حين أمسكنا بالزمن وطبعناه   
الاثنين 28/7/1435 هـ - الموافق 26/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 12:39 (مكة المكرمة)، 9:39 (غرينتش)

قيس الزبيدي

اخترع الأخوان لوميير جهاز "السينماتوغرافيا" الذي كان تطويرا بشكل كبير لجهاز أديسون "كينيوسكوب" الذي أتاح لمُشاهد واحد أن يتفرج على مجموعة صور متحركة خلال ما يقرب من دقيقة.

لكن جهاز لوميير تميز بأنه استطاع توحيد آلية التصميم في استعمال تصوير مشاهد على فيلم سالب، وطبع نسخ موجبة من السالب المصور، وانعكاس مباشر للصور المتحركة على شاشة عرض، واختراع مخلب جهاز "لوميير-كاربينتر" الذي شكل جزء التصميم الأهم لأنه ينظم عملية نقل كل كادر من شريط الفيلم بمعدل ثابت تتتابع فيه الصور خلال كل ثانية.

نجح جهاز "السينماتوغراف" في 25 ديسمبر/كانون الأول عام 1895 في تقديم عرض عام في "غراند كافييه-الصالون الهندي" لعشرة أفلام على شاشة عرضها ثمانية أمتار وارتفاعها ستة أمتار أمام جمهور يتألف من حوالي 35 متفرجا من بينهم عدد من الصحفيين والأكاديميين.

لماذا عدَّ هذا التاريخ يوم ميلاد السينما؟ لأن العرض حصل بمصاحبة عناصر ثلاثة:
1. تشغيل جهاز لعرض الصور المتحركة.
2. عرض الأفلام لأول مرة أمام جمهور.
3. يشاهد الجمهور العرض لقاء شراء تذكرة دخول من شباك للتذاكر.

اعتبر جان رينوار أن اختراع السينماتوغرافيا يوازي في أهميته التاريخية اختراع الطباعة من قبل الألماني يوهان غوتنبرغ
أول الأفلام
في هذا اليوم وصل مدخول العرض 33 فرنكا، لكنه وصل بعد أسابيع ثلاثة إلى 2500 فرنك، وكان زمن برنامج العرض عشرين دقيقة، ويتألف من عشرة أفلام من بينها أول فيلم "خروج العمال من مصنع لوميير" وثاني فيلم "وصول قطار إلى المحطة" الذي سيذهب إلى محطة مهمة في تاريخ فن السينما، وفيلم مُمَثّل لأول مرة في تاريخ السينما "الساقي المسْقي"، إضافة إلى أفلام أخرى أغلبها "يسجل" أحداثا يومية راهنة تصور بكاميرا ثابتة وفق أسلوب الصور الفوتوغرافية.

بدا الجمهور مصابا بالذهول وهو يشاهد الناس يتحركون على الشاشة ويلفت اهتمامه حفيف أوراق الشجر في خلفية مشهد "إفطار طفل" وحركة الأمواج  في مشهد "قارب يغادر الميناء" وتطاير الغبار في مشهد "تهديم جدار".

أما بالنسبة لمن كان من بين المتفرجين يعرف البحر فإنه هتف: هذا هو البحر بالضبط! أو من بين المتفرجين من لم يعرف البحر فإنه شعر كما لو أنه يقف على شاطئه.

هكذا بدأ قطار لوميير يظهر في كل مكان على شاشة القاعة المظلمة ويتقدم نحو جمهور يجلس في العتمة وكأنه حسب مكسيم غوركي سيحول "القاعة التي نجلس فيها إلى ركام- مع أنه مجرد قطار من ظلال".

 أما تولستوي الذي تابع باهتمام بالغ بدايات السينما وأطلق عليها اسم "الصامت العظيم" فقد صرح في مقابلة أجريت معه عام 1908، بأنه يريد أن يكتب كما تصور السينما.

مع أن اختراع لوميير كان معجزة تقنية لكن أحدا -حتى مخترعها- لم يعرف كيف يمكن أن توظف تجاريا وأن تكون جنينا لفن جماهيري جديد

الجريدة السينمائية
لم يكن لويس لوميير أحد الشقيقين الذي ينسب إليه اختراع السينماتوغرافيا متفائلا بمستقبل اختراعه وتوقف منذ عام 1898 عن تصوير الأفلام، ولم يسوق اختراعه أيضا بل تعاقد لحسن الحظ منذ عام 1896 مع مجموعة كبيرة من مصورين دربهم وأرسلهم في أنحاء العالم ليصوروا ما يجري من أحداث عرضت في صالة جديدة افتتحها لعرض ما نسميه اليوم "الجريدة السينمائية".

تألفت الجريدة من مجموعة من الأخبار، وذلك ما وضع النواة الأولى لإطلاق "باتيه جورنال"، أول جريدة تسجل الأخبار الراهنة في فرنسا منذ عام 1908 والتي كان شعارها: نرى كل شيء ونعرف كل شيء.

انشغل لوميير منذ بداية السينماتوغرافيا بالعمل وفق مبادئ تسجيلية، وصور أحداثاً "واقعية" راهنة غير ممثلة. واستمرت أفلام "الواقع الراهن" تشكل حتى عام 1903 نسبة 75% من مجموع الأفلام المُنتجة. لكن بدأت هيمنة السينما الوقائعية تنحسر حينما بدأ الفيلم الخيالي يظهر إلى الوجود لتصبح بالنسبة للجمهور أفلاما مُضجرة تماما ينزل تعداد إنتاجها إلى أسفل القائمة.

ومع أن اختراع لوميير كان معجزة تقنية لكن أحدا -حتى مخترعها- لم يعرف كيف يمكن أن توظف تجاريا وأن تكون جنينا لفن جماهيري جديد.

وكما يقال فإن حاسة البصر هي الحاسة الأخيرة التي تتشكل عند الجنين فقد حصل في تاريخ المولود الجديد أن رعاه رجل بصري يمزج بين الخيال والسحر ويبتكر قصصا خيالية مثيرة يسردها بأسلوب بارع.  

ومن هنا بدأت رحلة جورج ميلييه الذي لم يعد ينتظر قطار لوميير كما سبق له أن فعل، بل راح يصنع مركبة فضائية لتستطيع أن تقل جمهور لوميير من الأرض إلى القمر.

ليو تولستوي 1828-1910 قال إنه يريد أن يكتب كما تصور السينما (غيتي إيميجز)

المصور الكبير
في حوار تلفزيوني طويل للغاية أجراه المؤرخ جورج سادول في يونيو عام 1948 مع لويس لوميير اعترف بأنه مخترع السينماتوغرافيا الوحيد وأن براءة الاختراع حملت اسمه واسم أخيه أوْغست، بينما أكد هنري لانغيلوا أن لويس كان المصور الكبير والمخرج السينمائي الأول.

واعتبر جان رينوار أن اختراع السينماتوغرافيا يوازي في أهميته التاريخية اختراع الطباعة من قبل الألماني يوهان غوتنبرغ.

ووصف تاركوفسكي لحظة عرض فيلم "وصول قطار إلى المحطة"، بأنها ليست اللحظة التي أعلنت ظهور تقنية جديدة، ولا اللحظة التي أسست لإعادة إنتاج الحياة. إنما كانت اللحظة التي وجد الإنسان فيها وسيلة للإمساك بالزمن وطباعته، ليصبح أساس السينما وقاعدتها.

انتخب لويس لوميير عضوا في أكاديمية العلوم عام 1919، واختير رئيس شرف في أول دورة لمهرجان كان عام 1939 الذي اشتركت فيه تسع دول من العالم.

  واليوم يوجد متحف وأرشيف لمصنع لوميير الذي حافظت بوابته على ذكرى البوابة الفيلمية التي غادر منها عمال لوميير المصنع في ليون.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة