"كسر الصمت".. شهادات شجاعة لنساء مغتصبات   
الثلاثاء 14/9/1436 هـ - الموافق 30/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 2:04 (مكة المكرمة)، 23:04 (غرينتش)


عيسى الشيخ حسن*

تأتي أهمية فيلم "كسر الصمت" أو "محاربة الصمت" من شجاعة ضحايا جرائم الاغتصاب المستشري في الكونغو الديمقراطية، بسرد مروياتهن والخروج بها إلى العلن، والإشارة إلى مجرمي الحرب في بلد عانى من تبعاتها على مدى نصف قرن، منذ استقلال الكونغو (زائير سابقا) وبروز النزعة الوطنية في ستينيات القرن الماضي، ومقتل الزعيم الأفريقي باتريس لومومبا، وما تلا ذلك من حروب وصراعات على النفوذ، وصولا إلى الحرب الأهلية الأخيرة عام 1996 استمرّت سبع سنوات وكلّفت مئات الآلاف من القتلى والجرحى والنازحين.

توسَم الحروب الأهلية بالقذارة، لاستباحتها كلّ الأسلحة التي تكفل السيطرة، كالتطهير العرقي والاغتصاب الأشد تأثيرا في ثقافة المجتمعات القبلية الأفريقية كما في هذه الحرب ، فقد سجّلت التقارير ثمانين ألف حالة اغتصاب.
المجتمع الكونغولي شهد نشاطا لمجموعات حقوقية وشبابية لفتح ملف اغتصاب عشرات آلاف النساء (الجزيرة)
من المسلّم به أن المتلقّي يعرّف الاغتصاب بوصفه جريمة عالجتها السينما، أو جاءت في سياق تاريخي مرافق للحروب والغزوات كما حدث في احتلال اليابان للصين وكوريا، وكما يحدث الآن في أكثر من بقعة ساخنة في العالم، لكن أن تشاهد الضحايا يتحدّين الحرج الاجتماعي والعُرف القبلي ويفصحن عن أسرارهنّ فهذا ما نشاهده في "كسر الصمت".

الفيلم من إخراج هولندي للتوأمين إلسي وفيمك فان فيلسون، ويظهر من خلال العمل خطان متمايزان في المشاهد، أحدهما يعتمد التسجيل المباشر، والآخر يشرك العدسة في ترجمة بصرية تضيف معاني جديدة إلى الفيلم.

وعلى مدى 52 دقيقة في الفيلم التسجيلي تظهر الضحايا الثلاث تباعا مع ذويهن، دون ذكر أسمائهن، ثلاث نساء بأعمار مختلفة، يمتلكن شجاعة الإفصاح عن أسرارهن، خدمة لجهود دولية ومحلية في التصدي لأسوأ ظاهرة استمرت بعد الحرب، وباتت الكونغو ضمن أسوأ خمس دول تتفشى فيها هذه الظاهرة، حتى أُطلق عليها في محافل الأمم المتحدة لقب عاصمة الاغتصاب في العالم. في سرديات مقطّعة بشهادات وآراء تبدو فيها جهود المجتمع المدني في تحليل الظاهرة، ومحاربتها.
بشجاعة ونبرة حزن روت بائعة السمك ما واجهته من ستة جنود (الجزيرة)
الحكاية الأولى تسردها بائعة سمك فقيرة، ترصدها الكاميرا مع الغروب على ضفاف نهر الكونغو، وهي تساوم الصيادين على صيد اليوم. تروي السيدة حكايتها عندما نزحت من قريتها من باراكا إلى منطقة أوبواري جرّاء الحرب المستعرة، يومها خرجت النساء للعمل لأن الأزواج لازموا البيوت خوفا على حياتهم من الجماعات المسلّحة، وكان ما حصل.
 
بشجاعة ممزوجة بنبرة حزن، ترافقها دقات طبل خفيفة موحية، تروي بائعة السمك ما حدث، فرغم أنها كانت مع ست نساء، فإن الجنود أمسكوها في الطريق الطويل وهي تحمل الحطب، فتتعرض لعملية اغتصاب جماعي بشعة، ليس بدافع الرغبة، بل لغرض الإهانة والإذلال وسحق كرامة عائلة وقبيلة.

تخبر الضحية زوجها فيطلب منها مغادرة البيت لأنه -حسب تعبيره-لا يريد أن يشارك ستة جنود في امرأته، فهو لا يطيق أن يكون مثار سخرية الآخرين حتى من أصدقائه المقرّبين.
   
تبدو السيدة الثانية أقل حزنا من بائعة السمك، وأكثر قدرة على ملازمة الواقع، رغم أنها تعرضت لجرائم اغتصاب وهتك عرض وإجهاض، فقد ضربها الجنود ضربا مبرحا وتناوبوا عليها، وتركوها تنزف كالذبيحة.

كلما تذكرت المرأة الحادثة ركضت إلى النهر كي تستحمّ، في مسعى تطهّري لم يتحقّق طيلة تلك السنوات، من رائحة الجند القذرة التي ملأت أنفها وهم يغتصبونها. أتقنت الكاميرا التعامل مع السردية في مشهدين، الأوّل على شاطئ النهر، والثاني تحت المطر، وفي كليهما أغنت الكاميرا بشاعريتها ورمزيتها شهادة المرأة التي تريد غسل الماضي الأليم، وقد فقدت جنينها وشرفها وزوجها الذي طردها من البيت. 
الزوج أرجع زوجته المغتصبة لأهلها لأنه يرفض أن يشاركه أحد فيها ثم رجع إليها معتذرا (الجزيرة)

تقول الناشطة الاجتماعية التي تعد بطلة الفيلم إن النساء في قبيلتها لا قيمة لهن، ولهذا لم يهتم أحد لآلامهن النفسية، فيما يرى الجندي العجوز أن الظاهرة جاءت مع دخول الجيوش الأجنبية إلى البلاد (بورندي-رواندا-أوغندا) وبقيت رغم انتهاء الحرب، ويضيف بعض الحاضرين أن المرأة هي السبب عندما ترتدي لباسا غير محتشم، وتخرج في ساعة متأخرة من الليل، فيما يرى الجندي الحكيم أن الاغتصاب الذي جاء مع الحرب سيتلاشى بالتدريج مع تطبيق قانون العقوبات وزيادة الوعي بالآثار الاجتماعية والنفسية المدمّرة لهذه الظاهرة.

لكنّ المجتمع الذكوري القبلي يتعامل مع الاغتصاب بنفاق واضحٍ حين يحمّل الضحية تبعات جريمة ليست لها يد فيها، ويُترك المجرم الحقيقي دون عقاب، فيتخلى الأزواج عن زوجاتهم في وقتٍ أشدّ ما يكن فيه بحاجة إلى مساعدتهم. وهذا ما يجعل الجهود الاجتماعية مضنية في حقولها المختلفة "الوعظ الديني-المسرحيات-المحاضرات".

الضحية الأخيرة فتاة صغيرة، تعرض لها مراهق، وطاردها في منطقة نائية حتى تعثرت بحفرة، فاغتصبها تحت التهديد. تكمن مشكلة الفتاة أنها مع فقد عذريتها باتت منبوذة، ومن الصعب أن يطلبها أحد للزواج، في حين يبدو فعل الاغتصاب مثار فخر عند المراهق الجاني بعد استجوابه، ومغادرته إلى السجن منتشيا.

يشير أبو الفتاة إلى أن قائد شرطة المركز ينتمي إلى قبيلة الشاب، وأن مبلغا من المال كفيل بتمييع القضية وخروج الصبي بعد شهور، فهكذا جرت العادة، الأمر الذي تؤكده الناشطة الاجتماعية، وهذا ما يشجع على استمرار الظاهرة.

تحت ضغط الواقع وجهود العمل التثقيفي والمجتمع المحلي يعود الزوجان إلى زوجتيهما، وفي مشهدين بذل فيه المخرجان جهدا إضافيا لإقناع ذوي الضحايا بتقديم المؤازرة والعون، كانت الكاميرا فيهما تشرح السردية في خواتيمها، فزوج بائعة السمك يعلن عودته إلى عائلته مع إصلاح عجلة درّاجته ليقول: إن الحياة تمشي، في حين يعد زوج الأم الحامل -وهو يقص شعر حفيده- ما جرى شيء من الماضي المهمل الذاهب بعيداً، مثلما يطير شعر حفيده في الريح، وهذا ما تعنيه بائعة السمك وهي تنشر ثوبها المغسول من أدران الماضي.

ناشطة حقوقية أمام مجموعة من الجنود: عدد كبير من المغتصبات ما زلن يلتزمن الصمت (الجزيرة)

لمرة واحدة تظهر الأسماء خاتمة الفيلم مشفوعة بشكر المخرج. وتبدو الطبيعة الأفريقية البكر التي تخيلها قراء "طرزان" حيث بلاد الشمس والمطر والأدغال، وفي بلدة صغيرة "باراكا" وشوارعها الترابية وبيوت الصفيح، ووجوه أفريقية تكثر فيها الفتيات والعسكر، وتنساب الحكايات بهدوء في بلد فقير كان يوما من أغنى بلدان أفريقيا.

* كاتب سوري مقيم في الدوحة

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة