نساء ليبيات في مواجهة جحيم القذافي   
الجمعة 1437/8/7 هـ - الموافق 13/5/2016 م (آخر تحديث) الساعة 2:24 (مكة المكرمة)، 23:24 (غرينتش)



 
سهى صباغ*
 

تأتي الحقيقة متأخرة دائما، رغم أن ملامحها تلمع أحيانا هنا أو هناك. تفضح الأسرار والجرائم، ولا نشاهد من الضحية إلا ندوبها. هذا إن بقيت على قيد الحياة، فنلملم مأساتها وأخبارها، وربما المخفي والذي لم ولن يُقال، هو الأفظع.

فيلم "نساء في قبضة العقيد" يكشف عن مأساة نساء معتقلات أيام حكم معمر القذافي في ليبيا. ثائرات كن في أول الشباب، معظمهن طالبات جامعيات. طامحات للتغيير، معارضات لنظام مستبد، أتى بعد انقلاب عسكري، أطاح 1969 بالملك إدريس السنوسي. حينها خيل للشعب أن من جاء بعد الملك، سيترك لهم حرية المصير.

صور من الأرشيف أصبح بعضها شبه متلف، يتمسك بها المخرج جمال دلالي لتكون وثيقة، تشاهدها بأم العين. تقرأ تعابير الوجه، ولغة الجسد، والنظارات التي تلعب أكثر من وظيفتها، كحامية من للشمس. والأهم أن تسمع بأذنك دون زيادة أو نقصان كلاما طالعا من فم العقيد.

معتقلات محررات، يحكين قصصهن ومعاناتهن. ما زال التأثر باديا على وجوههن، رغم مرور الزمن.

فاطمة التايب، وشقيقتها زكية التايب، جميلة فلاق، إحسان بن علي، آمنة الجرنازي وغيرهن. معظمهن اعتقلن في الثمانينيات. تراوحت أحكام البعض من ثماني سنوات حتى ثلاثين سنة.

استعان الفيلم بمشاهد تمثيلية لتجسيد الحالات التي عاشتها المعتقلات. مشاهد جيدة وموفقة، بعيدة كل البعد عن المبالغة. بل كانت ورغم العنف الواقعي توصل المناخ والمعاناة التي عاشتها المعتقلات. الإضاءة الخافتة معبرة جدا. كان التركيز على حركة الأشخاص مع ظلال ولون أسود طاغ على الصورة، بمثابة لوحات تعبيرية.

فاطمة التايب: 1200 قتيل في سجن بو سليم فمن يحاسب القتلة؟

لا يزال التعب باديا على وجوههن، يخفين حزنا دفينا، وظلما كبيرا تعرضن له. تغير مسار حياتهن، هن الجامعيات الطامحات للتغيير.

الناشط الحقوقي سمير الشرني يتكلم وتعابير الأسف على وجهه، لأنه يعلم أن سؤالا ساخرا يُطرح "عن أي حقوق إنسان سيتكلم" الطلاب لم يرتكبوا الجرائم. كان كل ذنبهم أنهم يمارسون حقهم بمعارضة النظام. انتهكت حقوق الإنسان. هُدمت بيوت البعض، اعتقل من اعتقل دون محاكمة عادلة. عذبوا عذابا لا يتحمله إنسان.

المؤرخ محمد العنيزي يخبر كيف أن طلاب الجامعة اكتشفوا أن هذا النظام لن يصلح البلاد، ولن يأتي بشيء في صالح الوطن، فنزلوا بمظاهرات يهتفون "أين الحرية؟".

يلقى القبض على العشرات من الطلاب بينهم عدد كبير من الإناث، كما يشير العنيزي، "كان للمرأة دور عظيم، في كلية التربية." فصلن من الجامعة، ومنعن من السفر، وجردن من الحقوق المدنية.

وللمفارقة كانت هناك جائزة اسمها "جائزة القذافي لحقوق الإنسان"، بينما كانت عناوين الجرائد في الدول العربية تتصدرها أخبار ليبيا، التي تتحدث عن انتهاك واسع لهذه الحقوق.

تعذيب واعتقال. كلاب تعوي، تُهدد المعتقلات بإطلاقها عليهن، في حال عدم الاعتراف بذنوب لم يرتكبنها، سوى ممارسة حقهن بمعارضة النظام. معارضون ومعارضات، يعاملون كمجرمين.
معتقلة، تخبر عما تعرضت له من تعذيب وضرب، تقول "ما شوف إلا الموت قدامي.."

رسوم غرافيكس، تشرح بعض المشاهد، كاجتهاد وطريقة أخرى في التعبير، وإغناء لعين المشاهد، كي لا يمل من الأسلوب السردي المكرر، وشده لمتابعة الأحداث التي بعضها أيضا متشابه. نجح رسام الغرافيكي جمال الدين غبارة بأسلوبه البسيط المعبر في توصيل الحالة.

معظم المعتقلات، ما بين التاسعة عشرة والثلاثين تعرضن تقريبا لنفس أدوات التعذيب. عن طريق الكهرباء، والضرب والتهديد بتصويرهن عاريات. بعضهن كن أمهات، حرم أولادهن من حنانهن ورعايتهن، ولصغر سنهم نسوا أن لهم أمهات. كانت أخبار المعتقلات مقطوعة عن أهاليهن.

الكاميرا لا تهدأ وهي تمر على الرسومات، المرسومة بالأبيض والأسود، تتحرك كي تُبعدها عن الجمود، أيضا تمرر عليها الإضاءة غير الجامدة، وفي الخلفية أصوات ما يجري من أحداث. محاولات عديدة من المخرج جمال دلالي لإنجاز فيلمه بمناخ فني تعبيري، ليوصل قضية إنسانية تستحق الاجتهاد، يخشى أن تنسى ولا يسجل مأساتها، التاريخ.

جميلة فلاق: المجتمع لا يعترف بمعاناة السجينات وكان علينا أن نعالج أنفسنا بأنفسنا

يقول المؤرخ العنيزي، إن ليبيا الثمانينات، كانت سجنا كبيرا. القذافي أغلق أبواب التجارة، ومنع الناس من السفر، وأخذ ممتلكاتهم وبيوتهم. ما أدى إلى حالة من الغليان والاحتقان، فقد بدأ مع انتهاء السبعينات، يفرض نفوذه.

تُداهم اللجان الثورية، وتعتقل وتنفذ أحكام الإعدام في باحة الجامعة، وأمام أعين الناس، كذلك تنقل عمليات إعدام المعارضين عبر التلفزيونات، لتربية الباقي من المواطنين.

يتابع الفيلم سرده من خلال المعتقلات المحررات، ويعرض وثائق لمعمر القذافي، وعناوين جرائد، كدليل قاطع على ما يُقال.

في العام 1977 تنحى القذافي من رئاسة مجلس قيادة الثورة، ليُنصب نفسه "قائدا للثورة" وفي 2008 منح نفسه لقب "ملك ملوك أفريقيا" في حين أن إحدى المعتقلات كانت قد اعتقلت، بسبب كتابتها على الحائط "القذافي كلب الصحراء" ولكم أن تتصوروا العذاب.

ترددت في الفيلم جملة تقول إن "عيون القذافي لا تنام". أما ابن المعتقلة سلمى الشهيب فلا ينسى كيف سيقت والدته إلى الاعتقال. "أتوا بسلاحهم وكأنهم بجبهة حرب". كانت مصابة حين حققوا معها. ويقول شقيقها إنهم لم يعرفوا عنها شيئا لمدة سنة ونصف وفيما بعد عرفوا بأنها توفيت. تأكيدا على ما قيل، يظهر القذافي بتسجيل فيديو وهو يخبر أن "في ناس في السجن انتهوا، إما انتهوا أثناء التحقيق، أو صدر حكم بتصفيتهم جسديا" وكانت نظارته تلمع ونبرته مطمئنة.

وفي الوصول لفترة التسعينيات، نجد أن النظام، قد قضى على الحركة الإسلامية التي نشأت حينها، عندما شن هجوما عليهم، مؤكدا على عدم انهيار الاشتراكية، كما أنه جرى خداع بعض من كان هاربا منهم، إلى الولايات المتحدة الأميركية، من قبل الاستخبارات الأميركية، التي سلمتهم لنظام القذافي، أيام الرئيس بوش.

فيلم "نساء في قبضة العقيد" يوثق بشكل بانورامي مراحل مختلفة من نظام القذافي، بشكل ضيق، مركزا على سيرة المعتقلات فحسب، متجنبا الدخول بأية تحليلات سياسية أو شرح لتلك الشخصية الديكتاتورية السادية.

مع تحرر المعتقلات، لا يعني أن المشكلة انتهت، خاصة في مجتمع لا يعترف بالأمراض النفسية. حاولت المعتقلات معالجة أنفسهن بأنفسهن، وماذا عن الناس الذين يتجنبوهن، مخافة من أن يطالهم أي سوء. وماذا عن أولاد، لم يعتادوا ولم ينشأوا بحضن أمهات أتين من جديد دخيلات على حياتهن.

يقول أحد الآباء "صعب على المرأة أن تعتقل. ويخونه الكلام، فما لم يقل وما لم يشر إليه سوى بمشهد تمثيلي عابر، كاحتمال أن تكون هناك حالات اغتصاب، لا يتقبلها مجتمع محافظ، كالمجتمع الليبي. المعتقلة فاطمة التايب طلقها زوجها، بدلا من الوقوف إلى جانبها.

سمير الشرني: عن أي حقوق إنسان نتحدث في ليبيا القذافي!

أما بعد وبما نعاصره من أحداث في يومنا الحاضر، فقد أتى دور المرأة على صعيد أوسع، في العديد من الدول العربية، ليكملن المسيرة المرة، المؤسفة لمجتمع أول ضحاياه وعلى مستوى عال من انتهاك للكرامة، والعذاب والجروح والمعاناة، هي المرأة. عانت وما زالت تعاني من السبي والاغتصاب والبيع في سوق النخاسة، والإعدام والتعذيب والاعتقال.. وكما صرخت الفنانة فاتن حمامة يوما بأحد أفلامها "لا عزاء للسيدات" وكما أن هناك " نساء في قبضة العقيد" هناك أخريات لا يُحصى عددهن، في قبضات مختلفة لسفاحين وجلادين وإلى ما لا نهاية من أشكال وألوان.

الفيلم التسجيلي: "نساء في قبضة العقيد"
إخراج وسيناريو الدراما الوثائقية: سماح الماجري
إخراج جمال دلالي
منتج منفد: أوريزون
الجزيرة الوثائقية 2015
مدة الفيلم 44،51 د.

* كاتبة من لبنان
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة