بورتريه مخرجة بعد موسيقى أندرغراوند العرب   
الأربعاء 1436/2/25 هـ - الموافق 17/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 23:55 (مكة المكرمة)، 20:55 (غرينتش)

ناتالي غاليسن

واضحة، ومصرّة وإرادتها قوية وشغوفة. أقل ما يمكن قوله عن هند المؤدب إن أمامها مستقبلا واعدا كمخرجة أفلام تسجيلية.

ترعرعت هند الفرنسية-التونسية ابنة الكاتب عبد الوهاب المؤدب في باريس دون الانفصال عن انتمائها المزدوج. تنقلت مبكرا بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط واهتمت خاصة بالشباب والمشهد الثقافي والفني في المجتمعات العربية.

لم تكتف بأن تكون "ابنة فلان.." فهي كانت طالبة لامعة تخرجت في معهد العلوم السياسية، وحازت في الوقت نفسه على ماجستير في الفلسفة السياسية في جامعة باريس العاشرة. وبفضل الثقافة التي غرفت منها تمكنت من دخول عالم الصحافة والسينما التسجيلية من أوسع الأبواب.

عملت على التوالي صحفية في فرانس 24، وفرانس أنفو وباريس بروميير، كما عملت محققة صحفية لبرنامج تراكس على قناة أرتيه، هذا البرنامج المخصص للثقافات المضادة وأشكال الفنون الناشئة. وحضرت هند لهذا البرنامج العديد من التقارير المصورة ومن بينها "الصوت اللبناني للحرب" "الصدام التونسي" و"الكترو-شعبي" Electro Chaabi.

ولد في الأحياء الشعبية المصرية صوت جديد ومعارض، يتحدى المحظورات والقواعد الاجتماعية ويشكل فضاء حرا لشباب الأحياء الفقيرة

وفي العام 2008، أخرجت مع كاليغر فيمويك فيلم "من كازابلانكا إلى الجنة"، وهو فيلم تسجيلي يسرد حياة أربعة شبان مغربيين من مدن الصفائح في كازابلانكا نظموا تفجيرا انتحاريا في 16 مايو/أيار 2003 أودى بحياة 45 شخصا. وحصل هذا الفيلم على تنويه خاص من لجنة تحكيم فيغرا وجائزتين في مهرجان أبو ظبي السينمائي.

مجابهة مبكرة
ونتذكر أيضا سورة غضبها أثناء محاكمة مغني الراب ولد الكانز في تونس في 13 يونيو/حزيران 2013، مما سبب توقيفها لأنها عبرت عن سخطها حين صدر الحكم على هذا الشاب بالسجن لمدة سنتين ونصف بسبب أغنيته "البوليسية كلاب" (الشرطة كلاب، باللهجة التونسية). قررت الشابة العودة إلى فرنسا لتستنكر ما قالت إنها ممارسات النظام البوليسي الذي استمر بعد سقوط بن علي، والبطء في إرساء الإصلاحات المؤسساتية في تونس ما بعد الثورة.

أخرجت هند المؤدب أيضا في أعقاب "ثورات الربيع العربي" في العام 2013 في القاهرة فيلما تسجيليا بعنوان الكترو-شعبي، وهو العنوان نفسه الذي أعطته للتقرير المصور الذي أنجزته لقناة آرتيه قبل عامين من ذلك.

في هذا الفيلم، تتبع المخرجة الشابة موسيقيي الأندرغراوند المصرية لتبين أهمية ودور طرق التعبير الفنية والموسيقية الجديدة التي واكبت التغيرات الكبيرة التي هزت المجتمعات العربية.

ومنذ المشاهد الأولى من الفيلم يوضح هذا التعليق (المكتوب) "ولد في الأحياء الشعبية صوت جديد ومعارض، يتحدى المحظورات والقواعد الاجتماعية. فالمهرجان يشكل فضاء حرا لشباب الأحياء الفقيرة". هذه هي الكلمات الوحيدة للمخرجة التي فضلت أن تعطي مجال التعبير للموسيقيين والقريبين منهم طوال فيلمها.

المخرجة التونسية هند المؤدب أثناء العمل في فيلم "الكترو شعبي" (الجزيرة)

الكترو شعبي
تشرح هند قائلة إن "الكترو شعبي" هي عبارة ابتكرتها مع فريق عمل تراكس في العام 2011 في محاولة إيجاد تعريف لهذه الموسيقى التي تسمى بالعربية "المهرجان" وكانت تعزف في البداية في حفلات الزفاف.

إنه مفهوم يتيح تلخيص هذه الموسيقى التي تمزج بين الموسيقى الإلكترونية والموسيقى التقليدية (الشعبية). ولكن في الحقيقة الأمر أكثر من ذلك. موسيقيو الكترو شعبي يعشقون الموسيقى الجامايكية، وموسيقى دافيد غيتا وموسيقى ستروماي، ومع ذلك يولون الموسيقى الصوفية اهتماما خاصا. نعم إنهم يعيشون في مدن الصفائح في القاهرة ولكنهم يتابعون ما يحدث في الولايات المتحدة، وفي أوروبا، وفي جامايكا. الفضل في إزالة الحدود يعود هنا للإنترنت.  

من البداية يقلع الفيلم بقوة وفق نبضات "المهرجان": رقص محموم، أصوات موسيقى سريعة ومطردة، ألعاب نارية، القفزة التي يعمد إليها المغني للارتماء في أحضان الجمهور. كل شيء ينفجر في المشهد، تشظ، مزج فج لكلمات تصف الحياة اليومية في أحياء القاهرة الفقيرة، مصاعب الشباب ولكن أيضا طاقتهم المتفجرة وتعطشهم للحرية. هذا الإيقاع نفسه يملي على الفيلم سرعة إيقاعه. نخرج بعد 77 دقيقة متغيرين، ولاهثين. أصبحنا في مكان آخر.

تابعنا علاء فيفتي، فيجو، بيليا، دييزيل وأيضا النجوم الجديدة أوكا وأورتوغا الذين استردهم عالم الفن المصري. تسكعنا معهم في الأحياء المتداعية في المطرية، وإمبابة أو في مدينة السلام.

يقول أحد الموسيقيين "ولدت موسيقانا في ساحة سبيغا، في مدينة السلام، حينا الجميل الذي تسيء الحكومة معاملته وتحتقره. ترعرعنا هنا، وعلى كل الأحوال نذكر هذا الحي كثيرا في أغانينا". ويضيف موسيقي آخر "قبل الثورة لم يكن أحد يستطيع التعبير عن رأيه، وبفضل "المهرجان" أستطيع الآن أن أسمع صوتي. تعلم الشعب أن يقول: لا، ونحن أيضا تعلمنا ذلك في أغانينا". ولكن لننتبه جيدا فهنالك أغنية أخرى منتشرة تقول كلماتها الموزونة "من انتفع من الثورة؟".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة