيد، والثاني هو مشاهد لمحاورات السكايب بين مشهراوي، من مكانه الآمن في مدينة رام الله، والشاب سعيد، مخرج الظل، تحت حصار اليرموك.

ينشغل الفيلم، في جزء منه، براوي حكايته، أي كيف صنع الفيلم، منذ اتصال عبر السكايب لبنت، هي لاجئة فلسطينية من مخيم اليرموك إلى ألمانيا، وهي تبادر بالاتصال بالمخرج مشهراوي لتطلب منه الاهتمام بالصور التي يمكن أن يرسلها صديقها الموهوب نيراز لمشهراوي.

رشيد مشهراوي قعد على الدوام في منتصف فيلم هو خارجه في الأساس (الجزيرة)
سؤال مشهراوي سيظل مطروحا حتى نهاية الفيلم، ماذا ينبغي أن نفعل بتلك الصور، وسينتهي الفيلم والسؤال قائم، في هذه الأثناء سيكون الفيلم قد أنجز، قد شاهدناه بالفعل، وكأن تلك الأسئلة المكررة تعطي الفيلم جرعة واقعية من جهة، ومن جهة تصبح سؤالا عما سنفعل إزاء تلك الصور، عما سنفعله لسكان تلك الصور.

كان يمكن الاستغناء تماما عن حضور المخرج، وقد كان ثقيلا بالفعل، باردا، مع أسئلة مكررة وثقيلة الظل، بل بدت كأنها تترفع على موضوع الفيلم، المخيم. كان كافيا الإصرار على اعتمار "البرنيطة" الأوروبية في كل ظهور للمخرج كي يعطي هذا الانطباع بأنه ينتمي إلى مكان آخر.

إنه التعاطي مع موضوع خطر من مكانك الآمن. يذكر ذلك بالفيلم السوري "ماء الفضة" الذي أداره (استثمره في واقع الأمر) مخرجه بالطريقة نفسها، حيث المصور الحقيقي، تحت الحصار، بينما هو جالس قبالة الميكرويف، ليكرر عبارته الأثيرة "أنا الفيلم".

كذلك يفعل مشهراوي، بطريقة أو بأخرى سيصبح هو الفيلم، لا المخيم ولا رسائل الجوع. بالإمكان التمييز بين ظهورين متعارضين تماما، مشهراوي من مكانه الآمن، والمخرج الحقيقي تحت الحصار، شاب يقول الأشياء بأبسط ما يكون، كذلك كان حين سأله مشهراوي وألح، كيف مات أخوه ولماذا، فيجيب بأن "لا سبب لموت الناس هنا".

 الفيلم يعرض صورا مؤثرة لأهالي المخيم ونضالهم الرهيب من أجل لقمة الخبز (الجزيرة)  

نيراز سعيد (٢٣ عاما) وحده حكاية، وهو يمثل جيلا من شباب اليرموك الذين أنضجتهم التجربة فأكسبتهم خبرة استثنائية، دلتهم على هوية وانتماء أكثر وضوحا. يؤكد شرح نيراز سعيد للصور الفوتوغرافية التي التقطها حساسية خاصة لديه، كما تؤكد الصور نفسها ذلك، يبدو شابا واعدا بالفعل.

لو كتبت النجاة لمخيم اليرموك وأهله لا بد سنجد أنفسنا أمام جيل استثنائي من المبدعين الفلسطينيين.

إنهم يستحقون بكل تأكيد ذلك الاسم، الذي بدأ تكريسه مع فيلم لمخرج فرنسي زار المخيم، فأطلق فيلمه عن "شباب اليرموك"، الذي صار تاليا اسما لفرقة، ولعله بات يسم الجيل الفلسطيني الجديد.

يعرض الفيلم صورا مؤثرة للمخيم، الناس في أحوالهم اليومية الاعتيادية، نضالهم الرهيب من أجل لقمة الخبز، الأطفال وهم يتحولون إلى متسولين للقمة عابرة، الناس وهم يبحثون عن لقمتهم في أكوام النفايات، الناس يحتشدون وهم ينتظرون مساعدات الأونروا، ثم يتدافعون بفعل قذيفة هاون سقطت بينهم.

يحاول المخرج أن يبني حكايات لها خصوصيتها، في فيلم ليس من السهل أن تميز فيه البداية والنهاية، أي أن من الصعب أن تبني سيناريو تقليديا، لذلك مثلا يستحضر صور قريتي عولم المندثرة (في طبريا) وهي قرية نيراز سعيد، وقرية نحف (عكا) وهي قرية البنت لميس في فلسطين، ويقول معلقا إن نحف أجمل من اليرموك وأجمل من كل المدن الألمانية التي لجأت إليها لميس، ولكن ليؤكد في الأساس أن جذر المشكلة هو في تشريد نيراز ولميس عن قريتيهما.

المخرج الحقيقي للفيلم كان داخل حصار مخيم اليرموك (الجزيرة)

كذلك يسعى المخرج إلى تسليط الضوء على قصة حب، في فيلم مروع، غالبا ما يجد المرء نفسه يشيح بوجهه عن مناظره، قصة حب بين لميس والمصور نيراز، ولكن، مرة أخرى، يكون الحل عند المخرج في السكايب، يسأل لميس إن كانت تحب نيراز، ويسأل الأخير إن كان يحبها، كل على حدة، وكم كان أجدى لو أنه سجل حوارية بينهما فقط عبر السكايب، إن كان ذلك ضروريا في الأساس.

يعمد المخرج أيضا إلى ابتكار حكاية معرض لصور نيراز في رام الله، ويدع الكاميرا تصور مختلف مراحل التحضير، من زيارة لمتحف محمود درويش، حيث سيقام المعرض، إلى ضريح الشاعر، إلى صوت درويش وهو يلقي كلمته في وداع تونس، ولا ندري بالطبع ما علاقة كل ذلك برسائل اليرموك، فقد كان طريقا طويلا للوصول إلى أمسية افتتاح المعرض، والكلمة التي ألقاها نيراز عبر السكايب في افتتاح معرضه في رام الله. كل ذلك كان فائضا عن حاجة الفيلم، وما هو إلا نوع من الاستطراد.

ليس لفيلم عن اليرموك اليوم أن يتجاهل بيانو مخيم اليرموك الذي ذاعت صوره، وكان صاحبه يجره على عربة، هي نفسها التي تنقل الماء للمخيم في مشهد آخر، لكن المخرج مشهراوي قدم أضعف الصور لبيانو اليرموك، أراده، كما أراد عازف البيانو أيهم أحمد، ووالده الضرير عازف الكمان، كما لو أنه في مقابلة تلفزيونية مكررة، وطبعا عاد المخرج هنا إلى السكايب من أجل تلك المقابلة غير المدروسة، والتي تبدو بلا هدف سوى أن يظهر فيها العازف وأبوه، كأنما بمجرد ظهورهما سبق سينمائي، إن جاز التعبير.

الملوك الثلاثة.. هذه تسمية نيراز سعيد للقطته الشهيرة لأطفال فلسطينيين واجهوا المرض والجوع في اليرموك (الجزيرة)

المخرج الجيد لا يستقوي على شغل مثل هؤلاء الشباب، التحدي هو أن تمكن هؤلاء من أن يصنعوا أفلامهم، لا أن تصنع لهم أفلاما. وفيلم "رسائل من اليرموك" جاء ليقدم رشيد مشهراوي لا المخيم المحاصر، ولا شبابه.

* صحفي وناقد فلسطيني مقيم في باريس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة