حين لا تحسن السينما إدارة المأساة   
السبت 4/8/1436 هـ - الموافق 23/5/2015 م (آخر تحديث) الساعة 20:12 (مكة المكرمة)، 17:12 (غرينتش)

حميد بن عمره*

فتح شريط "ساتي" سرد مأساته بصورة جبل ارتدت قمته غشاءً ضبابيا مخيفا، تنبئ رمادية لونه بمضمونه الحزين. إنها قصة الإدمان على المرتفعات والبحث عن الذات المتواصل.
الأرملة في الهند التي تحرق جسدها بعد وفاة زوجها تلقب بـ"ساتي"، بيد أن الأرملة هنا بولندية اسمها أولغا، وهي أم لولدين فقدت زوجها بيوتريك ولا تنوي إطلاقا نهج سلوك الهنديات في التعبير عن حزنها، لكنها تحسد قدرتهن على ذلك، ما دام الحزن ليس له دواء.

في مهب الريح العميق يظهر وجهها جافا، تفككت المشاعر على ملامحه، يقف الجبل أمام وجهها ينافسها الصمت الأبدي، كما ينافس ضيق البيت وعتمة ضوئه علو القمة ووحشتها.

إن صراحة الشريط الذي لا يخفي من لقطاته الأولى وفاة البطل تزيد فضولنا حول كيفية وفاته.

السباق نحو المرتفعات يرجع تاريخه إلى عام 1786، إذ وصل كل من الطبيب ميشال باكار ودليله جاك بالمي الفرنسيين إلى قمة المون بلانك أعلى مرتفع بفرنسا وأوروبا.

بيوتريك قبل سقوطه بلحظات.. "الحاضر هو الزمن الحقيقي لي" (الجزيرة)

وازداد الصراع حول مرتفعات الهملايا والولع بالقمم في بداية العهد النازي وتصاعد الوطنية المفرطة، فصار فن التسلق واجهة للرجل الجديد الذي جهر به "الهتلريون".

"هل تسجل؟" يتوجه بيوتريك بهذا السؤال إلى رفيق رحلته الإيطالي سيمون في أول لقطة له أثناء صعودهما، مخاطبا العدسة مباشرة في تدخلات وجودية تشبه في محتواها وصية الراحل. سيمون يدوّن كل خطواته بأسلوب ارتجالي يتصف بعشوائية الإطار والنية الحسنة بالطبع.

جمال الجبال يُنسي خطورة أوعارها، فهل حب الحياة يسمح لنا بالرهان بها؟ لكن بيوتريك مدمن على خلوة العلو، مفضلا الوقوف أمام مكان مصرعه عوض البقاء في "وكر صاحبته الحامل".

إن المرء يرى العالم بوضوح من فوق جبل، لكن أولغا تدرك بوضوح غياب بطل حبها كل يوم.
بيوتريك يعيش على حافة الحياة -تردد أولغا- وتذكر أن الحاضر هو الزمن الحقيقي بالنسبة له، وأن الخوف عنده موجود فقط في زمان افتراضي يمكن تجنبه.

تحدي الموت
هل تحدي الموت رياضة بورجوازية أوروبية؟ أم هي بحث عن معنى للوجود؟ أم محاولة لتفسير مفهوم الوحدة الوجدانية؟ أم مسلك للدخول إلى التاريخ من بابه الدرامي؟ أم هي في آخر المطاف مجرد تسابق في وضع علم الوطن أو القبيلة التي ننتمي إليها على مرتفع ما؟

بعد البحث في قوائم المتسلقين، نجد في قائمة المتوجين سوزان الهوبي، أول امرأة عربية من فلسطين تطأ أقدامها سقف الأرض عام 2011.

لكن لماذا لا نجد من أهل البلاد أكان من الهنود أو الصينيين أو غيرهم ممن نشأوا على حافة الجبل من يغامر ولو مرة لاسترجاع طليعة هذا الفن من الأوروبيين؟

إطار الفيلم يبدو غائبا، ونيته هنا ليست التمكن من الإحاطة بزوايا الحلم الشامخ. فالسينما لا يمكن أن تحتال على الحياة، والحياة لا تتحول فجأة إلى سينما بمجرد الضغط على زر التسجيل
"

أما أرملته فتتساءل لماذا لم تتمكن من منع زوجها من الذهاب إلى الجبل؟ إن الصخور تعودت على الوحدة والسكون منذ الأزل وليست بحاجة إلى من يؤانسها، لكن الإنسان يحتاج دوما إلى تحدي الطبيعة وتجريب شجاعته وحتى جنونه أمامها.

إطار الفيلم يبدو غائبا، ونيته هنا ليست التمكن من الإحاطة بزوايا الحلم الشامخ. فالسينما لا يمكن أن تحتال على الحياة، والحياة لا تتحول فجأة إلى سينما بمجرد الضغط على زر التسجيل.

ووضع الكاميرا أمام أرملة تفيض عيناها دموعا راصدةً كل حسرة، ونبرة مؤثرة لها لا يعطي بالضرورة فيلما صادقا.

الموت يخدع الحياة مرارا، ولم تنتبه الحياة حتى الآن إلى خدعه اللامتناهية، لكن عندما ندقق في هيكل الشريط وبنيته يتجلى لنا غياب التركيب رغم الـ17 لقطة للجبل المصور بتركيز كامل بعد الحادث.

17  لقطة أحصيناها لنفس المكان كنوع من التنقيط لجمل غاب فيها الشكل والتشكيل.
الخدعة الأولى تكمن في عنوان الشريط الذي يستعمل اسم "ساتي" الأرملة التي تحرق نفسها، وهي فكرة عابرة لا تقف عليها أولغا إلا لحظة واحدة.

الفيلم يستعجل في سرده خبر وفاة بيوتريك على الهملايا وينسى تصحيح معايير الألوان لكل لقطات أرملته (الجزيرة)

إن موضوع السعادة التي يبحث عنها بيوتريك مخالف تماما لما عند زوجته، فكيف يمكن الزواج من الآخر إذا كان التناقض يقع في أهم فكرة من الحياة؟

بيوتريك يسعد بوجوده وحيدا في خلوة الجبل، وأولغا تسعد بوجود بيوتريك بقربها، لكنها تسعد لسعادته، وبالتالي تحزن في آن واحد لبعده عنها. فهل التضحية نوع من الحب أم إفراط في دور الضحية؟

لماذا يجعل الشريط من بيوتريك أكثر بطولة ممن يموتون في الحج بين الصفا والمروة أو ممن يلقون المنية في فراش السرطان؟

هل فكرة الفيلم نشأت فقط لكون بيوتريك صُوّر وهو يسقط من أعلى الجبل، وأن كل اللقطات الملفوفة حول هذا الحدث الأليم ليست سوى معالجات برزت فيها خيوط الترقيع من بعيد؟

وهل وحدة المتسلق في برد الصخور الشاهقة أكثر درامية من وحدة ولد يتيم في ليل فقير؟ إن بعثرة التوابل النادرة على الأرز لا يدخل طبقك عالم الطهي الراقي.

استعجال خبر الوفاة
ففيلم "ساتي" يستعجل في سرده خبر وفاة بيوتريك وينسى تصحيح معايير الألوان لكل لقطات أولغا.

إن الباكي والمبكى عليه لا يدخلانك حتما إلى السينما التسجيلية، بل يجعلانك أسير عملية اختطاف نفسية. فالتعزية في منشور صحفي أو على جدار شبكة اجتماعية قد يكون صداها أكثر بلاغة ورثاء من محاولة التحايل على الجمهور بشريط يملك كل مكونات الفيلم التسجيلي دون أن يستعمل من موادها سوى الخبر التلفزيوني المثير.

إذا كان الكاتب يستحي من أخطائه الإملائية والموسيقي من زلات نوتاته، فلماذا لا يستحي أصحاب هذه الأشرطة من انعدام السينما في صورهم؟

لكن إذا كان الكاتب يستحي من أخطائه الإملائية والموسيقي من زلات نوتاته، فلماذا لا يستحي أصحاب هذه الأشرطة من انعدام السينما في صورهم؟ وهل التلفزيون المستهلك الأول لهذه البضائع هو من يروج لرداءة الفيلم التسجيلي أساسا؟

في "ساتي" هناك أهم من الوصول إلى الهدف، قوة التنازل عن الحلم. بيوتريك أصر على الذهاب مؤمنا بخلود حلمه رغم اشمئزاز أولغا من هذه الرحلة. هناك ما أهم من الوصول إلى القمة، النهج الذي نخطوه.

هناك ما هو أهم من الجبل الذي نريد ترويضه: الحياة. غير أن المتاجرة بالموت ومشتقاتها لا يحول الناقد إلى محام أو بائع أحلام يمكنه بيع محتوياتها إلى أي زبون.

أما الفكرة الثانية والتي تستحق فيلما كاملا فهي لحظة الوصول أو الظن بأن الوصول قد تم.

لا يمكن أن ننسى غيل ديفرس العداءة الأميركية التي أسقطت قبل بضعة أمتار من خط الوصول في سباق المائة متر حواجز بالألعاب الأولمبية عام 1992. مثلها مثل بيوتريك الذي يبدو راضيا عن جهده بعد تمكنه من تخطي عقبة مهمة في طريقه نحو السماء.

يتنفس باطمئنان ليبادر في استئناف تسلقه، فيغيب فجأة من تحت أقدامه الحجر ويلتقط الموت فريسته، لأن "الموت يعشق فجأة" كما ردد محمود درويش، ولأن "الموت لا يحب الانتظار".

بيوتريك لا يخاف الموت بل لحظة الموت، لأنه يؤمن بالجنة كما يقول في خطاه نحوها.

لماذا لا نجد من الهنود أو الصينيين وغيرهم من يرغب في تسجيل اسمه على مرتفعات الهملايا؟ (الجزيرة)

يوم الثامن من أبريل/نيسان 2009، يرحل بيوتريك من فوق دولاغيري في الهملايا بعدما تسلق ستة مرتفعات، أما أولغا فتتفرغ للكتابة ولولديها.

"ساتي" يؤكد أن الوصول أصعب من الانطلاق، وأن الشك في نهاية أي مشروع أكثر أهمية من شك البدء فيه.

"ساتي" نموذج للسينما التي تدعي المعرفة والتي يغيب عنها الكثير من هذا الفن، لذلك موضوع الفيلم ليس هو السينما التي لا تحتاج إلى جدية الموت أو الحياة حتى تجني ثمار مصداقيتها.

___________________

* مخرج جزائري مقيم في فرنسا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة